العنوان التوجه الإسلامي يقود الحياة العراقية الجديدة
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر السبت 17-مايو-2003
مشاهدات 52
نشر في العدد 1551
نشر في الصفحة 26
السبت 17-مايو-2003
الإسلاميون العراقيون يمسكون بزمام الموقف.. والتفاف شعبي سريع التشكيل
اتسع نشاط الحركات الإسلامية في العراق بشكل منقطع النظير، ربما يفوق أي دولة في العالم بعد سنوات من الخوف سياسياً واج والإقصاء مقار اكثر من عشر إسلامية، وقد اتفق الساحة بركات أنها تمكنت حتى الآن من التوافق بينها على الرغم من الاختلافات المذهبية، ونجحت في توحيد الصف الوطني، على عكس ما كان متوقعاً في بعض الدوائر الغربية من أن تنشب حرب طائفية.
وهي تمارس دوراً كبيراً في المطالبة برحيل قوات الاحتلال الأمريكي من العراق عبر تظاهرات سلمية، تنطلق في بغداد بشكل يكاد يكون يوميا، مما أزعج القوات الأمريكية كثيراً.
ومن الواضح أن انزعاج الولايات المتحدة من الموقف أخذ بالتطور إلى خشية . كما يؤكد المحللون السياسيون - على نفوذها الواسع وتأثيرها على مستقبل العراق السياسي، الذي تتوخى واشنطن أن يقوده نظام علماني موال لها.
وفي بغداد المحتلة: سارع الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي إلى إصدار صحيفة إسلامية اسماها الساعة لقيت ترحيباً واضحاً، بينما عاد بعض الحركات والأم الإسلامية إلى الساحة بعد سنوات من العمل في المنافي مثل حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذي كان في إيران وعاد النشاط السياسي العلمي للإخوان المسلمين. فبرز الحزب الإسلامي العراقي الذي تأسس مطلع الستينيات، بينما ظهرت مجموعة جديدة باسم حركة الفضلاء: أنشأها طلبة الحوزة العلمية في النجف.
ويرى مراقبون للمشهد العراقي الأخذ بالتشكل بسرعة كبيرة هذه الأيام أن الحركات والأحزاب الإسلامية تنال أكبر الاهتمام من القاعدة الشعبية، بينما يلتف الجمهور حول المساجد، التي تمثل مقابر التوجيه العام في معظم المناطق. أما الحركات السياسية الأخرى فتبدو غائبة عن المشهد الشعبي.
ويرى كثيرون في العراق أن التوجه الإسلامي بشكله الجديد، الذي عبر عن التلاحم الوطني سيكون له الأثر الكبير في أي انتخابات برلمانية قادمة، أو في أي حكومة انتقالية، مادامت القاعدة الشعبية العريضة لتلك القوى الإسلامية ستمنحها الفرصة الكبرى للنجاح والتوسع في عملها، خاصة بعد أن تمكنت من ضبط الوضع الاجتماعي بشكل كبير خلال أيام الحرب وما تلاها. واستطاعت إعادة الكثير مما سرق خلال الفوضى التي عمت العاصمة بغداد وكبريات المدن، نتيجة الفراغ والانفلات الذي سببه الاحتلال.
وأنشأ الإسلاميون العراقيون مشافي المعالجة المرضى، وعمدوا إلى توزيع الغذاء والدواء على الأسر المحتاجة، في الوقت الذي ينصب اهتمامهم فيه على ملف وجود القوات الأمريكية ومطالبتها بالرحيل.
ويتفق معظم العراقيين على أن نجاح الحركات الإسلامية في توحيد صفوفها، على تنوع مشاربها هو ضمانة على أنها نجحت في رفد المجتمع بصورة جديدة من التضامن الإسلامي، سيساعد مستقبلاً في النجاح في حركة بناء العراق وإعادة إعماره، والمحافظة على هويته العربية الإسلامية، مما سيساعد على إبقائه ضمن محيطه الإقليمي العربي والإسلامي، بينما يخشي المراقب العراقي أن تتقاذف البلاد أمواج متلاطمة، خاصة وأنه لا مؤشرات على أن الاحتلال الأمريكي سيحمل عصاه. ويرحل ،في الأمد المنظور .
الحزب الإسلامي في الموصل
الحديث عن الاحتلال الأمريكي للعراق أسبابه وخططه وأهدافه حديث طويل أتوقع أن يشغل الكتاب والسياسيين زمن طويلاً. وهو بكل تأكيد يستحق ذلك.. فالأصل أن تستخلص العبر من حدث كبير بهذا الحجم.
في مجلة المجتمع (عدد ۱٥۳۷) كتبت تحت عنوان: التاريخ يعيد نفسه بين سایکس بیکو وبيرل - فيت.. وقلت إن الحروب ترافقها باستمرار مؤامرات واتفاقيات.. ولو توقفت الحرب.. فإن الاتفاقيات والمؤامرات مستمرة.
فالمنطقة العربية تعيش منذ عام ١٩١٦ نتائج اتفاقية سايكس بيكو.. ولم تخرج منها بعد.. فهل سنمضي مائة سنة أخرى نعالج المؤامرة التي أعلنت في البنتاجون الأمريكي والتي اطلقوا عليها اتفاق بيرل - فيث.؟
لكني اليوم سأتحدث عن الحزب الإسلامي في الموصل.. والموصل وإن كانت جزءاً من العراق.. وهي اليوم تحت الاحتلال الإنجلوسكسوني إلا أنها جزء أيضاً من الذكريات.. فقد كنت شديد الإشفاق على الثلة التي أمضينا معها أجمل سنين عمرنا في نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، ونحن زملاء دراسة في جامعة استانبول.. من هؤلاء د. طه الجوادي، د. إدريس الحاج داود، د. محمود الحاج قاسم د. عبد الله الرحو د. بشير حنون د. عبد الجبار الحسن، وغيرهم كثيرون.
كنت مشفقاً أن يكون أصابهم مكروهة فالصواريخ الموجهة التي زعموا أنها ذكية وصلت إلى جميع الأقطار المجاورة للعراق وضربت المدنيين العراقيين في المدن والقرى.. فسقطوا بالآلاف بالقنابل التي تكفي الواحدة منها لتدمير منطقة بأكملها كنت اسأل نفسي هل أصابتهم إحدى هذه القنابل الذكية وهل وصل إليهم التمدن الديمقراطي الأمريكي؟
كنت في هذا الحديث مع نفسي.. حتى قرأت ما كتبة مراسل النيويورك تايمز الأمريكية الذي زار مقر الحزب الإسلامي في الموصل وتحدث مع د. إدريس الحاج داود أحد قادة الحزب.. فرحت كثيراً لسلامته وآنست بكلماته للمراسل كما كنت استمتع بحديثه في استانبول.. زرته مرة فقال لي: ٣٤، ولم أفهم، وبعد قليل طرق الباب صديق آخر فرحب به وقال له أنت ٣٥ .. ففهمت أنه استقبل في ذلك اليوم حتى ذاك الوقت ۳5 زائراً. وكان اليوم الثاني موعداً لامتحانه النهائي.
تحدث الدكتور إدريس عن الحزب الإسلامي فقال: لقد قرر الحزب الإسلامي العودة إلى العراق بعد عشرات السنين التي قضاها في المهجر، موضحاً أن القائمين على الحزب أعادوا تشكيله ونشره بين العراقيين، خاصة بعد انهيار نظام صدام حسين وبعد أن رأينا رايات كثيرة لا تمتلك أي قاعدة شعبية تعود إلى العراق.
إننا تختلف عن هؤلاء فنحن نمتلك قاعدة حقيقية منذ عام ١٩٤٤ عندما بدأ العمل الإسلامي على يد الدكتور حسين كمال الدين موفد الإمام حسن البنا رحمه الله، لكن حكومة العهد المدني لم تسمح لنا بأن نطلق على انفسنا اسم الإخوان المسلمين، لذلك أنشأنا جمعية الأخوة الإسلامية التي قامت بدور ملموس في التربية الدينية للشعب العراقي، وكان على رأسها الشيخان أمجد الزهاوي ومحمد محمود الصراف.
وفي عام ١٩٦٠ وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم، الذي انهى الملكية وأسس الجمهورية ومكن الشيوعيين أسسنا الحزب الإسلامي.
ومثل كل الانقلابات العسكرية التي تعد الشعوب بكل الخيرات ديمقراطية حرية، أحزاب وحدة عربية تحرير فلسطين، عدالة اجتماعية.. وما إن يصدق الناس ويبدؤا بالحديث عن مشاريعهم المستقبلية حتى يبدأ النظام بالاعتقالات وبالقتل والسجل ومحاكم الشعب التي تشبه محاكم التفتيش أو أسوا منها .. ولقد أصاب الحزب الإسلامي الذي تفاعل معه الشعب العربي والكردي، السني والشيعي ما أصاب الآخرين: مطاردات واعتقالات وإغلاق القرات فقد اكتشف النظام المستبد أن هؤلاء الإسلاميين رجعيون وعلاء ومن أعداء الشعب! ولا حرية لأعداء الشعب!!
ويتابع الدكتور إدريس: تم حظر الحزب عام ١٩61وفر قادته إلى الخارج، فيما بقي الحزب يعمل سراً في الموصل التي تحولت إلى قاعدة مهمة للعمل الإسلامي لم يستطع حزب البعث، على الرغم من الإرهاب والملاحقات البوليس التي تعرض لها الافراد والاجراءات المشددة التي فرضت على المساجد، ان يقتضي هذا الحزب.. فالإسلام عميق الجذور في نفوس أهل الموصل.
أما مراسل الصحيفة الأمريكية فيقول: عندما زرت مقر من أعضائه يوزعون منشورات وكراسات تدعو إلى الإسلام بالطرق السلمية. ويؤيد الحزب إقامة نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب في البلاد.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي: أن القوات الأمريكية تعي حقيقة وجود هذا الحزب في العراق لكنها لا تنوي حظره .
وأضاف أن الأمريكيين يرغبون في الحد من تأثير الإسلاميين في الشارع وتقليص نفوذهم من خلال برامج إعادة الإعمار ونشر الطمأنينة والاستقرار وتوفير فرص عمل للمواطنين بالإضافة إلى إشاعة حرية التعبير عن الرأي.
ووفقا لتصور ذلك المسؤول، سيضمحل الحزب الإسلامي العراقي مع الوقت، بعد تشكيل حكومة علمانية ينجذب إليها المواطنون وتكون قادرة على توفير الرخاء.
وينتهج الحزب في المرحلة الحالية أسلوب عمل معتدل شبيه بالأحزاب الإسلامية في تركيا ومصر وباكستان وينشط أساسا في مجالات العمل الخيري إذ افتتح في الأيام الماضية عدداً من العيادات الطبية المجانية، وسير عدداً من الدوريات الشعبية لمكافحة عمليات النهب والسرقة، ويوزع أنصاره الصدقات على الفقراء والمستشفيات.
وقال مراسل الصحيفة: إن مكتب الحزب في الموصل عبارة عن خلية من العمل الدؤوب في بحر من الفوضى خلفتها الحرب في المدينة التي فيها الكهرباء والماء ولم يعوداً إلا قبل عشرة أيام فقط واتخذ الحزب مقراً له مكاتب اللجنة الأولمبية - التي ظلت رمزاً لنظام صدام - والتي كان يسيطر عليها ابنه عدي، وفي الطابق الثاني شاهد المراسل عدداً من الشبان يعملون على أجهزة كمبيوتر وطابعات والة تصوير ضوئي تبرع بها للحزب أحد رجال الأعمال في المدينة. وكانت الآلة تعمل بلا توقف الإنتاج المنشورات وينفي مسؤولو الحزب تلقيهم أي مساعدات من الخارج، ويؤكدون أن تمويلهم يأتي من رجال الأعمال المحلين.
وماذا عن علاقة الحزب بالقوات الأمريكية؟
يجيب الدكتور إدريس: إن موقفنا من الأمريكيين واضح ترفض وجودهم على الأرض العراقية وتعتبر قواتهم قوة احتلال وترفض التعاون معهم وأن تكون في يوم من الأيام طرفاً في الحكومة التي يعتزم الاحتلال تشكيلها.
ونحن متفقون في هذا التوجه مع جميع الفصائل الوطنية والقومية والدينية في الشعب العراقي والحكومة الوحيدة التي تعترف بها، وتتعامل معها هي الحكومة المنتخبة من قبل العراقيين تحت إشراف دولي.
وشدد على أن أقطاب حزبه في المهجر لم يشتركوا في أي مفاوضات مع الأمريكيين والبريطانيين قبل غزو العراق.
واشتكى أعضاء الحزب من. الاستفزازات التي يواجهونها من الجنود الأمريكيين في الموصل. وأشاروا إلى واقعة جرت عندما توقفت دورية أمريكية أمام مقر الحزب وطلبت من الحارس الواقف أمام المدخل - وبيده رشاش کلاشینکوف - الدخول إلى المقر وعدم الوقوف مع سلاحه خارجه، فيما كانت طائرات هليكوبتر تحوم في السماء ([1])
المتحدث باسم الحزب الدكتور محسن عبد الحميد أضاف: نظم مسبقاً أن الأمريكيين أن يقبلوا إلا بمن يعطيهم قواعد عسكرية ويعترف بإسرائيل، ونحن ضد ذلك قلبا وقالباً، ونقول إن بقاءهم بالعراق لن يطول كثيراً.
وأضاف: العراقيون لن يقبلوا بممثل، فإذا صدقوا في قولهم بأنهم جاءوا للتحرير، وخرجوا من ديارنا فيها ونعمت وإلا فإن الشعب سيستخدم كل الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس والأرض والوطن.
وحول ما إذا كان بإمكان الشعب العراقي التوحد في مواجهة الاحتلال، وهو منقسم واقعيا بين سنة وشيعة وأكراد وتركمان، شدد عبد الحميد على أن الحزب يدعو ويعمل على دعوة كل الطوائف والأعراق إلى الوحدة والأخوة في الدين والوطن. موضحاً أن الحزب يشكل لجاناً للتقارب بين هذه الطوائف والأعراق.
وأضاف: لنا مع الشيعة - على سبيل المثال - جسور طيبة ممتدة منذ عام ١٩٦٠ عندما أجهضنا المشروع الشيوعي في العراق، مشيراً إلى أن هناك لجاناً من الطرفين تجتمع وتحاول أن تنمي الأخوة الإسلامية بين السنة والشيعة.
إعادة تشكيل للأطروحات
وحول أطروحاته للوضع الحالي في العراق قال عبد الحميد: لقد أعدنا الحياة إلى الحزب، ونحن في سبيلنا لإعادة تشكيل أطروحاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مضيفاً: شكلنا لجاناً تعكف حالياً على تعديل دستور الحزب أيضاً، وحتى لا تحتنا الداخلية. وهذا لن يتم قبل شهر. وأوضح لنا الحق في أن نقدم انفسنا، وأن تنشر مبادئنا وأفكارنا ، ولا يهمنا النتائج كثيراً، كل ما نريده أن نزيد الوعي بالإسلام بين فئات الشعب وأن نزيل الغشاوة التي تباعد بين هذا الشعب وإسلامه، وسيكون ذلك من خلال ما تقدمه له في كافة المجالات، مضيفاً إننا من الآن تقدم خدمات ملموسة عن طريق تقديم الإغاثة للمنكوبين وتشكيل لجان شعبية لحل المشكلات، وتعمل في كثير من المواقع ([2])