العنوان التكامل الإسلامي.. الواقع والممكن (1من ۲)
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003
مشاهدات 0
نشر في العدد 1579
نشر في الصفحة 44
السبت 06-ديسمبر-2003
التكامل
الإسلامي.. الواقع والممكن (1من ۲)
أشكال من الوحدة
فكرة
الحكومة العالمية
محكوم
عليها بالفشل في ظل الظروف الراهنة
الخلافة
لم تكن سوى وسيلة لتحقيق مبدأ عالمية الأمة
تكامل
الأمة ووحدتها يقومان على أساس أخلاقي وليس جغرافيًا
محاولات
توحيد الدول الإسلامية فشلت لأسباب سياسية واقتصادية وتاريخية
لابد أن نقرر
أن المحاولات العشوائية والمتسرعة لإحداث تكامل سياسي بين دول العالم الإسلامي، هي
محاولات محكوم عليها بالفشل مالم تقم على الأساس الذي يتحقق من خلاله هذا الهدف،
وهو تعميق التعاون المشترك بين الدول الإسلامية في مجالات الرفاهية الاقتصادية
والاجتماعية، فإذا أعددنا هذه القاعدة المادية، فإن الكثير من الحواجز النفسية
والمادية التي تمزق شمل الأمة سيزول تلقائيًا، ممهدًا الطريق في النهاية لتكامل
أكبر في المجالات السياسية والأمنية أيضًا.
حفيظ الرحمن
الأعظمي
وعبثًا حاول القادة المسلمون إحياء الخلافة
كخطوة أساسية نحو تحقيق الوحدة الإسلامية بعد إلغائها في عام (١٩٢٤)م، غير أن هذه
المشروعات لم تكلل بالنجاح لتدخل القوى
الغربية من ناحية، وبسبب الأساس النظري الذي قامت عليه هذه المشروعات، وإذا نظرنا
إلى تاريخ الإسلام نجد أن الأساسي العملي للوحدة السياسية تحقق في جهود أجيال
متعاقبة من المسلمين الذين طبقوا المبادئ العامة للإسلام في العصور المختلفة، أما
عندما يغفل المسلمون عن هذه المبادئ أو يعجزون عن إدراك روحها ، فإنهم يتأخرون عن
ركب التقدم. وليس هذا القول فارغًا من المضمون، لأن من بين الحقائق التي لا تقبل
الجدل أن الانحطاط الذي أصاب الحضارة الإسلامية، هو بسبب عجز المسلمين وليس بأي
حال دليلًا على عدم صلاحية المبادئ الإسلامية، ولذلك فإن المسلمين بإمكانهم اليوم
إذا وعوا هذه المبادئ وحققوها في ضوء متطلبات العصر الحديث أن يقودوا ركب التقدم
وأن يعدلوا مسار التاريخ الحديث بما يوافق المبادئ الإسلامية العامة.
الأسس
النظرية
إن إعادة
تفسير المبادئ الإسلامية بطريقة واعية وجريئة تتطلب:
أولًا: إعادة تعريف وصياغة هذه المبادئ بما يتناسب
مع عصرنا الحديث، إذ نجد مثلًا أن كثيرًا من مفكري الإسلام مازالوا يخلطون خلطًا
واضحًا بين هذه المبادئ ووسائل تحقيقها، فمثلًا لم تكن الخلافة إلا وسيلة لتحقيق
المبدأ الإسلامي بعالمية الأمة، لكن الخلافة -على ما ترى - ليست في الأساس، وإنما
جاءت نتيجة لإجماع الصحابة بما يوافق العصر الذي كانو يعيشون فيه، والآن نطرح سؤالًا:
ألا يمكن للأمة أن تجمع على الوسيلة التي تراها مناسبة لتحقيق هذا المبدأ في عصرنا
الحديث؟ وهذا يؤدي بنا أيضًا إلى ضرورة تجديد طبيعة وشكل ومجال الأمة الإسلامية
العالمية.
إن نصوص
القرآن تتضافر بالتأكيد على عالمية رسالة الإسلام، وهذا يهدف إلى تنظيم كل شؤون
الحياة وفق نظام كوني وأخلاقي وعقدي معين، وبمعنى آخر فإن الإسلام هو النسق الأخلاقي
الذي تدور حوله الحياة البشرية للوصول إلى تحقيق الرسالة الإلهية، ويصف القرآن هذا
البناء الاجتماعي الذي ينشأ عن التفاعل بين الإسلام والحياة البشرية، على أن أفراد
الأمة ليسوا مجرد كائنات عضوية، أو آلات، وإنما هم في الحقيقة أناس ناضجون وعلى
خلق رفيع، ومن خلال إيمان هؤلاء بالله يمكن أن ينصهر هؤلاء الأفراد في أمة واحدة،
وهذا التحول لا يفقد الإنسان شيئًا من شخصيته، وإنما يضيف بعدًا جديدًا إليها، لأن
الإسلام يهدف إلى رفع أخلاقيات الإنسان إلى أعلى المستويات، غير أن هؤلاء الأفراد
ليسوا وحدهم وإنما هم جزء مهم من كيان الأمة التي لا تجد فيها انفصالًا بين حرية الأفراد
وخضوعهم للسلطة، لأن هذه الأمة تقوم أساسًا على العمل بأحكام الشريعة التي يخضع
لها الجميع.
ومن هنا نجد
ونلمس حقيقة أن تكامل الأمة ووحدتها يقومان على أساس أخلاقي وليس على الوحدة
الجغرافية أو على اللغة أو على وحدة التاريخ والثقافة وما إلى ذلك، ولهذا فإن
الإسلام يتنافى تمامًا مع فكرة القومية التي تحصر الوحدة في إطار إقليمي ضيق، غير
أن بعض دعاة القومية العربية يريدون منا أن نعتقد أن الإسلام يهدف إلى تعميق ما
أسماه المفكر الغربي المشهور «مورجينتو» ب «العالمية القومية» وقد تجد بعض
المستشرقين يحاولون جاهدين إثبات أن الإسلام ما هو إلا دين قومي، أراد رفع وعي
الإنسان العربي إلى العالية بتحويله إلى ما أسماه «هيجل»، ب «الروح العالمية».
ويعتبر ابن خلدون في مقدمته أن العصبية هي أساس التكامل، غير أنه لا يفوته أن يميز
بين القرابة والدين والسلطة كأساس للعصبية، ويعتقد ابن خلدون أن العصبية للدين
الجديد التي أوجدها الإسلام كان لها الفضل في خلق وحدة سياسيةجديدة، تقوم على
الأسس القبلية القائمة آنذاك في البناء الاجتماعي للمجتمع العربي، مما أدى إلى
تدعيم العصبية القبلية وإن كان قد وجهها لأهداف سامية، وبمعنى آخر، فإن التأثير
المتبادل للعروبة والإسلام هو الذي أدى إلى ظهور الأمة العالمية وهذا الأساس الذي
يقوم عليه التكامل يتضمن مرحلتين:
أولاهما: تحول هذا الكم الهائل من القبائل العربية إلى
أمة واحدة متماسكة ومترابطة.
وثانيتهما: عالمية الأمة ذاتها.
أما نظرية ولي الله الدهلوي - رحمه الله - فهي
القرب إلى المنطق فيما يتعلق بأسس التكامل الاجتماعي والسياسي، وهو يبني نظريته في
التكامل كتفسير حقيقي للتطور الاجتماعي، ويرى أن هناك أربع مراحل لتطور البناء
الاجتماعي وهي:
ا – الأسرة.
2- القرية.
3- الدويلات.
4- الخلافة العظمى.
وهو في ذلك
يرى أن قيام الخلافة العظمى، هو أرقى تطور المجتمع السياسي، وعلى النقيض من ابن
خلدون نجد الإمام الدهلوي يعتبر أن قيام الخلافة هو غاية التطور الاجتماعي، وهو
يؤكد في ذات الوقت أن الخلافة تقوم لتوحيد الفوضى السارية بين الدويلات الصغيرة.
عالمية الأمة
رأينا فيما
سبق أن نظريات الخلافة القديمة التي دعا إليها الإمام أبو يعلى والماوردي كانت
تؤكد عالمية الأمة، وأن هذه الأمة أمة واحدة، ولا يجيز هؤلاء وجود أكثر من خليفة
في طول دار الإسلام وعرضها، غير أن هناك فقهاء آخرون مثل الخطيب البغدادي لم يروا
بأسًا بوجود خليفتين في الأمة، وهذا الرأي في حقيقته كان يناقض الوضع السياسي
القائم، وأما ابن خلدون فكان يتفق مع السلف في نظريتهم للخلافة، لكنه لم يكن يرى
بأسًا بوجود أكثر من خليفة في حال اتساع رقعة الأمة وعدم قدرة الحكومة المركزية في
عاصمة الخلافة على إحكام السيطرة على الولايات، مما يستلزم وجود أمراء لهم سلطانهم
المستقل والمعترف به، وتحل بالتالي السلطة الفعلية للأمراء محل الوحدة السياسية
وإن بقيت السلطة الشرعية للخليفة، وهي تعني على الأقل في المجال النظري وحدة الأمة
وعالميتها، وهكذا فقد أخذ النظام السياسي في الأمة صورة الحكومة الفيدرالية وقد
أقر الوضع الجديد
الكثير من الفقهاء من أمثال الغزالي
والماوردي وابن جماعة وابن تيمية.
وبعد أن
استقصينا نظريات الخلافة السياسية والاجتماعية والفقهية والفلسفية، نحاول أن نضع
هنا خلاصة ما توصلنا إليه من نتائج:
1-
الإسلام يهدف إلى توحيد البشر جميعا أمة واحدة تحت لوائه.
٢ .
هذه الأمة مطالبة بإعمال أحكام الشريعة.
٣- وهذا وذلك يتطلبان بالضرورة تنظيم الحكومة أو
الخلافة، لكن شكل الحكومة وهيئتها التركيبية متروك لظروف الأمة وما تراه ملائمًا لعصرها.
4-
يسعى الإسلام لإحداث تكامل سياسي داخل الأمة للوصول إلى أمة عالمية.
مفاهيم جديدة
في ضوء
المبادئ التي عرضناها يمكن وضع تصور
للنظام السياسي متلائمًا حاجات وظروف العصر في العالم الإسلامي، وقد كان فشل
المحاولات التي بذلت لتوحيد العالم الإسلامي، فيما نراه راجعًا لأسباب عدة سياسية
واقتصادية وتاريخية، ولعل أبرز هذه الأسباب هو محاولة إحياء فكرة الخلافة العالمية
بمفهومها القديم. وإنما الواجب ليكون التخطيط لتوحيد الدول الإسلامية سياسيًا عمليًاأو
واقعيًا أن يراعي التدرج في الوصول للهدف، ولكي نضع خطة للوحدة المنشودة، علينا
أولًا أن نحاول استكشاف أسس الوحدة بين الدول الإسلامية القائمة، وهذا يتضمن أيضًا
فحصًا دقيقًا للأوضاع السياسية لهذه الدول ومواردها الإقتصادية، وفي هذا المقام
يجب استقصاء وسائل الاتصال والإعلام ثم يأتي بعد ذلك كله تحديد أسس التعاون بين
الأمة العالمية والمجتمع العالمي. ومن جهتهم يدعو أصحاب فكرة الحكومة العالمية إلى
توحيد كل الأنظمة السياسية القائمة في ظل حكومة عالمية، وهذا يعني بالطبع أن تفقد
كل هذه الدول السيادة على أراضيها وتصبح أقاليم إدارية لهذا النظام الوحدوي، وهذا
قد يكون هدفًا ساميًا بحد ذاته تحاول الأمة الإسلامية الوصول إليه، باعتبار أن
التكامل بين الأمة كلها من الأهداف الأساسية للإسلام، ولكن في الواقع العملي
المعاصر للأمة وظروفها، فإن مثل هذه المحاولة محكوم عليها بالفشل حاليًا على الأقل،
ولهذا فإن هذا الاقتراح غير عملي.
وهناك اتجاه
يتحدث عن تطبيق مبادئ الأمم المتحدة، حيث تقوم هذه المنظمة العالمية على مبادئ تقر
ما يلي: 1- حق الدول في السيادة كمبدأ أساسي، وبالتالي فإن الدول المشتركة في هذه
المنظمة تحتفظ بسيادتها واستقلالها وتعمل بمجموعها لتحقيق الأهداف التي من أجلها أنشئت
هذه المنظمة.
2. تقوم
هذه المنظمة على معاهدة متعددة الجوانب، ويعد ميثاقها ملزمًا لكل الدول الأعضاء
لأنها قد وافقت عليه والتزمت بمبادئها.
3. تقوم
هذه المنظمة لخدمة التعاون والسلام العالميين وتحاول إيجاد منظمات فرعية تابعة لها
من أجل مد جسور التعاون بين الدول ذوات العضوية في هذه المنظمة الأم وفروعها.
وإذا أردنا
تنظيم رابطة للدول الإسلامية، فمن الممكن الاستفادة من هذه المبادئ على أن توضع
وثيقة بذلك من قبل ممثلي الدول الإسلامية، التي ستدعى لعقد مؤتمر لهذا الغرض، ومن
الممكن للدول الإسلامية أن تشكل رابطة بينها في ضوء المواد رقم (٥١). (٥٢). (٥٣)
(٥٤) من ميثاق الأمم المتحدة، بحيث تظل مبادئ المنظمة بين الدول الإسلامية متسقة
مع ميثاق الأمم المتحدة، وفي نفس الوقت لا تتعارض هذه أو تلك مع الشريعة الإسلامية.
وهذه المهمة الجليلة التي تهدف إلى توحيد الدول الإسلامية تتطلب بحثًا مستفيضًا في
الدراسات المقارنة بين القانون الدولي والفقه؛ على أن يقر الحرب كوسيلة مشروعة
لحسم النزاعات وهذه الآراء ينبغي التوفيق بينها وبين مفهوم الجهاد في الإسلام،
وهذا الميثاق المنشود سيكون له أثر واضح في التعديلات الأساسية لهذه الوثيقة. على
أن تضاف إلى الدستور بنود هذه الوثيقة. فمثلًا نجد في الدستور الحالي لباكستان
تأكيدًا على مساندة توثيق روابط الوحدة بين الدول الإسلامية، وهذا الشيء مطلوب أيضًا
وحري به أن
يدرج ضمن
دساتير بقية الدول الإسلامية. وهذه
المنظمة المقترحة سيكون من أهدافها حتما وضع حلول فعالة واقعية للنزاعات التي قد
تنشب بين الدول الأعضاء ووضع وسائل تنفيذها. على أن تكون هناك محكمة للفصل في
النزاعات الشرعية وعدد من الهيئات الفرعية للتعاون بين الدول الأعضاء، وأن يكون
للمنظمة أيضًا سكرتير عام ورئيس، وأن يكون تمثيل الدول الأعضاء في الجمعية
العمومية متساويًا، و ألا يكون لدولة ما حق الاعتراض والنقض (الفيتو)، وقد يكون
وجود مجلس الأمن بين هذه الدول غير ضروري ويمكن في هذه الحالة للجنة الدائمة أن
تقوم بنفس الدور، وستكون المواد المتضمنة في المحكمة المقترحة ملزمة على ألا تكون
فيها مواد اختبارية كما هو الحال في محكمة العدل الدولية، وتكون لهذه المحكمة أيضًا
السلطة العليا في حسم النزاعات بين الدول الإسلامية، ويكون لها أيضًا حق في إصدار تفسيرات
جديدة للقانون الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل