العنوان التمسح في المسيحية ... والجور على الإسلام
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 51
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 40
السبت 29-مارس-2003
الحروب الصليبية كانت استعمارًا تلون بلون ديني لإثارة الحماسة الدينية وتوظيفها لتحقيق أطماع استعمارية
من الخطأ وصف الحضارة الحديثة بأنها حضارة مسيحية.. فهي لا تشعر بولائها لدين.. قامت على الطاقات الإنسانية دون عون من رجال الكنيسة
أثبت التاريخ أن الإسلام يسعه أن تقوم إلى جانبه ديانات أخرى يتشبث بها أبناؤها ولا يلقون منه عنتًا ولا ينالهم اضطهاد
قبل ظهور نظرية صراع الحضارات للكاتب الأمريكي صموئيل هنتنجتون، ظهر رأي الكاتب فوكوياما الذي ذهب إلى القول بنهاية التاريخ وهو يقصد أن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية، ترك المجال واسعًا أمام الولايات المتحدة والمنظومة الرأسمالية لتصبح القوة الوحيدة في العالم دون منافس.
ثم جاء هنتنجتون، ليؤكد أن انهيار الاتحاد السوفييتي أنهى صراع الأيديولوجيات ليبدأ صراع الحضارات واعتبر الحضارة الغربية وحدة متكاملة قائمة بذاتها مقابل عدد من الحضارات اختار منها حضارتين ركز عليهما هما الحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية، ثم ركز على الحضارة الإسلامية وجعلها محور الصراع المستقبلي مع الحضارة الغربية.
وبعد أحداث 11 سبتمبر وجدت هذه النظرية قبولًا في الفكر الغربي وتداولتها وسائل الإعلام الغربية كتدشين لمرحلة الصراع الذي قال به صاحب نظرية صراع الحضارات دون الاحتفاء بالأسباب الموضوعية التي تناقضها وتتعارض معها، وتعميقًا لمدلولات تلك النظرية نزع بعض الآراء الإعلامية والرسمية في الغرب إلى ربط أحداث 11 سبتمبر بالظاهرة الدينية الإسلامية ووعائها الثقافي بعد أن وجهت التهمة إلى تنظيم القاعدة ومن خلاله إلى الإسلام كمنظومة دينية مازالت تلعب دورًا محوريًا في البنى الاجتماعية للأمة الإسلامية.
وفي هذه التهمة مجموعة من المغالطات مؤسسة على تضليل تاريخي واستراتيجي لا علاقة له بالحقائق الموضوعية، ولذلك وجب التذكير بتلك الحقائق التي ينبغي أن تعرف، وفي طليعتها:
الحقيقة الأولى:
أسس أصحاب نظرية صراع الحضارات وعيهم للتاريخ على أساس أن حالات الصدام التي وقعت قديمًا بين الإسلام والغرب تدخل في سياق الصراع بين حضارتين يغذيهما الدين أي بين الإسلام الذي يريد أن ينتشر بالسيف حسب زعمهم، والمسيحية الداعية إلى الحب والسلام والحرية.
ومن استقراء التاريخ نجد أن السياسة الأوروبية لم تلتزم بتعاليم المسيح الداعية للسلام والمحبة، وإنما رفعت شعار المسيحية حين كان هذا الشعار يحقق مصالحها.
1- فالدولة الرومانية القديمة حين جعلت مصر مزرعة لها، وحين استعبدت إفريقيا وآسيا الصغرى لجبروتها لم تكن تنفذ تعاليم المسيح عليه السلام.
2- ولم يكن الإنجليز والفرنسيون وحلفاؤهم يحترمون وصايا المسيح وينقلونها إلى الشعوب المغلوبة عندما كانوا يمزقون بلادها وينهبون خيراتها .
3- ولم تكن دعوى الصليب التي روّج لها أوريان الثاني، بابا الفاتيكان سوی عنوان مزيف لإثارة حماسة المسيحيين بحجة تخليص «قبر» المسيح -عليه السلام- من أيدي «الكفار» -المسلمين- والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أ- لو كانت دعوى الصليب حقيقية والحرب دينية كما زعموا لما حارب الصليبيون في حملاتهم الأولى النصارى الأرثوذكس في القسطنطينية وقتلوا منهم الآلاف.
ب- ولم يفرقوا حين وصلوا إلى بيت المقدس بين مسلم ونصراني وخاضوا في دمائهم جميعًا وإلا لماذا وقف المسيحيون من عرب المشرق إلى جانب المسلمين؟
ج- لم يسم المسلمون تلك الحروب بالصليبية بل سموها بحروب الفرنجة، بعد أن أدركوا أنها غزوات استعمارية باسم الصليب.
د- لم يسمع أحد في العالم كلمة صدرت عن المسلمين تشير إلى أن حروب التحرير التي وقعت قديمًا كانت حروبًا ضد النصرانية.
هـ- لم يفكر المسلمون في إكراه أهل النصرانية على ترك عقائدهم ولو كانت خرافة. والخلاصة أن الحروب الصليبية كانت استعمارًا تلون بلون ديني لإثارة الحماسة الدينية وتوظيفها لتحقيق أطماع استعمارية.
ويوم يقاوم الناس هذا الاستعمار باسم الإسلام أو بأي اسم آخر فهم معذورون، وقد قاتلت شعوب الماو ماو في كينيا والبراهمة في الهند والبوذيون في الصين دون حقوقها التي أهدرها الاستعمار بل قاتل الأوروبيون أنفسهم عن أموالهم وأعراضهم وأوطانهم في الحرب العالمية الأولى والثانية.
فلماذا عندما تحرك المسلمون يدافعون عن أوطانهم وأعراضهم يصيح الخصوم في صفاقة لا مثيل لها: إن الهمجية الإسلامية تحركت تبغي العدوان وتريد لتنتشر بالسيف؟
إنه التعصب الأعمى ملأ على القوم أقطار أنفسهم، وأغلق منافذ أفكارهم، فهم لا يعقلون إلا شيئًا واحدًا: أن يحرموا الإسلام حتى الحياة وأن يسلبوا أتباعه كل كرامة مادية وأدبية ينشدها البشر على ظهر الأرض.
الحقيقة الثانية:
نحن المسلمون نرفض منطق صدام الحضارات، ونؤمن بأن العالم أحوج ما يكون إلى حضارة إنسانية، يسودها التعاون، ويحدوها الإصلاح، ونعتبر أن العالم الآن تسوده حضارة مادية، خطا فيها الجنس الإنساني خطوات فسيحة في ميادين المعرفة والكشوف والصناعة.
حضارة قامت على الطاقات الإنسانية التي شقت طريقها في الحياة بمواهبها الخاصة دون عون من رجال الدين ومن الخطأ وصف هذه الحضارة بأنها حضارة مسيحية لأنها حين بدأت زحفها من بضعة قرون وجدت أمامها عوائق جبارة من رجال الكنيسة، واشتبكت معهم في قتال مرير، فقدت فيه تضحيات غالية ثم مشت في طريقها بعدما كسبت المعركة.
الحضارة الحديثة لا تشعر بولائها لدين وإن كانت الآن تزدهر في أقطار تنتشر فيها المسيحية ولا ننكر أنه في ظل هذه الحضارة تقاربت الأجناس ووضعت مواثيق حقوق الإنسان وتأسست هيئات عالمية لها مكانتها، وهذا التقارب المكاني هو في نظرنا داع قوي لإعادة النظر في العداوات التقليدية ومحاولة الخلاص منها.
لقد مكثت الصليبية نحو سبعة عشر قرنًا تضم تحت جناحها الألوف المؤلفة من البشر، فما قامت لهم حضارة، ولا ازدهر بينهم علم، ولا استفاد العالم منهم شيئًا حتى انفجرت النهضة الأوروبية الحديثة انفجارًا أطاح بسلطة الكنيسة في ميادين العلم والاجتماع، ثم أخذت هذه النهضة العلمانية تنتشر رويدًا رويدًا في أنحاء الدنيا.
