العنوان التوريق وحكمه في الشريعة الإسلامية
الكاتب نزيه حماد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 29-يوليو-1997
كلمة «التوريق»، مصطح اقتصادي جديد، معناه: جعل الدين المؤجل في ذمة الغير - في الفترة ما بين ثبوته في الذمة وحلول أجله - صكوكًا قابلة للتداول في سوق ثانوية، وبذلك يمكن أن تجري عليه عمليات التبادل والتداول المختلفة، وينقلب إلى نقود ناضة «النقود السائلة»، بعد أن كان مجرد التزام في ذمة المدين.
وقد اشتقت هذه التسمية مما جاء في اللغة من قولهم: أورق الرجل، إذا صار ذا ورق، والورق: الدراهم المضروبة من الفضة، وهو كناية عن كثرة النقود في يده.(1)
ومن المعلوم أن الدائن يصير بالتوريق ذا نقود سائلة «ورق» بعد أن كان مجرد صاحب دین مؤجل في ذمة الغير، وكذا سائر من انتقلت إليه ملكية ذلك الصك ونظير ذلك مصطلح «التورق» في الفقه الحنبلي الذي يعني «أن يشتري الشخص سلعة نسيئة، ثم يبيعها نقدًا لغير البائع بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد» (۲) حيث إن قصد ذلك الشخص بالبيعتين هو الحصول على الدراهم الناضة لا غير.
وقد أطلق بعض العلماء المعاصرين على هذه العملية اسم «التصكيك» وذكر أنها تقوم في : الأساس على خلق أوراق مالية قابلة للتداول، مبنية على حافظة استثمارية ذات سيولة متدنية (۳)، هذا وقد اكتسبت هذه الأوراق المالية «وثائق تداول الديون» أهمية كبرى في أسواق المال العالمية في السنوات الأخيرة، حيث فتحت الباب على مصراعيه لتداول الديون واستثمار الأموال في هذه السبيل الميسر المنظم.
وتتم عملية تداول الديون بطرق مختلفة، فقد يبيع المصدر الأصلي «أي البنك مثلًا»، الدين برمته إلى مالك جديد، يقوم بعد شرائه تلك الديون بقبض أقساط التسديد والفوائد المترتبة على القرض وعلى التأخير... إلخ، وتقتصر مهمة المصدر الأصلي على خدمة العلاقة بينهما، وتسمى هذه Pass throughs، وقد تبقى ملكية الدين للمصدر الأصلي، وتبقى العلاقة مستمرة بينه وبين المدين، ولكنه أي المصدر الأصلي، يقوم ببيع تيار الفوائد المتوقع من ذلك القرض، فيكون الدين مستحقًا للمصدر الأصلي، ويتحمل هو المخاطرة المتضمنة فيه، ولكنه يستعجل قبض الفوائد بأخذها من طرف ثالث معجلة «بمبالغ أقل طبعًا»، وتسمى - Pay throughs، أي أن المصدر يقبض مقدمًا الفوائد المتوقع دفعها فقط، أما الطريقة الثالثة، فهي إصدار سندات مضمونة بتلك الديون، ثم بيعها، فتكون الديون الأصلية ضمانًا لتلك السندات فقط وتسمى .Mortgage baked
وقد توسعت هذه العمليات حتى صار جل الديون قابلًا للتنضيض بهذه الطريقة، بما في ذلك الديون على الدول «دول العالم الثالث» للبنوك الدولية، ولا يلزم أن يكون لها وثائق مثل الأسهم والسندات، بل كثيرًا ما تبقى على صفة قيود محاسبية في دفاتر المؤسسات المعنية، وتتداول بينهم بواسطة الكمبيوتر
حكم التوريق في الفقه الإسلامي
أما عن الحكم الشرعي للتوريق ومدى مشروعيته، فالنظر الفقهي يقتضي التفريق بين نوعين من المديونية: مديونية النقود، ومديونية السلع، وبيان ذلك فيما يلي:
أ- توريق الدين النقدي
إذا كان الدين الثابت في الذمة المؤجل السداد نقودًا، فقد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم جواز توريقه، وامتناع تداوله في سوق ثانوية، سواء بيع بنقد معجل من جنسه أو غير جنسه، وذلك لسريان أحكام الصرف عليه - إذ الصرف بيع نقد بنقد - ومن شروط صحته الحلول والتقابض، وهما منتفيان في هذه العملية، ولا فرق في ذلك الحكم بين أن يكون سبب وجوب الدين النقدي في الذمة قرضًا أو بيعًا أو غير ذلك.
وعلى ذلك، فلا يجوز توريق دين المرابحة المؤجل، وتداوله من قبل المصارف الإسلامية أو الأفراد أو في سوق ثانوية أو غير ذلك عن طريق البيع بنقد معجل أقل، كما يجري في عمليات توريق الديون وتداولها في سوق الأوراق المالية، حيث إن ذلك من الربا باتفاق أهل العلم.
أما عن حكم بيع صكوك المضاربة لدى البنوك الإسلامية التي تمثل حصصًا شائعًة في وعاء المضاربة، فيفرق في شأنها بين ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون موجودات وعاء المضاربة سلعًا عينية، فهذه لا حرج شرعًا في بيع صكوكها بنقود معجلة أقل من قيمتها أو أكثر أو مساوية - ولا حرج أيضًا في شراء المساهم «الجديد» حصة المساهم «الخارج»، لأن ذلك كله من قبيل بيع الأعيان بالنقود، ولا ينطوي على صريح الربا ولا شبهته، وهو خال أيضًا من الغرر المحظور شرعًا، والأصل فيه الحل والمشروعية.
الحالة الثانية أن تكون موجودات وعاء المضاربة ديون مرابحات مؤجلة فقط، فهذه الديون لا يحل توريقها، ولا يجوز بيع صكوكها بنقود معجلة أقل من مقدار الديون المؤخرة، كما لا يجوز شراء مساهم «جديد» حصة مساهم يرغب الخروج بنقود ناجزة أقل من المقدار المؤجل، لأن ذلك من الربا باتفاق الفقهاء.
الحالة الثالثة: أن تكون موجودات وعاء المضاربة خليطًا من سلع عينية «ونحوها من المنافع»، وديون مرابحات، وفي هذه الحالة يفرق بين صورتين:
الصورة الأولى: أن تكون قيمة الأعيان «ونحوها من المنافع» أكثر من مقدار الدين، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الأولى، وهو الحل والجواز، إذ والأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل (٥)، كما هو مقرر في قواعد الفقه، ولأنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها (٦) حسب ما جاء في القواعد الفقهية أيضًا.
والصورة الثانية: أن تكون قيمة الأعيان والمنافع أقل من مقدار دين المرابحة، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الثانية، إذ «الأقل لا يزاحم الأكثر» (۷) ولأن «إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع» (۸)، كما جاء في القواعد الفقهية.
وقد جاء تأكيد ذلك في قرار مجمع الإسلامي بجدة حول سندات المقارضة وسندات الاستثمار ونصه «الصورة المقبولة شرعًا لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:
- أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونًا فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:
أ- إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا، فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد، وتطبق عليه أحكام الصرف.
ب- إذا أصبح مال القراض ديونًا، فتطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
ج- إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر المتراضي عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع.(9)
ب- توريق الدين السلعي «المديونية العينية»
إذا كان الدين الواجب في الذمة - المؤجل الوفاء - سلعيًا، بأن كان مبيعًا موصوفًا في الذمة منضبطًا بمواصفات محددة، طبقًا لمقاييس دقيقة معروفة، سواء أكان من المنتجات الزراعية كالحبوب، أو الحيوانية كالألبان ومشتقاتها، أو الصناعية كالحديد والأسمنت والسيارات والطائرات أو من منتجات المواد الخام كالبترول والغاز الطبيعي أو نصف المصنعة كالنفط والكلنكر وغيرها، فقد اختلف الفقهاء في جواز توريقه تبعا لاختلافهم في حكم بيع دين السلم من غير المدين «المسلم إليه» قبل قبضه بثمن معجل، حيث ذهب إلى منعه جمهور من الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة(١٠)، ووافقهم على ذلك المالكية إن كان طعامًا(۱۱)، وأجازه الإمام أحمد في رواية عنه، وهو وجه عند الشافعية، وقد اختار الجواز ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية(۱۲): «جاء في الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية» ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره وهو رواية عن أحمد.(13).
وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» والدين في الذمة يقوم مقام العين، لهذا تصح المعارضة عليه من الغريم وغيره.(١٤).
فإن قيل: إن بيع الدين قبل قبضه لغير من عليه الدين هو بيع لما لم يقبض، وهو منهي عنه في الأحاديث الصحيحة؟!، فالجواب ما قاله ابن تيمية في «المسائل الماردينية»: «النهي إنما كان في الأعيان، لا في الديون» (١٥) فافترقا.
وعلى هذا، فيمكن القول بأنه بناء على ما اختاره ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية - وهو رواية عن أحمد ووجه عند الشافعية - يجوز توريق الديون السلعية وتداولها في سوق ثانوية، ولا حرج في ذلك شرعًا، والله تعالى أعلم.
لا بد من التفريق شرعًا بين المديونية النقدية والمديونية السلعية
الهوامش
1- القاموس المحيط ص ۱۱۹۸، أساس البلاغة ص ٤٩٦.
المصباح المنير ٤٤١/٢ .
٢- وهذه المسألة معروفة عند بقية المذاهب، ولكنهم لا يسمونها تورقًا، أما عن حكم التورق عند الفقهاء، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحته، لأنه بيع لم يظهر فيه قصد الربا ولا صورته، وكرهه عمر بن عبد العزيز ومحمد بن الحسن الشيباني، وقال الكمال بن الهمام: هو خلاف الأولى، واختار تحريمه ابن تيمية وابن القيم على أنه من بيع المضطر، غير أن المذهب الحنبلي على إباحته (رد المحتار ٢٧٩/٤، فتح القدير ٤٢٥/٥، روضة الطالبين ٤١٦/،٣ شرح ابن القيم على مختصر سنن أبي داود 108/5، كشاف القناع 150/3، 186، الاختيارات الفقهية من فتاوی ابن تيمية للبعلي ص ۱۲۹، مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد م٢٣٤).
3- الدكتور محمد علي القري الأسواق المالية ص ١١٦.
4- الأسواق المالية للدكتور القري ص ١١٦ - ١١٨.
5- المبسوط للسرخسي ٣٩/٣.
6- مجلة الأحكام العدلية م ٥٤.
7- المبسوط للسرخسي ١١٥/٢.
8- المبسوط 100/16، 100/26.
9- القرار رقم (٥) د 4/ 08/ 88 (الدورة الرابعة للمجمع المنعقدة بجدة ما بين 6- 11 فبراير ۱۹۸۸م).
١٠- بدائع الصنائع ۲۱٤/٥، رد المحتار ١٦٦/٤، ٢٠٩، الأم الشافعي ،۱۳۳/۳، المجموع للنووي ۲۷۳/۹، كشاف القناع ۲۹۳/۳، شرح منتهى الإيرادات ۲۲۲/۲، المغني لابن قدامة ٣٣٤/٤.
11- بداية المجتهد ۳۳۱/۲، القوانين الفقهية ص ٢٧٥، التاج والإكليل ٥٤٢/٤.
۱۲ -مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٠٦/٢٩، المبدع شرح المقنع ١٩٩/٤، المنثور في القواعد للزركشي ١٦١/٢.
۱۳-الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ۱۳۱.
١٤- إعلام الموقعين عن رب العالمين ٣/٤.
١٥- المسائل الماردينية لابن تيمية ص 102.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل