; التيار العلماني.. من المآزق إلى المخارج (2) | مجلة المجتمع

العنوان التيار العلماني.. من المآزق إلى المخارج (2)

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007

مشاهدات 79

نشر في العدد 1767

نشر في الصفحة 66

السبت 01-سبتمبر-2007

الموقف من الدين

  • تناولنا في العدد الماضي المأزق الأول للعلمانيين العرب «الهوية الفكرية» واليوم نتحدث عن المأزق الثاني «الموقف من الدين».. وهو فرع عن المأزق الأول، لكن نفضل أن نفرده بالحديث لخطورته ومركزيته.. ذلك أن التوجه العلماني تختلف مكوناته في النظر إلى الدين وفي التعامل مع النص الديني، وفي تقدير دور الدين كمعامل تغييري. 

  • والملاحظ أن الموقف الكلاسيكي داخل التوجه العلماني ما زال يهيمن على مكوناته في الوطن العربي؛ إذ تنظر إلى الدين وإلى مضامينه باعتبارها عائقًا ضد الديمقراطية، بل إن بعضها قلب عناصر المعادلة السياسية، وصار ينظر إلى المعركة مع الدين ومع كل مظاهره وكأنها المعركة ذات الأولوية الحاسمة لتأتي بعدها المعارك الأخرى المتعلقة بالحريات والديمقراطية. أو بتعبير ماركسي صار الصراع مع الدين وجميع تمثلاته هو الصراع الأساسي، بينما تبقى كل جبهات الصراع الأخرى لتحقيق التطلعات الديمقراطية مجرد صراعات ثانوية وهناك من فضل - الأسباب سياسية – أن يمارس الصراع مع الدين من خلال صراعه مع الحركة الإسلامية، حتى لا يظهر بمظهر المنابذ لقيم الشعوب الإسلامية الصادم لمشاعرها الدينية. 

  • على أن هذا الموقف ليس هو الذي يميز مجمل الطيف العلماني؛ فهناك توجه داخل التوجه الماركسي أعاد النظر في منهجية تعاطيه مع الدين، وصار يستحضر نموذج أمريكا اللاتينية (لاهوت التحرير)، ويؤمن بدور الدين في التغيير الديمقراطي، ويقبل أن يتحاور مع الإسلاميين بناء على قاعدة هذا الطرح، وهناك من العلمانيين من يحاول أن يقرأ الكسب الفكري والسياسي للأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا. ويتعامل مع الدين ومع الحركة الإسلامية بناء على فهمه لخلاصات هذه التجربة.

  • وهناك من ذهب به الانفتاح بعيدًا، وبدأ يؤمن بحق الآخرين في أن يؤسسوا الديمقراطية من خلال مرجعيتهم الدينية شريطة الإيمان بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وحق الأقليات، لكن مثل هذه التوجهات المتعايشة مع الدين ومع الحركات الإسلامية ما زالت تعاني ضعفًا على مستوى الحضور، ولم تستطع أن تنقل هذه القناعات إلى رؤية فكرية عامة يرتكز عليها التيار العلماني بجميع أطيافه ومكوناته؛ فالغالب في البلاد العربية، هو التيار العلماني الكلاسيكي السطحي الذي يرى أولى أولوياته هو تصفية الحركة الإسلامية ومن خلالها المضامين الدينية.

  • ولعل هذا ما يفسر بوضوح تعذر قيام أي جبهة حقيقية بين الإسلاميين والعلمانيين على قاعدة النضال الديمقراطي. وما نراه من تقاربات علمانية وإسلامية لا يتعدى بعض المحاولات المحدودة التي تنسجها في الغالب رموز معروفة بالاعتدال من الطرفين، وما عدا ذلك، فجبهة الصراع العلماني الإسلامي محتدمة فكريًّا وسياسيًّا أكثر من أي جبهة أخرى بما فيها جبهة النضال من أجل الديمقراطية في الوطن العربي.

  • المأزق الثالث: النضال على جبهتين

  • هذا المأزق هو النتيجة الطبيعية للمأزقين الأولين؛ إذ إن التوجه العلماني اليوم يجد نفسه – حسب تعبير الباحث عمرو حمزاوي في دراسته التي نشرتها مؤسسة كارنيجي – يقاتل على جبهتين، فمن جهة يناضل من أجل الديمقراطية، وهو ما يفرض أن يرتب معركته مع نظم الحكم الاستبدادية، ومن جهة أخرى يجد نفسه محاصرًا من طرف الحركة الإسلامية ذات الامتداد الجماهيري الواسع.

  • وتعدد الجبهات بالنسبة للتوجه العلماني يفرض عليه، وفي لحظة حاسمة أن يرجح أي جبهة يختار، خاصة أن التجاذب بين نظم الحكم والحركة الإسلامية صار هو القاعدة في كثير من بلدان العالم العربي، فهل يختار التوجه العلماني النضال على الجبهتين؟ أم يشكل جبهة للنضال الديمقراطي مع الإسلاميين ضد نظم الحكم؟ أم يؤجل معركة الديمقراطية ريثما يصفي حسابه مع الإسلاميين دعاة الفكر الشمولي، بحسب زعم بعض توجهاته؟

  • إنه مأزق حقيقي في السلوك السياسي للعلمانيين؛ إذ غالبًا ما يختار التوجه العلماني التقارب مع نظم الحكم، عملا بقاعدة «تحمل أخف الضررين».. ولا تكاد تجد غير هذا المسلك إلا في تجارب محدودة كما هو الحال في «مصر» التي تعاني فيها الحركة العلمانية من ضعف شديد، وتزداد نسبة سخط الشارع المصري على النظام الاستبدادي، وتجد الحركة العلمانية نفسها مجبرة على الاصطفاف في جبهة المعارضين للنظام السياسي المصري الذي لا يتورع عن استهداف كل الخصوم السياسيين مهما كانت انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية.

الرابط المختصر :