والتقدم الصناعي والرقي المادي في الغرب لا صلة لهما بالدين، بل إنهما ما نضجا إلا بعد التحرر من قيود الكنيسة الثقيلة.. وهناك كثرة هائلة من البشر اليوم لا ترى في الصليبية ما يملأ فراغها الروحي أو يوائم سلامتها العقلية، وهي لذلك كافرة بها كل الكفر.
فلماذا إذن يحيي البعض طبيعتها القديمة ويؤمن بأن حضارتها -إن كانت لها حضارة- لا تقبل معايشة حضارة أخرى إلى جوارها؟!
إنه التعصب المعزول عن البحث والتفكير، لقد ارتقى الإنسان ماديًا في الغرب وألقى نفسه بغتة وبيده مفاتيح الأسرار وقوى كونية كبيرة... ماذا يصنع بها؟ وكيف يتصرف فيها؟!
لقد وقف عليها بجهده الخاص، فليستعملها في منفعته وحده، ويشبع بها رغائبه في المزيد من المتع، والمزيد من التسلط والمزيد من الاستعلاء في الأرض!!.
وهنا يجيء دور الصراع الذي انكمش أمام أشعة العلم دهرًا طويلًا، يجيء دوره لا ليعلم الإنسان أن يحسن التصرف فيما منح من قوة وتمكين، ولا يستخدمه في دعم الإخاء والسلام..... لقد جاء دوره لإبادة الأجناس وإثارة الصراع والحروب.
الحقيقة الثالثة:
لقد أثبت التاريخ أن الإسلام يسعه أن تقوم إلى جانبه ديانات أخرى يتشبث بها أبناؤها ويحيون عليها، ويموتون، ومع ذلك لا يلقون منه عنتًا ولا ينالهم اضطهاد، وقد عاش اليهود والنصارى في ربوع المسلمين، ولم تكن لهم مشكلات، فهم عاشوا دهورًا بين المسلمين ينعمون في ظل وارف من السماحة والعطف، وليس اختلاف الدين عند المسلمين مثار بغضاء، يقول ابن حزم إمام الأندلس إن من واجب المسلمين للذميين الرفق بضعفائهم، وسدة خلة فقرائهم وإطعام جائعهم وإلباس عاريهم، ومخاطبتهم بلين القول، واحتمال أذى الجار منهم، وإخلاص النصح لهم، ومدافعة من يتعرض لإيذائهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم.
إننا نؤمن بأننا على صواب، وأن غيرنا أخطأوا الطريق ونود من أعماق قلوبنا أن يهتدوا ونقف عند هذه الرغبة فلا نحولها إلى إكراه أو إعنات، نقف عند حدود البلاغ: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾(الأنعام:104). ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:29).
الحقيقة الرابعة:
هناك قضية يثيرها دائمًا من يرون في الإسلام خطرًا على أطماعهم، أو إضعافًا لسلطانهم.... وهي تقوم على دعوى أن الإسلام دين قام على القوة واستند إلى السيف في نشر مبادئه وتعاليمه، وأنه حمل الناس حملًا عليها، ولولا هذه القوة القاهرة لما قدر لهذا الدين أن يقوم.
إن في الإسلام غيرة على الحق، وحرصًا على إبقاء القافلة المؤمنة متماسكة متضامنة لا يقع عليها حيف ولا يتعرض أحد منها لظلم. وليس بمستغرب أن يحض الإسلام على القتال واستعمال القوة ليس حبًا في سفك الدماء. ولا لإكراه الناس على الإيمان به، ولكن للدفاع إذا هوجم... فهو لم يعلن الحرب على الناس لأنهم كفار يجب أن يهتدوا إليه بالسيف وأن يدخلوا فيه بالإكراه كلا... بل لأنهم حاربوه وفرضوا عليه القتال.
ماذا يكون الأمر إذا تعرض الإنسان فجأة وهو خالي الذهن، سليم القلب، لنزوة باغية أو ضربة قاسية أيترك نفسه فريسة سهلة لهذا الهجوم الخسيس؟ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39).
لقد استعمل المسلمون السيف مع العرب المشركين لفك الحصار المضروب عليهم وعلى أسرهم، ثم اشتبكوا مع اليهود والنصارى لا لرغبة في إراقة الدماء. إنما لتقرير حرية الاعتقاد.
يقول الشيخ الغزالي: «طالما تودد الإسلام لهؤلاء الأقوام، وأثنى عليهم، ونوه بالكتب التي نزلت عليهم، ولكن كثيرًا من اليهود والنصاري كانوا من أحقادهم الخاصة في شغل شاغل، فلم يكترثوا باليد الممتدة إليهم بل حاولوا قطعها.
أما اليهود فقد بلونا طبيعتهم الغادرة وعرفناهم لا أمان لهم، ولا موثق.
وأما النصارى فإن الرومان -وهم يومئذ أصحاب الدولة في العالم المسيحي كله- ما كانوا ليسمحوا لأحد أن يخرج على مذهب الدولة ولو كان مسيحيًا مثلهم، وقد اضطهدوا أقباط مصر ونصارى الشام، لهذه العلة، فكيف ينتظر منهم ترك الإسلام يمشي من غير نكير؟
إن الحرب التي دارت بين المسلمين والروم دارت لتقرير حرية الاعتقاد ولم يدرها المسلمون لحمل شعب ما على دخول عقيدة ما.
وقد كانت الدولة الرومانية وسائر الدول الصليبية التي قامت بعدها بحاجة إلى تقرير هذه الحرية، فيستفيد منها أتباع المذاهب النصرانية المختلفة قبل أن يستفيد منها الإسلام نفسه. والمقرر في تاريخ القرون الوسطى أن رعايا الدولة الرومانية الذين دخلوا تحت حكم الإسلام وجدوا من سماحته ما لم يذوقوه أيامًا طوالًا تحت حكم إخوانهم في العقيدة ... ذلك أن مسالمة الآخرين وترك حرياتهم الوجدانية والعقلية عنصر أصيل في سياسة الإسلام، وجزء خطير من تعاليمه العامة ......»
فمن الذي يفهم الإسلام بأنه دين تعصب وقتال إذا كان هذا هو الميدان الذي أكره الإسلام على خوض الحرب فيه؟
الحقيقة الخامسة:
على إثر أحداث 11 سبتمبر نزعت بعض الآراء الغربية إلى ربط الإرهاب بالظاهرة الدينية الإسلامية، والتشكيك في الإسلام نفسه دون الاستناد إلى منطق أو حجة.
ونريد أن نؤكد أن التيار الأوسع في الأمة الإسلامية يكره الإرهاب ويضيق بأتباعه، كما يكره التطرف ولا يحب أهله، وتعترف أن هناك منتسبين للإسلام ينقصهم الفقه وقواهم النفسية والفكرية مقطوعة الصلة بالكون والحياة، لكنهم لا يمثلون إلا أنفسهم.
ومحاربة الإرهاب رسالة نبيلة يدعو إليها العقل والنقل معًا... لكنها لن تكون كذلك إلا بقدر ما تتضمنه من حق وإنصاف وعدالة، أما أن تتحول إلى مصدر لنكبة الشعوب أو ستار لضرب الإسلام نفسه وتضييع أمته، فهذا جور لا يقبله أحد.
وإذا كانت أمريكا تريد حقًا محاربة الإرهاب لإقرار السلام والأمن في العالم على أسس تقابل بالارتياح فعليها أن تبني سياستها على تصفية الاستعمار، وإعطاء كل شعب حريته، ثم يطلب من المسلمين أن يكونوا حكماء ودعاة سلام!!.
أي سلام تتسع له ضمائر المنصفين إذا شرد الناس عن أوطانهم، ونهبت أموالهم، واستبيحت دماؤهم وأعراضهم وحقوقهم؟!.
وأي سماحة مطلوبة منا، إذا كان الآخرون يبنون سياستهم على خسف الأرض من تحتنا؟! وإذا قمنا ندفع العدوان، ونرد الهجوم، نوصف بالإرهاب، ويوصف ديننا بعدم التسامح!!..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل