العنوان التمييز العنصري ضد «عرب إسرائيل»
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 89
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 23-يونيو-1998
على الرغم من محاولة الحكومة الصهيونية تسويق نفسها للعالم والغرب على وجه الخصوص على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة وسط غابة من الدول العربية القمعية، إلا أن ممارساتها التمييزية والعنصرية ضد مواطنيها الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية تفضح هذه الدعاية المزيفة، وليس من حاجة للتذكير بأعمال القمع والتقتيل والاضطهاد والاعتقال التي تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين في وطنهم والتي وصلت إلى حد حصول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على أوامر من المحاكم الإسرائيلية المختلفة بتعذيب المعتقلين الفلسطينيين لانتزاع المعلومات منهم، فهل تجتمع الديمقراطية والاحتلال في دولة واحدة؟
على أننا سنحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على الممارسات العنصرية وانتهاكات حقوق الإنسان ضد فئات من المجتمع الإسرائيلي ذاته داخل مناطق الخط الأخضر الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨م، وخصوصا العرب الفلسطينيين الذين يشكلون ١٩ من سكان ما يسمى بدولة إسرائيل والذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بعد أن قاوموا في عام ١٩٤٨م كل المحاولات الإرهابية الصهيونية لحملهم على مغادرة ديارهم وأراضيهم.
إن التمييز الديني ضد غير اليهود الذين يعيشون داخل مناطق الخط الأخضر واضح ومحسوس، فعلى الرغم من تباهي إسرائيل بعلمانيتها إلا أن 2 % فقط من ميزانية وزارة الأديان يذهب إلى الهيئات غير اليهودية مع أن المسلمين والنصارى والدروز يشكلون ۱۹% من السكان، وقد سمحت الحكومة الإسرائيلية للعرب الفلسطينيين الذين يحملون جنسيتها بأداء مناسك الحج، لكنها منعت من هم دون سن الثلاثين من هذا الحق الأسباب أمنية علما بأن الدستور الإسرائيلي يكفل حق التنقل والسفر لجميع المواطنين دون تمييز بينهم.
وأصدرت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان ومقرها مدينة الناصرة الفلسطينية تقريرًا رصدت فيه سياسات التمييز وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الذين يعرفون اليوم بـ «عرب إسرائيل».
يشير التقرير إلى أن حوالي ٦٠% من العرب الفلسطينيين في إسرائيل يعيشون في قرى وتجمعات من قبل السلطات غير معترف بها قانونيًا الإسرائيلية، وهذه المناطق لا تشملها خطط التطوير والتنمية الإسرائيلية، كما أن المنازل التي يقيمها هؤلاء الفلسطينيون والمدارس والمساجد والطرق وغيرها من المرافق الخدمية تعتبر مباني غير قانونية عرضة للإزالة في أي وقت ويتم إحالة هؤلاء السكان إلى المحاكم بتهمة مخالفة القوانين، حيث تفرض عليهم المحاكم غرامات كبيرة وأحيانا تصدر بحقهم أحكامًا بالسجن، وفي حالات كثيرة يفرض على أصحاب المنازل هدم بيوتهم على نفقتهم الخاصة.
أضف إلى ذلك أن هذه القرى أو التجمعات محرومة من الاستفادة من شبكات الكهرباء أو الماء أو الهاتف، إلا أن صراع سكان تلك القرى الطويل مع السلطات الإسرائيلية أرغمها على تزويدهم بالمياه، ولا توجد مدارس في كل القرى مما يضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة مشيًا على الأقدام وتحت ظروف الجو القاسية للوصول إلى أقرب مدرسة مع غياب الطرق المعبدة.
ويشير التقرير إلى أن ثمانية من تلك القرى كانت حكومة العمل السابقة قد وعدت ساكنيها بالاعتراف بها عام ١٩٩٦م، وبالحصول على مساعدة بمبلغ ۱۷ مليون دولار، طمعًا في حصول بيريز على أصواتهم في الانتخابات الأخيرة، إلا أن سقوط بيريز أحبط أمانيهم وتم تجميد القرار، كما أن استمرار الحكومة الإسرائيلية بإصدار أوامر إزالة البيوت في تلك القرى يعني - حكمًا - تراجع الحكومة عن الاعتراف القانوني بوضعها .
وضع البدو العرب في صحراء النقب
هناك حوالي ۱۱۰ آلاف من بدو العرب يعيشون في ٤٣ مستوطنة بعضها فقط معترف به، وقامت السياسة الإسرائيلية على ترحيل بعض البدو من أرضهم وإجبارهم على العيش في مدن إسرائيلية لا تتناسب مع أسلوب حياة البدو وعاداتهم، حيث إن غالبية هؤلاء البدو من المزارعين الذين أرغموا على التخلي عن عاداتهم في رعي الأغنام والفلاحة والعيش في المناطق الرعوية والزراعية، وقد سبب لهم ترحيلهم إلى تلك المدن عددًا من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وأصابهم بالفقر، حيث إن ٦٨٪ من القادرين منهم على العمل لا يعملون، وأقل من ٦% فقط من طلاب المدارس الثانوية يجتازون امتحان الثانوية العامة وأقل من 1% يكملون تعليمهم الجامعي.
ومع أنهم يعيشون في مناطق حضرية ومدن إلا أن بعض تلك المدن يفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، فمدينة راحات على سبيل المثال التي يقطنها حوالي ٢٥ ألفًا من البدو العرب والتي تم تصنيفها كمدينة قبل بضع سنوات فقط تفتقر إلى شبكة مجاري كما أن الطرق الرئيسة فيها هي المعبدة فقط كما لا يوجد بها مركز تجاري ولا تتوافر بها فرص عمل محلية لساكنيها، وتشير الإحصاءات الإسرائيلية السنوية إلى أن راحات وتل شيفا - وهي مدينة أخرى يسكنها البدو العرب- هما أفقر مدينتين بين المدن المعترف بها في الدولة الصهيونية، حيث لا يتجاوز دخل الأسرة السنوي فيهما ۳۸% من دخل الأسرة اليهودية، وبالطبع فإن الوضع المعيشي في المناطق الأخرى غير المعترف بها من الحكومة الإسرائيلية أسوأ بكثير؛ حيث إن ٨٥ % من الأسر البدوية فيها يعيشون تحت خط الفقر. كما أنه لا تتوافر لهم خدمات صحية مناسبة أو ثابتة، فأكثر من ٤٥٠ ألفًا من بدو النقب يتلقون الخدمة الصحية من عيادتين متحركتين تتنقلان بين القرى والتجمعات البدوية على الرغم من أن السكان يدفعون الضرائب ورسوم التأمين الصحي إضافة إلى أن الدولة اليهودية ملزمة وفق دستورها «بتقديم الخدمات الصحية لجميع مواطنيها بدون تمييز»، وعلى الرغم من ذلك قررت الحكومة إلغاء عقدها مع إحدى العيادتين المتنقلتين ابتداء من منتصف هذا العام .وتواصل السلطات الإسرائيلية سياستها التي بدأتها في الخمسينيات بمصادرة أراضي البدو العرب في صحراء النقب، وتساوم الحكومة أصحاب الأراضي في النقب على إعطائهم سندات تملك رسمية لأراضيهم إذا ما وافق صاحب الأرض منهم على التنازل عن ۸۰% من أرضه، وتحاول دائرة تسوية الأراضي الإسرائيلية حاليًا التفاوض مع بدو النقب على مصادرة أكثر من ٧٥٠ ألف دونم من أراضيهم مقابل إعطائهم صكوك ملكية عن بقية أراضيهم، وقد أنشئت تلك الدائرة خصيصًا لحل النزاع القائم بين الحكومة وبدو النقب، ومن أجل تشجيع البدو على الانتقال إلى المدن تقوم السلطات بهدم بيوتهم المقامة في المناطق غير المعترف بها وبإجبارهم على إخلاء قراهم، غير القانونية، ويتم هذا الإجراء بصورة متكررة، فقبيلة ترابين السند أجبروا على إخلاء بيوتهم عدة مرات وكل مرة لسبب مختلف، ومن أجل مصادرة أراضيهم وحملهم على الانتقال إلى المناطق الحضرية، تتخذ السلطات أساليب متعددة عن طريق توسيع المناطق الخاضعة لما يسمى بالدوريات الخضراء، وهي وحدات متنقلة مهمتها «حماية أراضي الدولة»، وتدمير الحقول الزراعية والأشجار التي يملكها بدو النقب، وتنفيذ أوامر سابقة وقديمة بهدم بيوتهم وإصدار أوامر جديدة والتهديد بإعلان بعض المناطق كمناطق عسكرية تجري فيها مناورات بالذخيرة الحية لمنع السكان المحليين من دخولها كما فرضت السلطات قيودًا إضافية على تنمية وتطوير مناطقهم الزراعية.
فلسطينيون نازحون في أرضهم!
يشير التقرير إلى وجود أكثر من ۲۰۰ ألف نازح يعيشون في إسرائيل كلهم فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية كانوا قد حرموا من حق العودة إلى بيوتهم وقراهم التي اضطروا إلى إخلائها أثناء وبعد حرب عام ١٩٤٨م، وعلى الرغم من أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية وموجودون داخل إسرائيل، إلا أن أملاكهم اعتبرت أملاك غائبين بموجب قانون أملاك الغائبين لعام ١٩٥٠م. وأصبحوا يعرفون بالغائبين الحاضرين أو اللاجئين المحليين، وقد رفض ما يسمى بالمحكمة العليا الإسرائيلية غالبية العرائض التي قدمها هؤلاء الغائبون الحاضرون لاستعادة بيوتهم وممتلكاتهم، وقد صدر في عام ۱۹۷۳م قانون أملاك الغائب أو قانون التعويض ليحظر على السلطات إعادة الممتلكات إلى أصحابها والاكتفاء بالتعويض عن الممتلكات فقط.
كما تقصدت الحكومة الإسرائيلية هدم المساجد ومقابر المسلمين في مناطق بدو النقب لشق الطرق وبناء مواقف السيارات والمدارس وأعاقت دخول المسلمين للمساجد عن طريق إحاطة عدد كبير منها بالأسلاك الشائكة أو عن طريق فرض رسوم على دخولها ووصل الأمر إلى حد استخدام المساجد - كما في مسجد البقعة – لتربية الأغنام!.
السلطات الإسرائيلية تتفاوض مع بدو النقب على التخلي عن ۸۰% من أراضيهم مقابل تسليمهم سندات تملك لبقية الأرض !!
وضعت الحكومة الإسرائيلية يدها على ٩٣% من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام ١٩٤٨م. حيث اعتبرتها «أراضي دولة» نتيجة مصادرة أراضي العرب الفلسطينيين، فحوالي ٦٠٪ من تلك الأراضي صودرت بموجب قانون أملاك الغائبين بينما بقية الأراضي صودرت ضمن سياسة متعمدة اتخذت عدة أشكال وقوانين منذ إقامة الكيان الصهيوني، ويقوم على مهمة مصادرة الأراضي ما يعرف بإدارة أرض إسرائيل، «الحكومية التي تسيطر عليها الوكالة اليهودية والصندوق الوطني اليهودي، ووفقًا للقوانين الخاصة بهاتين الهيئتين فإنهما توفران الأرض والسكن للمواطنين اليهود فقط.
توجد لجنة وزارية تدعى لجنة رونين مهمتها تعديل صيغ ملكية الأراضي وخصخصة أراضي الدولة إضافة إلى تحسين قدرة القطاع الخاص على تنمية الأراضي، كما أن لهذه اللجنة عددًا من الأهداف السياسية أهمها عدم السماح باستخدام الأجانب لهذه الأراضي وهي تعني بالأجانب غير اليهود، ويشير تقرير لجنة رونين إلى أنها تسعى إلى تحقيق أهداف ديموغرافية وطنية.
ويحدد تقرير اللجنة عددًا من المجموعات التي يمكن أن تستفيد من خدماتها وهي الكيبوتزات والجمعيات التعاونية والمدن والقرى اليهودية فيما تتجاهل عن عمد مصالح واحتياجات المجتمع العربي الفلسطيني وترفض حل المشكلة المزمنة في المدن والقرى العربية التي تحتاج إلى مزيد من الأراضي للتوسع العمراني والصناعي والزراعي في المناطق العربية بسبب زيادة السكان العرب.
ولا تقدم الحكومة الإسرائيلية المساعدة في بناء المساكن إلا لمن أنهى الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي وفي مدن التطوير الحضري التي تقام لتوطين اليهود، ومعروف أن الفلسطينيين حملة الجنسية الإسرائيلية غير مشمولين بالخدمة العسكرية لأسباب أمنية، وبالتالي لا يحصلون على مساعدة الحكومة في بناء مساكن لهم.
وتتضح سياسة التمييز الإسرائيلية من خلال افتقار التجمعات العربية داخل الخط الأخضر إلى خدمات صحية ملائمة أسوة بتلك التي تتمتع بها التجمعات اليهودية، ومن أسباب ذلك السياسات السكانية الإسرائيلية التي جعلت «عرب إسرائيل» يتكدسون فوق بعضهم داخل قراهم ومدنهم إضافة إلى حرمان كثير من مدنهم وقراهم من خدمات البنى التحتية وخصوصًا شبكات المجاري وضعف أداء شبكات المياه الموصلة إليهم.
تقوم السياسة الإسكانية الإسرائيلية على تحقيق هدفين رئيسين: استيعاب المهاجرين الجدد وتوزيع السكان في مناطق منتشرة من الدولة، وتعمل الحكومة بالتعاون مع الوكالة اليهودية على إقامة مستوطنات ومساكن للمهاجرين اليهود في مناطق مفتوحة قابلة للتمدد والتوسع وذات مشاريع بنى تحتية كاملة وخدمات عامة، ومقابل ذلك لم يتم إقامة أي مدينة أو قرية عربية جديدة منذ تأسيس الدولة اليهودية باستثناء تجمعات خاصة لتوطين البدو، كما ذكرنا أنفا، ووفقًا لخطة التنظيم الرئيسة في المقاطعة الشمالية من فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، تم بناء ٧٤ ألف وحدة سكنية بين عامي ٨٩ - ١٩٩٥م في تلك المنطقة المعروفة بمنطقة الجليل، وتم توزيع تلك الوحدات بحيث يكون نصيب المدن اليهودية أكثر من خمسين ألف وحدة سكنية، والمناطق الريفية اليهودية ۹۷۰۰ وحدة سكنية، بينما كان نصيب المدن والقرى العربية حوالي ١٤ ألف وحدة فقط، على الرغم من أن السكان الفلسطينيين في الجليل يشكلون ٥٠٪ من إجمالي عدد سكانه في الوقت الحالي.