العنوان التنمية بالإيمان.. كيف ولماذا ؟!
الكاتب هيثم محمد صوان
تاريخ النشر السبت 19-أغسطس-2006
مشاهدات 2
نشر في العدد 1715
نشر في الصفحة 52
السبت 19-أغسطس-2006
المجتمع التربوي
التنمية بالإيمان.. كيف ولماذا ؟!
هيثم محمد صوان
·
التوجيهات
والتشريعات القرآنية منهج متكامل ومتميز لتربية النفس الإنسانية
إن بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها لا يرتقي إليه منهج
آخر، لأن الإسلام منهج من صنع خالق الإنسان: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)، يصنع القلوب التي يشرع لها ويصنع المجتمع الذي يقنن له، ويمتلك الإسلام
ما لا يمتلكه غيره، منهجًا لتربية النفس وترويضها وتزكيتها، قائمًا على الخبرة
المطلقة بالنفس ظاهرها وباطنها، علانيتها وسرها.
وتعزى الكثير من الأمراض النفسية التي نعانيها اليوم إلى الخصومة
المفتعلة بين خلق الله ومنهج الله! وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه
الطغيان الطويل الذي يحطم فضائل النفس البشرية ويحلل مقوماتها ويغرس فيها
طباع العبيد.
وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى، إذ إن للإسلام منهجه
الحكيم في تربية النفس الإنسانية وقيادتها، إنه يأخذ الإنسان كما هو بفطرته
وميوله الطبيعية واستعداداته ثم يسير به من حيث هو كائن ومن حيث هو واقف، يسير به
خطوة خطوة صعدًا في المرتقى العلي، على هيئة وفي يسر: مراعيًا فطرته وميوله واستعداداته.
العبادات
وعند النظر في الشعائر التعبدية نجد قاعدة يجب تقريرها وهي: ارتباطها
الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المرجوة منها، وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك
المتعبد، وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه،
ويتضمن رسم نماذج من نفوس البشر واضحة الخصائص جاهرة السمات حتى ليخيل للإنسان،
وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات أنه يرى ذوات بعينها تدب على الأرض وتتحرك بين
الناس، ويكاد يضع يده عليها وهو يصيح: هذه هي بعينها التي عناها القرآن!
إن ديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال، ويحط
عنا الأثقال، ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه
وإلى الرقي والفلاح.
وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف
ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس لا من مجرد ضغط النص، ندرك أمرين من طول
التوجيه إلى الإنفاق وتنوع أساليب الترغيب والترهيب بصدده:
الأول: بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها من الشح بالمال
وحاجتها إلى التحريك المستمر والاستجاشة الدائبة لتستغلي على هذا الحرص وتنطلق من
هذا الشح وترتفع إلى المستوى الكريم الذي يريده الله للناس.
والثاني: ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة في البيئة
العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسخاء والكرم ولكنه كان سخاء وكرمًا يقصد به
الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام!! ولم يكن أمرًا
ميسورًا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدقوا دون انتظار لهذا كله متجردين من هذا كله
متجهين لله وحده دون الناس.
الفطرة والتشريع
إن في النفس الإنسانية ميلًا فطريًا إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن
المشاعر المضمرة، فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ أو لا تستقر حتى تتخذ لها شكلًا
ظاهرًا تدركه الحواس، وبذلك يتم التعبير عنها في الحس كما تم في النفس فتهدأ حينئذ
وتستريح وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغًا كاملًا وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن.
والرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادت
بالمنحرفين عن الطريق السليم، فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز
محسوسة مجسمة من حجر وشجر ومن نجوم وشمس وقمر ومن حيوان وطير، حير أعوزهم أن يجدوا
متصرفًا منسقًا للتعبير الظاهر عن القوى الخفية.
فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة مع
تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة، فيتوجه الفرد إلى قبلة حين
يتوجه إلى الله بكليته، بقلبه وحواسه وجوارحه، فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى
الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان.
لقد ربي الإسلام الفطرة فلا تمل التكليف، ولا تجزع عند الصدمة الأولى،
ولا تخور عند المشقة البادية، ولا تخجل وتتهاوى عند انكشاف ضعفها أمام الشدة، ولكن
تثبت وهي تعلم أن الله يعذرها ويمدها بما يعينها ويقويها، وتصمم على المضي في وجه
المحنة فقد يكمن فيها الخير بعد الضر واليسر بعد العسر والراحة الكبرى بعد الضنا
والعناء، ولا تتهالك على ما تحب وتتلذذ فقد تكون الحسرة كامنة وراء المتعة!
فقد تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمرًا ويكون فيه الخير كل
الخير، وهو حق كذلك أن تحب النفس أمرًا وتتهالك عليه وفيه الشر كل الشر، وهو الحق
كل الحق أن الله يعلم والناس لا يعلمون.
