; التكامل الزراعي والاقتصادي.. السبيل إلى الأمـن الغذائي العربي | مجلة المجتمع

العنوان التكامل الزراعي والاقتصادي.. السبيل إلى الأمـن الغذائي العربي

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008

مشاهدات 74

نشر في العدد 1787

نشر في الصفحة 36

السبت 02-فبراير-2008

  • أزمة الغذاء في الوطن العربي تتفاقم بازدياد الاعتماد على المصادر الخارجية لإطعام السكان. 
  • مطلوب: تنمية القطاع الزراعي.. إنشاء سوق عربية مشتركة وتفعيل مشروع المنطقة التجارية العربية الكبرى. 
  • قوى خارجية تسعى إلى تقويض استقرار الدول العربية من خلال التحكم في ارتفاع أسعار السلع الغذائية. 
  • من أهم أسباب الفجوة الغذائية.. ندرة المياه وضعف الاستثمار في مجال البحوث الزراعية العربية. 

صلاح الصيفي

«من لا يملك قوت يومه لا يملك قراره».. عبارة تتردد كثيرا على الألسنة، ويتداولها عامة الناس قبل المتعلمين والمثقفين، وتحمل معاني وأخطارًا تعيشها الشعوب العربية في ظل قوته لا يملك الفجوة الغذائية التي يشهدها العالم العربي والتي تتفاقم يوما بعد آخر، مما حدا بمنظمات وخبراء اقتصاد عرب إلى إطلاق صيحات وتحذيرات مفادها إن انعدام الأمن الغذائي سيبقي الوطن العربي مرتهنا بأيدي قوى خارجية.

فقد تصاعد التهديد للأمن الغذائي العربي وبلغ مستويات حرجة، وأصبح يشكل سيفًا مصلتًا فوق الرؤوس، في عالم تشتد فيه حمى التنافس للسيطرة على الأسواق، ويزداد فيه استخدام الغذاء كوسيلة للضغط الاقتصادي والسياسي نتيجة لتوسيع الفجوة الغذائية التي يعانيها العرب، وبالتالي إبقاء الجسد العربي ضعيفًا قابلًا للاختراق، ومن ثم تسهيل عملية الهيمنة والسيطرة على ثروات ومقدراته!!

وقد أدى استيراد المواد الغذائية بمعدلات متزايدة إلى هزات قوية أصابت الأمن الغذائي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، نتيجة لقصور الطاقة الإنتاجية الزراعية العربية عن تأمين حاجات الاستهلاك يسبب استهداف مقومات الأمن الغذائي العربي من قبل مهددات خارجية وداخلية، مما جعل من عملية تأمين الغذاء واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه الدول العربية، وتجعلها عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخارجية، وهو يتناقض مع مصالحها الحقيقية. 

الاعتماد على الخارج:

وقد تطورت الأزمة الغذائية في الدول العربية تبعًا لمعدلات نمو الإنتاج والطلب الاستهلاكي على المنتجات الغذائية، وأصبح هناك شبه إجماع على أن الأزمة قد وصلت إلى حد حرج يتجلى في تنامي الاعتماد على المصادر الخارجية لإطعام السكان، وتدهور نصيب الفرد من الناتج الزراعي، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي. 

وتشير الإحصاءات إلى أن مشكلة الفجوة الغذائية العربية نشأت نتيجة نمو الإنتاج الغذائي في العالم العربي فقط ما بین 1.5% و2.5% سنويًا، في حين ينمو الاستهلاك الغذائي بمعدل يتراوح بين 4% و5% سنويًا.. وقد أدى ارتفاع الطلب المستمر على المواد الغذائية إلى زيادة قيمة الواردات الغذائية والزراعية حتى وصلت في عام ٢٠٠٤م إلى 21.7مليـار دولار للسلع الزراعية ونحو ١٨,٣ مليار دولار للسلع الغذائية.. وتتصدر الحبوب والألبان والسكر والزيت قائمة الواردات الزراعية العربية بقيم: ٤ مليارات و٢,١ ملیار و1.38 مليار و۱,۳۳ مليار دولار على الترتيب.

أسباب الأزمة:

هناك العديد من الأسباب التي فاقمت من مشكلة الغذاء في الوطن العربي، وزادت بالتالي من الفجوة الغذائية والتبعية الاقتصادية للغرب، وأهمها:

- الارتفاع المتزايد لعدد السكان: إذ تشير الإحصائيات إلى تضاعف عدد سكان الوطن العربي في فترة تقل عن ربع قرن، فقد ارتفع عدد السكان من ۱۲۲ مليون نسمة عام ١٩٧٠م إلى ٢٤٠ مليونًا عام ۱۹۹۳م، أي بمعدل زيادة يبلغ 97%، وهو ما يشكل ضعف معدل الزيادة في العالم.. وشهد حجم السكان تسارعًا ملحوظًا بمعدل بلغ حوالي 3% تقريبًا سنويًا عام ٢٠٠٠م. وهو معدل يفوق متوسط معدلات نمو الإنتاج الزراعي في نفس الفترة مما أدى إلى اختلال على مستوى عرض وطلب الغذاء.. كما أن هذا التزايد الكمي للسكان رافقه تغيير جوهري في توزيع السكان بين الريف والحضر، فقد أدت الهجرة الريفية إلى المدن داخل البلد الواحد، وإلى الدول العربية الجاذبة للعمالة إلى تزايد كبير السكان المدن وحرمان القطاع الزراعي في المناطق الريفية من الأيدي العاملة، مما أدى إلى تراجع أداء القطاع الزراعي في هذه المناطق.

 - انخفاض متوسط دخل الفرد: وتباين توزيع الدخل في العالم العربي، سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى القطري.

- سيادة النمط الاستهلاكي في العالم العربي: وهو نمط يمثل فيه الغذاء المادة الاستهلاكية الرئيسة وهو الأمر الذي يؤدي إلى توجيه أي زيادة في الدخل إلى الطلب على الغذاء أكثر من أي سلعة أخرى.

- سوء استغلال الموارد الزراعية المتاحة في العالم العربي: حيث يبلغ حـجم الأراضي المستغلة بالفعل في الإنتاج الزراعي حوالي ثلث مساحة الأراضي القابلة للزراعة.

- ندرة المياه وسوء استغلالها وهدرها: إذ يعد الوطن العربي من أقل مناطق العالم وفرة للمياه فبينما تضم المنطقة أكثر من 4.5% من سكان العالم فإنه لا يوجد في المنطقة إلا ما يقارب 1% من الموارد المائية العالمية المتجددة، كما لا يتجاوز معدل حصة الفرد حاليًا من الموارد المائية حوالي ألف متر مكعب في السنة مقابل ٧ آلاف متر مكعب للفرد في العالم كمتوسط سنوي. 

- التوزيع المتباين للأراضي الزراعية: حيث تستحوذ ٦ أقطار عربية هي«المغرب والسودان والجزائر والعراق وتونس وسورية» على78% من مجموع الأراضي المزروعة في الوطن العربي، في حين بلغ الناتج الزراعي العربي في عام ٢٠٠٤م حوالي ٦٨ مليار دولار، استحوذت السودان بمفردها على حوالي 23% منه، وهو ما يعني ضعف إنتاجية باقي الدول.

- ضعف الاستثمار في مجال البحوث الزراعية العربية: وعدم استقرار السياسات الزراعية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الاستثمارات الموجهة للقطاع الزراعي.

خطورة العجز الغذائي:

ونتيجة لهذه الأسباب فقد تفاقمت الفجوة الغذائية في العالم العربي، مما كان له نتائجه وتأثيراته الخطيرة على المستوى الأمني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الدول العربية، وتذكر منها:

- تخصيص مبالغ من العملة الصعبة تقدر بأكثر من ٢٠ مليار دولار سنويًا لتغطية فاتورة هذا العجز، الأمر الذي يعني استنزافًا للموارد المالية وإرهاقًا للاقتصاد وبخاصة في الأقطار غير المصدرة للنفط، وتفاقمًا في عجز الميزان التجاري الزراعي الخارجي وتضخيمًا للمديونية في بعض الأقطار، ومن ثم تكريسًا ودفعًا نحو التبعية وإضرارًا بالتنمية بمجملها، مما يعني إخلالًا كبيرًا للأمن الوطني للأقطار العربية ومن ثم للأمن القومي العربي.

- سعي قوى الهيمنة الخارجية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وحلفائهما للتضييق على حاجات الإنسان الغذائية، بهدف إثارة الفئات الشعبية الواسعة ذات الدخول المحدودة ضد ارتفاع أسعار وندرة السلع الغذائية، واستغلال ردود أفعالها الغاضبة لتقويض الاستقرار وتعطيل عملية التنمية في الدول العربية.. ومن الأمثلة على ذلك انتفاضة الخبز الشهيرة في القاهرة والإسكندرية عام ١٩٧٧م، والاحتجاجات والاضطرابات في العديد من سنوات الثمانينيات والتسعينيات التي شهدتها الأردن وعواصم المغرب العربي تونس والجزائر والرباط.

- الخضوع لمخططات وأطماع ومصالح الدول الموردة «المانحة» وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وغالبًا ما يؤدي إلى تهديد أو تقييد أو ابتزاز أو ارتهان القرار السياسي العربي بدرجة أو بأخرى لتلك القوى الغربية، وبعبارة أدق إلى «التبعية السياسية» من منطلق أن «من لا يملك قوته لا يملك قراره»، وهذا ما ظهر جليًا خلال العقدين الماضيين في الوطن العربي.

الخروج من المأزق:

لا شك أن الخروج من هذا المأزق الغذائي يتطلب جهودًا عربية جادة في طريق التكامل على جميع الأصعدة وبخاصة الصعيد الزراعي، إلا أن جهود التكامل العربي ما زالت تنقصها الإرادة السياسية وحكومات مسؤولة وقوى ناشطة لتحقيق هذا الهدف الذي أصبح المخرج الوحيد للوطن العربي من الأزمات التي يعاني منها اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. وقد آن الأوان لإحداث تحولات سياسية جذرية تكرس الديمقراطية، وتفسح الطريق أمام الشعوب للتأثير بالطرق الديمقراطية في القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المصيرية وفي طرق تنفيذها ومتابعتها..

 ويعد تحسين أداء القطاع الزراعي ورفع إنتاجه هدفًا إستراتيجيًا لتحقيق الأمن الغذائي في الوطن العربي، ويمكن تحقيقه عن طريق تعزيز قدرات الاستحواذ على التكنولوجيا الزراعية بالاهتمام بالتقدم العلمي وما يفتحه من آفاق واسعة لتطوير الأساليب الزراعية المتبعة في إنتاج المحاصيل كتطوير كفاءة استغلال المساحات الزراعية المتوافرة وتحسين استخدام التقاوي والبذور المحسنة، واختيار التركيب المحصولي والدورة الزراعية بالصورة الأكثر ملاءمة، والتوسع في الميكنة الزراعية، وتبنّي أساليب الري الحديثة وتطوير الأصول الوراثية باستخدام التقنيات الحيوية والكيماوية والهندسة الوراثية..

وهناك ضرورة ملحة لإقامة تكتل اقتصادي عربي للمحافظة على مصالح الأقطار العربية في ضوء التكتلات العالمية وهذا يتطلب تعزيز التكامل العربي، وخلق سوق عربية مشتركة، وتفعيل مشروع إنشاء المنطقة التجارية العربية الكبرى عن طريق تذليل العقبات التي تعترض سبيلها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1253

84

الثلاثاء 10-يونيو-1997

المجتمع الإسلامي (1253)

نشر في العدد 877

100

الثلاثاء 09-أغسطس-1988

المجتمع المحلي: (العدد: 877)