; التميز .. قيمة إيمانية رفيعة يبرز بها المؤمن (2-2) | مجلة المجتمع

العنوان التميز .. قيمة إيمانية رفيعة يبرز بها المؤمن (2-2)

الكاتب شوقي محمود الأسطل

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995

مشاهدات 85

نشر في العدد 1143

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 28-مارس-1995

وقضية التميز من القضايا التي وعاها السلف رضوان الله عليهم فأوصوا بها الأتباع وتدبر معي حديث أبي ثعلبة الخشني حول هذا الأمر فقد روى أبوداود والترمذي عن أبي أمية قال: قلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: 105)، فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم».

ويتجلى هذا المعنى في وصية علِي - رضي الله عنه - لابن الكواء فقد أخرج العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء عليًّا عن السنة، وعن البدعة، وعن الجماعة والفرقة، فقال: يا بن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب: السنة - والله - سنة محمد صلى الله عليه وسلم والبدعة ما فارقها، والجماعة - والله - مجامعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا.

وقد حدث إسحاق بن راهويه بحديث: «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم» فقال رجل: يا أبا يعقوب من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم، ثم قال: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة.

وهذا ما يشير إليه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود في حواره مع عمرو بن ميمون حيث يقول له: تدري ما الجماعة؟ قال قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.

ويقول نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك حينئذ.

وباعتبار هذا المعنى وصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمة فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: 120)، فقد أتى على هذا النبي الكريم حينٌ من الدهر كان فيه وحيدا فريدا ليس على وجه الأرض من موحد سواه فلم يفت هذا في عضده ولم يضعف من عزيمته على مواجهة الباطل والتصدي لأربابه، وتحدى قواهم الشريرة وأساليبهم المجرمة.

وإن نظرة في أحاديث الفتن لتشير إلى منهج اختطه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للمؤمن في مواجهة الأوضاع المتردية والانحرافات الظاهرة لاسيما في هذا الزمن الذي نعيشه إذ يوصينا بأن نكون من الغرباء الذين يتصدون لتيار الفساد والضلالة والضياع، فقد روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء»، فقيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».

وروى الترمذي عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبا، ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي»، وروى الإمام أحمد عن جابر أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منِّي ولست منهم ولا يرِدون على حوضي، ومن لم يعنهم على ظلمهم فأولئك منِّي وأنا منهم وسيردون على حوضي».

فالتميز قيمة إيمانية عظيمة ترتفع بصاحبها إلى المعالي وتبوئه المكانة الرفيعة والقيمة السامية في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :