العنوان التلفاز في مجتمعنا- الواقع القائم والدور المرتجى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983
مشاهدات 64
نشر في العدد 610
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 01-مارس-1983
البرامج التوجيهية وتخليصها من المزاج الفردي والطابع الإقطاعي.
بلغ مجموع المواد الأجنبية الغربية (٢٣٥) من ساعات الإرسال.
واجب التلفاز الأول دفع نهضة المجتمع إلى الأمام.
هل نستخدم المرأة في تلفازنا بمفهوم السلعة كما يفعل الغرب؟
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الانتشار الواسع للتلفاز، وقلنا إنه لم يعد مجرد آلة محايدة، بل صار مؤسسة إعلامية تربوية كبرى، يتلقى الناس على يديها كثيرًا من المُثل والقيم، وأن هذه المؤسسة تشع بالكثير من التوجهات والمفاهيم التي تنظم حياة المجتمع، ومن ثم فإن محاسبتنا لها ينبغي أن تكون دقيقة، وغير متجاوزة عن أي قدر من الانحراف مهما قل؛ لأن انحرافًا من هذا القبيل يؤثر بنسب متفاوتة في مجموعة كبيرة من الناس.
ونوهنا أيضًا بأن مجتمعنا هذا مجتمع ناهض، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا بين من سبقه من الأمم والناس، وأنه كغيره من المجتمعات له الحق كل الحق في أن يحيا الحياة التي ترعى قيمه، وتتمثل أهدافه ومطامحه، وواجب على كل الهيئات المنتمية إليه أن تلتزم بهذا المفهوم والمعيار، وأن تحرص على مراعاة هذه الأماني، وتجسدها في برامجها وما تقوم به.
وإذ إن للتلفاز النصيب الأوفى فيما سبق، وإذ أن مجتمعنا يدرج نحو النمو وتحقيق القوة؛ فمن ألزم الواجبات على هذا الجهاز أن يدفع حركة نهضة المجتمع، وألا يعوقها بأي مضمون سلبي، وأن يحرص على انتقاء ما يقدم في هذا الطور والدور؛ لأنه طور حساس، يكون أدنى تفريط فيه نوع من الإجرام غير المحدود، فهل راعى التلفاز هذه الحيثيات، وهل التزم بالنهج المناسب وما أوضحناه سالفًا؟
الواقع الناطق:
لسنا في حاجة للإجابة عن السؤال السابق، ولكنا نسجل في هذا المقام ما نوهنا به سابقًا من أن هذه الجريرة ليست جريرة التلفاز وحده، بل تشاركه فيها كثير من المؤسسات التربوية والثقافية، وعزونا ذلك إلى أن المجتمع بذاته لم يتمثل دوره وهدفه بصورة دقيقة، وأن سلوك تعامله الساري، مطبوع بشيء من اللامبالاة وعدم الاهتمام بما يستحق الاهتمام، وبالطبع هذه مسئولية الأمة في مجموعها، ولكل منها نصيب ومساهمة، ومن ثم لا نستطيع تحميل التلفاز خطأ المجموع.
ولكنا وفي نفس الوقت نفترض أن القائمين على هذا الجهاز واجب أن يتوفر فيهم قدر كبير من الوعي، يساعد على تجافي المجتمع من سلبياته، لا أن يكونوا هم من الدافعين لهذه السلبيات، ونود أن نتناول شيئًا مما تحكم مفاهيمنا وتصوراتنا بأنه منتمي لعالم السلب.
الطابع الفردي الشخصي:
يكاد الفرد في بعض الأحيان يتصور أن هذا الجهاز ملك خالص لمن تتاح له الفرصة للقيام عليه، فليس هناك روح عام ينتظم برامج هذا الجهاز وما يقدم فيه، بل إن كل برنامج يشكل عالمًا خاصًا بصاحبه والقائم عليه، لاسيما في تلك البرامج التي تتصل بتوجهات المجتمع العامة كبرنامج الأطفال مثلًا.
فهذا البرنامج يعكس مزاج القائم عليه وتوجهاته وميوله الخاصة أكثر من أن يكون مجسدًا لشيء متفق عليه في فحواه ومقصده؟ ونسوق مثالًا على ذلك هذ الفقرات الراقصة والقطع الموسيقية الغنائية التي لا تمت إلى واقعنا القائم بأي صلة من الصلات، فبدءًا لا تعكس هذه الفقرات حقيقة متصلة بعالم الطفولة، فالأطفال عندنا لا ينشئون بهذا الأسلوب المتكلف المعتمد على الإيقاع الراقص حتى للنصائح والتوجيهات.
وقد يهب أمامنا من يلقي في وجوهنا بالتنبيه والملاحظة إلى أن فترة الطفولة فترة بريئة، ومن حق الأطفال أن يستمتعوا ببراءتهم فيها، وتسلم بهذا المفهوم ولا ريب، ولكنا نبدي دهشتنا عن مقتضيات هذه «البراءة» والاستمتاع، أو الانطلاق، وعن هذا التكلف في التنشئة والتوجيه بهذا الافتعال غير المقنن للرقص والموسيقى.
ونتساءل عن هذا الواقع الذي تستمد منه هذه الأشياء، فنحن على يقين من أنه واقع مرير، قائم في خيال مروجيه فقط، ثم إن ذلك ليس مفيدًا لنشئنا أن نربيهم على مفهوم يجسد الرقص والغناء والموسيقى، وكأنها الوظيفة التي خلق الله الإنسان من أجلها.
وأيضًا تحدث هناك كثير من التجاوزات المفسدة لهذه البراءة كالرقص المشترك في بعض الأحيان، وهذه جناية على الطفولة ولا ريب.
وفي كل حال من الأحوال يحس المجتمع أن ينشئ أفراده تنشئة خالية من التخدير والصور الخيالية الحالمة، وجور على هذا الإنسان ما بعده -والذي هو طفل الآن- أن يربى هذه التربية النازعة نحو حياة مخملية أساطيرية تقوم على الرقص والغناء أن تخل بوجود الأساسيات الأخرى في حياة الإنسان.
وما أوجزناه من هذا البرنامج -وإن بدا طويلًا- يجسد ما قلناه من النزوع المزاجي الفردي الذي يطبع غير قليل من برامج التلفاز ومن الواجب الأوجب ألا تترك مثل هذه البرامج المصيرية حكرًا على شخص واحد مهما كانت قدرات ومؤهلات هذا الشخص، ومع تقديرنا للكفاءة -أنى كانت- إلا أنها يجب أن توظف توظيفها الصحيح، أداة للمجتمع في تحقيق أهدافه، وتشييد صرحه من المثل والقيم، وحري بالتلفاز أن يحاول تنقية برامجه التوجيهية من أي طابع احتكاري إقطاعي، وأن يوظفها لخير المجموع، وإن كان هناك بد من المجاملة فليكن في غير هذا السبيل.
أسر الأنموذج الغربي:
غني عن البيان أن هذا الجهاز وغيره لم يكن لنا من نصيب في المساهمة فيه، وقد نقلناه فيما نقلناه من منجزات الحضارة الغربية وأشيائها، وليس العيب في هذا فقط، وإنما العيب أن يمتد عجزنا فلا نستطيع أن نستورد هذا الجهاز إلا بعالمه الثقافي.
وتتضح هذه الحيثية في المنوال الذي ينسج عليه تلفازنا، فواضح أنه لا يستلهم عالمه الثقافي الموجود والمعاش، بل يهيم في عالم الثقافة الغربية، ويستوحي ما لديها خاصة عبر ما تقدمه من محتويات في إعلامها عمومًا، وتلفازها خصوصًا.
وقس على ذلك في كثير مما تمارسه المؤسسات الثقافية الإعلامية عمومًا، والتلفاز منها بوجه أخص:
والإشكال ها هنا أن المجتمع عندنا سيفقد اتجاهه الأخلاقي، وسيذوب في الثقافة الغربية فاقدًا خصائصه الأولى، بل أعظم ما حمله كإنسان رسالة الإسلام.
وواجب أن نقول: إن عالم القيم الغربية عالم نفعي، وهذه النفعية تجره بالضرورة إلى التجاوز عن كثير من القيم الأساسية بالنسبة إلينا -نعني الأخلاق- وبحكم هذا المفهوم يركز الإنسان الغربي في تلفازه بصفة خاصة على الرواج بغض النظر عن المضمون، وقد يسول له ذلك كثيرًا من صور الاستخدام اللاأخلاقية للعنصر البشري.
فمثلًا: المؤسسة الإعلامية الغربية تنظر إلى المرأة كوسيلة للترويح والتسويق أكثر ما تنظر إليها، ومن هنا فهي تعتمد على اختيار خاص للوجوه النسوية ووفقًا لمقاييس تحرص أن تكون رائجة وذات سوق، وفي فكرنا وثقافتنا الإسلامية هذا مقصد رذيل لا نستطيع التصريح بمسماه الحقيقي في مصطلحاتنا، ولا تكتفي المؤسسة الغربية بذلك، بل تحرص على مثول المرأة دائمًا بمستوى معين من «الأناقة»؛ أي التبرج، وتلزم بذلك على طول الطريق، وإذا حدث أن اختلت المقاييس السابقة التي اختير هذا العنصر وفقًا لها، فلا بد من تنحيته وإبعاده، وفي ذلك قصص لا تنتهي.
ويؤسفنا أن نقول إن تلفازنا يحرص على سلوك هذا المسلك، ملتزمًا بفلسفة الإعلام الغربي دون مراعاة للاتجاه والمثل الحاكم في هذا المجتمع، بل إنه قد يتمادى في تطبيق هذا، بما يبز الأنموذج الغربي المستوحى.
ولا حاجة بنا للقول: إن الالتزام بهذا النهج فيه حرص، وتحري على الخروج بهذا المجتمع عما درج عليه من قيم وسلوك الإسلام، ولو أن هناك حركة تحرير حقيقية للمرأة لرفضت هذه المفاهيم المبتذلة، ولنادت بإبعاد العنصر النسوي عن التلفاز؛ صونا لكرامة المرأة، وحفاظًا على شخصيتها وإنسانيتها.
ولا نود الإحراج بالأمثلة المستقاة من واقع التلفاز، ولكنا ننبه لهذا إن كان من فائدة، وليت القائمين على الأمر يعون حقيقة هذه المخاطر، ويهبون لتحصين المجتمع في هذه الثغرة الهامة، وليت التجمعات التي قامت كاتحاد الإذاعة والتلفاز، ورجال الكلمة والتربية تضافرت جهودهم جميعًا على حملة إنقاذ تقينا وخيم العواقب في هذا المسلك الانتحاري لتلفازنا وما يماثله.
مصيبة الاختيار
من البدع التي تجسد عجزنا في أجهزتنا الإعلامية في عالمنا الإسلامي مسألة الفقرات والمواد التلفازية الغربية، ولا نخوض في هذا كثيرًا، وإنما يهمنا أثرها المباشر من ناحية كمها، ومن ناحية نوعها.
فمن ناحية كمها سجلت إحصائيات التلفاز الكويتي للسنتين (١٩٧٤- ١٩٧٥م) ما مجموعه (٩٣٦) ساعة من أصل (٤١٠٠) ساعة (مجموع ساعات البث) من المسلسلات والأفلام الأجنبية، ويشكل هذا الرقم نسبة (23.5%) من مجموع ما قدمه التلفاز في هذه الفترة، وهذه نسبة كبيرة؛ إذ أنها تقارب الربع من ساعات الإرسال التلفازي (انظر د. عدنان الدردوري، أثر برامج العنف والجريمة على الناشئة).
وهذه النسبة تعبر عن مقدار الحضور الكبير للثقافة الغربية في حياتنا، والترجمة النفسية لهذا ترسيخ للسيادة المعنوية للعالم الغربي في نفوسنا وأعماقنا، وأكثر من يتأثر بذلك النشء والعوام من محدودي الثقافة، وكفى بذلك إجهازًا على الشخصية المسلمة ها هنا.
وأما من ناحية النوع فنذكر ما يقوله البعض عن ثمرة تسمى «الدوم» بها كمية كبيرة من الخشب، فيعلق هؤلاء على متناوليها قائلين: إنهم يأكلون قنطارًا من الخشب من أجل درهم من الحلوى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل