العنوان التكتيك الشيوعي تجاه الإسلام (۹)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 803
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 03-فبراير-1987
قلنا في الحلقة الثالثة ونحن نتناول موضوع التكتيك الشيوعي تجاه الإسلام إن خبراء
الحزب الشيوعي السوفييتي الحاكم- وقد ذكرناهم بالاسم في تلك الحلقة- قد تم تكليفهم
بتفسير الإسلام تفسيرًا يحقق المصلحة السياسية للحركة الشيوعية العالمية. وقلنا إن
أحدهم وهو تومار Tumar قال إن الإسلام
هو عقيدة فلاحي المدينة، الحاضرة الزراعية التي هاجر إليها محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال تومار أيضًا إن الإسلام جاء إنصافًا لهؤلاء الفلاحين في نضالهم ضد الطبقة البرجوازية
في الحجاز. وجاء بعد تومار تولستوف Tolstoff
الذي طور المفهوم الذي طرحه تومار وقال إن الإسلام تمخض عن سلسلة
من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها مجتمع الجزيرة، وإنه جاء لإنصاف الطبقات
الكادحة وإن لم يكن قد حقق ذلك بسبب موقفه التوفيقي بين الطبقات، وقال تولستوف إن الإسلام
لعب دوره في تلك الحقبة من التاريخ، وإنه من المفترض- حسب رأيه- أن تتم الاستعاضة عن
الإسلام بالفلسفات الوضعية، وإن خير الفلسفات الوضعية هي الاشتراكية العلمية أي الماركسية.
ومن يقرأ كتابات الماركسيين العرب يجد التزامًا صارمًا بما طرحه تولستوف وتومار،
فحسين مروّه في كتابه الضخم (۱۷۹۹ صفحة)، وقد تناولناه بالمناقشة على هذه
الصفحة وعنوانه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، ود.أميل توما في كتابه
«الحركات الاجتماعية في الإسلام»، ومحمد دكروب ومحمود أمين العالم وسمير سعد في كتابهم
المشترك «دراسات في الإسلام»، وبندلي جوزي في کتابه «من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام»
وخالد محيي الدين في كراسته «الدين والاشتراكية» وغيرهم كثير يؤكدون نقطة واحدة وهي: المحتوى الطبقي
الاجتماعي للإسلام -أي إن المسلمين الأوائل انقسموا على أنفسهم وفق انتماءاتهم الطبقية
الاجتماعية، ولم يكونوا كتلة سياسية اجتماعية واحدة، بل كانوا ينقسمون إلى حزبين يعكسان
ذلك التقاطب الطبقي الذي يؤكده الماركسيون العرب، فحزب اليمين مثلًا يضم عثمان بن عفان
ومروان بن الحكم وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان، وأما حزب اليسار فيضم علي
بن أبي طالب وأبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وغيرهم.
ويؤكد هؤلاء الكتاب أن الاصطفاف السياسي للصحابة خلال حادث الفتنة- والذي أدى
لمقتل عثمان بن عفان- قد عكس هذا الانقسام الطبقي، الذي يتمحور في الأساس حول الموقف
من قضية «المال العام والملكية الفردية»، فحزب اليمين- كما يصفه هؤلاء الكتاب- كان
موقفه من المال العام والملكية الفردية متساهلًا ومنحازًا لأصحاب الملكيات الفردية
الواسعة، وأما حزب اليسار- أيضًا كما يصفه هؤلاء الكتاب- فقد كان موقفه متشددًا ومنحازًا
للفقراء والمستضعفين من سواد المسلمين. ويؤكد هؤلاء الكتاب أن هذا التباين في الموقف
من قضية المال العام والملكية الفردية هو الذي أدى في النهاية إلى ما أسماه أحمد عباس
صالح بـ«ثورة اليسار» الإسلامي على اليمين خلال حادث الفتنة.[1]
وفي السنوات الأخيرة طور الشيوعيون العرب هذه المقولة تطويرًا خطيرًا ينبغي على
المسلمين عمومًا والحركة الإسلامية خصوصًا التنبه لخطورته، وأقصد محاولاتهم المتكررة
والدؤوبة والمثابرة لتشجيع ولادة تيار إسلامي ذي محتوى يساري وذي رؤية طبقية للمشكلة
الاجتماعية، فبعد أن يئس الشيوعيون العرب من مواجهة الإسلام وفشلوا في ذلك، بدأوا يتسللون
للحظيرة الإسلامية عبر «الطرح اليساري للإسلام»، وعبر حرصهم على تولید تیار أسموه بـ«اليسار
الإسلامي»؛ بغية شق الصف الإسلامي على أسس من التأصيل النظري الذي يصعب تطويقه فيما
بعد. ونكمل في الحلقة القادمة بإذن الله.
[1] انظر أحمد
عباس صالح «اليمين واليسار في الإسلام» ص ۸۸.