; التكامل بين الحاكم والمحكوم | مجلة المجتمع

العنوان التكامل بين الحاكم والمحكوم

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 99

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

«تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان» لأن القرآن شرع مُنزل والسلطان حاكم منَفذ، وحين لا يكون التنفيذ ملزمًا تبعًا للأصول التي جاء بها التشريع، فإن معنى ذلك أنه متروك الضمائر الناس وآرائهم يقبلونه ويفعلونه، أو يُعرِضون عنه ويعادونه.

والناس فيهم الأخيار وهم قلة، وفيهم الأشرار وهم كثرة ولا يستقيم تشريع بين الأشرار ما لم تكن هيبة السلطان تحميه وتقويه وتقف ضد من ينتهك تعاليمه ويجترئ على حدوده، ولذا قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فلا يكفي في الإسلام أن نقول هذا حلال وهذا حرام وكفى، ثم للناس أن يشتروا الحرام أو يبيعوه، وأن يتاجروا به ویروجوه.

ليس يكفي في إطار الإسلام أن يقف خطيب الجمعة ليذكر الناس بأنواع المحرمات ويتلو عليهم قول الله تعالى: «إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» في الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر، وتحمي الشرطة السكارى، وتقودهم إلى بيوتهم مطمئنين، وتجيز لهم فتح حوانيت الخمر ليبيعوا فيها ما يضر الناس ولا ينفعهم.

ما جدوى الحرمة التشريعية لهذا اللون من الشراب حينئذ؟

إن القانون لم يصنع للأخيار وحدهم، الذين لهم من ضمائرهم حراس يكفونهم عن الشر ويدفعونهم للخير، بل صنع للناس جميعا، وفي الناس أشرار لا يمنعهم غير الزجر والعقوبة وتلك إحدى مهام السلطان، فهو الحامي للتشريع المحافظ على هيبته العامل على تطبيقه ضمانا لسلامة المجتمع وتحقيق الأمن لأفراده، ومن ثم فإن التكامل تام وقائم في الإسلام بين السلطان وبين القرآن، فالسلطان في بلاد الإسلام له دوره المكمل لإنقاذ التشريع، وتحقيق الهيبة له بين الناس، والبعد عما يتناقض معه من تشريعات أخرى تؤذي مشاعر المسلمين، وتصدم أفكارهم وتتناقض مع مسلماتهم التي أقاموا عليها حياتهم، ونظموا عليها سلوكهم.

وللقرآن قداسته وحرمته في نفوس جميع المسلمين، ولكنك تجد من بينهم من يخالف عن أمره، ويتردى في نهيه، ويقع في المحارم التي بينها، ويترك بعض أو كل الواجبات التي أوجبها.

فمن يلزم هؤلاء بتعاليمه، ويفرض عليهم إحلال ما أحل وتحريم ما حرم؟

إنه الحاكم المسلم ومعه السلطة المخولة بتنفيذ التشريع، والحارسة لنظام المجتمع من أن يختل أو يضطرب، نتيجة خروج طائفة من أبنائه عن بعض تعاليمه دون أن تجد نكيرا أو زجرا منأحد.

والتشريع في القرآن يرسم للفرد حياته ويكشف له واجباته، ويبصره بحقوقه، وماذا عليه للطوائف والفئات والجماعات التي تشاركه في مجتمعه، ولو كان بعضها من غير المسلمين والتشريع ينظم حياة الجماعة المؤمنة، ويحقق لها الأمن والاطمئنان، ويبين لها علاقتها بغيرها من البلاد الإسلامية، أو غير الإسلامية، كل ذلك في ضوء العقيدة التي تجعل الأمر كله لله، كما أن له وحده الخلق كله ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» «الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين» «ألا له الخلق والأمر» فالخلق خلقه، والشرع شرعه، والحكم يجب أن يكون حكمه، والسلطان دوره في تنفيذ التشريع الذي شرعه رب العالمين.

وحينئذ فإن السلطان يجد القوة التي تهتز لها الرواسي، تلك القوة التي وجدها أبوبكر الصديق يوم انتفضت الجزيرة العربية مرتدة عن دين الله، وأراد مانعو الزكاة أن يساوموه فأبي وقال: «لا والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه»، وانتقلت صلابة موقفه المستند فيه إلى الحق لأصحابه، فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا رغم كثرة أعداد المرتدين وقلة عدد الثابتين الصادقين.

 

وهذا يؤدي إلى التلاحم بين الحاكم والمحكوم، فتصبح الأخوة الإيمانية رباطا وثيقا بين الجميع ترتبط فيه مشاعر الأمة فتكون ثابتة على عقيدتها، تحافظ على شريعتها، عاملة على إعلانها بين المسلمين يخشى كل فرد فيها الله ولا يخشى سواه، فتجعل الأمة نفسها درعًا للحاكم وحصنا يقيه، لأنه خرج من هوى نفسه إلى طاعة ربه، ومن خدمة ذاته وأقاربه إلى خدمة المسلمين، يدفع عنهم الأذى ويرد عنهم الردى، يطبق بينهم شريعة الله، التي هي عدل كلها، ورحمة كلها، وفيها الشفاء والدواء لأسقام الأمم الحاضرة، وعلل الشعوب المعاصرة ولا يتم ذلك إلا إذا كانت كلمة الله هي العليا في بلاد المسلمين بحيث لا يزاحم شرع الله شرع آخر، ولا يشاركه في الفصل في حياة المسلمين قانون آخر.

وبهذا تستطيع الأمم أن تدفع عنها الشر، وترد عنها الكيد، ويرتفع فيها البناء ويتسع العمران وتزدهر حياة الناس في ظل العدل القائم بين أبنائها المستمد من القرآن المنفذ على يد السلطان.

الرابط المختصر :