إنه الدخول في السلم من بابه الواسع، فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا
حين تستيقن أن الخيرة فيما اختاره الله، وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها
أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان.
والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد لضلال، قيمة الرؤية الواضحة بعد
الغبش، قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة،
قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة مراقبة الله تعالى ويقظة
الضمير.
إن هذه الأرض لا تصلح بالتشريعات والتنظيمات؟! ما لم تكن هناك رقابة من التقوى
في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات.
الواقعية والثبات
ومن حقائق المنهج الرباني الذي جاء لضبط تحركات البشر: الواقعية، فمن وسائله
لإنشاء آثاره في عالم الواقع مزاولته الفعل فهو لا يقدم مبادئ نظرية ولا توجيهات
مجردة، ولكنه يطبق ويزاول نظرياته وتوجهاته.
-ومن حقائق منهج الله أنه منهج ثابت قيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون
أو يقربون من هذا المنهج ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وفي قواعد السلوك ولكن
ليس شيء من أخطائهم محسوبًا على المنهج ولا معبرًا لقيمه وموازينه الثابتة.
التشريعات وحدها لا تصلح الأرض؟!
- هذا المنهج الإلهي الذي يمثله الإسلام -كما جاء به محمد ﷺ - لا يتحقق
في الأرض في دنيا الناس بمجرد تنزله من عند الله ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس
وبيانه، ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي الله ناموسه في دورة الفلك وسير
الكواكب وترتب النتائج على أسبابها الطبيعية.. إنما يتحقق بأن تحمله مجموعة من
البشر تؤمن به إيمانًا كاملًا وتستقيم عليه - بقدر طاقتها - وتجعله وظيفة حياتها
وغاية آمالها وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك وتجاهد لهذه
الغاية بحيث لا تستبقي جهدًا ولا طاقة.. تجاهد الضعف البشري والهوى والجهل في
أنفسها وأنفس الآخرين، وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل للوقوف في وجه هذا
المنهج.
وتبلغ - بعد ذلك كله - من تحقيق هذا المنهج الإلهي إلى الحد والمستوى
الذي تطيقه فطرة البشر، على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلًا ولا تغفل
واقعهم ومقتضيات هذا الواقع في سير مراحل هذا المنهج وتتابعها.. ثم تنتصر هذه
المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع
نفوس الناس تارة بقدر ما تبذل من الجهد وبقدر ما تتخذ من الأساليب العملية وبقدر
ما توفق في اختيار هذه الأساليب، وقبل كل شيء وقبل كل جهد وقبل كل وسيلة.
هنالك عنصر آخر: هو مدى تجرد هذه المجموعة لهذا الغرض ومدى تمثيلها لحقيقة
هذا المنهج في ذات نفسها ومدى ارتباطها بالله صاحب هذا المنهج وثقتها به وتوكلها
عليه، هذه هي حقيقة هذا الدين وطريقته وهذه هي خطته الحركية ووسيلته.
من علامات حسن الخاتمة وسوئها
من علامات حسن الخاتمة عند المسلم: نطقه بالشهادة عند
الموت، الموت برشح الجبين، الموت ليلة الجمعة، أو نهارها، الاستشهاد في ساحة
القتال، الموت بالطاعون أو داء البطن أو السل أو الغرق والهدم، موت المرأة في
نفاسها بسبب ولدها، الموت بالحرق، وذات الجَنْب، الموت في سبيل الدفاع عن المال
المراد غصبه أو الدفاع عن الدين والنفس، الموت على عمل صالح، من قتله الإمام
الجائر لأنه قام إليه فنصحه، ثناء الناس بالخير على الميت من جمع من المسلمين
الصادقين أقلهم اثنان، من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة.
فمن كان مشغولًا بالله، وبذكره، ومحبته في حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو
إليه عند خروج روحه إلى الله - تبارك وتعالى - ومن كان مشغولًا بغيره في حال حياته
وصحته، فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه،
ولأجل هذا، كان جديرًا بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله وطاعته حيثما كان
لأجل تلك اللحظة التي إن فاتت شقي شقاوة الأبد.
أما سوء الخاتمة: فله أسباب يجب على المؤمن أن يحترز منها: أعظمها
الإقبال على الدنيا، ومنها: العدول عن الاستقامة، أو ضعف الإيمان أو فساد الاعتقاد
أو الإصرار على المعاصي، فإن من أصر على المعاصي وطال عمره، حصل في قلبه إلفها،
وجميع ما ألفه الإنسان وأحبه في مدة عمره يعود ذكره عند موته، فإن كان حبه وميله
إلى الطاعات أكثر، يكون ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان حبه وميله إلى
المعاصي أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي.
فالقلب يشتد خوفه من فوات ما أحبه واعتاد عليه، وخاصة عند الشدائد والمصائب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل