العنوان التقويم القمري الفلكي اتجاه خاطئ وفي مقررات المؤتمر ما هو أهم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1974
مشاهدات 124
نشر في العدد 196
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 16-أبريل-1974
وجه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتي دعوات إلى أعضاء «لجنة توحيد أوائل الشهور العربية والمناسبات الدينية». وأعضاء اللجنة من مصر وتونس والجزائر وقطر والكويت.
واللجنة المذكورة انبثقت عن مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي عقد في الكويت في محرم 1393.
والمؤتمر أوصى بأشياء كثيرة منها إنشاء صندوق للدعوة الإسلامية، واختيار الدعاة الصالحين وإنشاء كليات للدعوة الإسلامية وإيجاد رياض إسلامية للأطفال وتغذية وكالة الأنباء الإسلامية...
لكن هذه التوصيات بقيت حبرًا على ورق، ولم تقم وزارة الأوقاف الكويتية بأي جهد لمتابعة تنفيذها، وهذا الذي نقوله قد قاله قبلنا مندوب المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر أثناء مؤتمر المنظمات الإسلامية الذي عقد قبل أيام بمكة المكرمة.
لكن وزارة الأوقاف تجدد الدعوة للجنة توحيد أوائل الشهور العربية والمناسبات الدينية لتقرر هذه اللجنة:
وجوب عمل تقويم قمري بمعرفة لجنة من الفقهاء وعلماء الفلك تلتزم به الحكومات الإسلامية في صومها وفطرها وفي تحديد مواسمها الدينية وفي تاريخها..
ولما كان هذا الرد مردودًا، ولا يجوز ونستغرب أن وزارة الأوقاف اهتمت به بدلًا من جوانب أخرى في التوصيات جديرة بالاهتمام.
فإننا نقدم ملخصًا لبحث أعده العلامة الشيخ عبد الله بن محمد
تبيان الأدلة في إثبات الأهلة
بقلم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد
الرئيس العام للإشراف الديني على المسجد الحرام
الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مبرأة من الشكوك والارتياب، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه رسالة تبين أن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة فلكل أهل بلد رؤيتهم على التفصيل الذي سنبينه ومن الأدلة على ذلك:
قال مسلم في صحيحه:
حدثنا يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر. قال يحي بن يحيي: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل – وهو ابن جعفر– عن محمد وهو– ابن أبي حرملة– عن كريب: أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام.. قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت -الهلال– ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما.. ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته، فقلت: نعم، رآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه.. فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم..
وهذا صريح أن لكل بلد رؤيتهم وقول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم يدل على أنه أمر ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله: بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم. وقال أبو داوود في سننه باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة.. وقال الترمذي في جامعه: باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم.. وقال بعد سياقه حديث كريب والعمل علي هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم ولم يذكر خلافًا.
وقال النسائي في سننه: اختلاف أهل الآفاق في الرؤية: وساقوا كلهم حديث كريب مولى ابن عباس مما يدل على أن هؤلاء الأئمة يرون أن لكل بلد رؤيتهم كما تدل عليه تراجمهم له..
وقول ابن عباس -رضي الله عنه- لكريب حين قال له: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه
قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم.. يريد -رضي الله عنه، أن أهل المدينة لا يفطرون برؤية أهل الشام مستدلًا بحديث «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه» ...
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له»، وقال: «الشهر تسعة وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»..
هذه الروايات تدل على أن الصوم منوط بإكمال عدة شعبان ثلاثين أو بالرؤية: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.. وهذا وإن كان خطابًا لجميع الأمة فالصوم والإفطار يكونان عند وجود السبب الذي هو الرؤية فالأمة التي ترى الهلال يلزمها الصوم والإفطار لوجود سببه ومن لم تتحقق عندها الرؤية فلا يلزمها الصوم ولا الفطر لتخلف سببه.
وحديث: «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه» علق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية.. فقد توجد الرؤية في بلد «كمكة والمدينة»، وزمنها يكون نهارًا عند آخرين.. فكيف يؤمرون بالصيام؟
وهذا لا شك يدل على اختلاف المطالع كما حكي الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم.
وقال بذلك كبار أئمة الحنفية ومحققيهم في ذلك:
قال صاحب التجريد: إن المطالع تختلف اختلافًا يختلف معها حكم الأهلة.. وقال المفتي أبو السعود مثل هذا القول وأضاف: إن انفصال الهلال من شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما في دخول الوقت وخروجه.
وقال ابن عابدين:
أعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى «البلدتين» دون الأخرى..
وكذا مطالع الشمس لأن انفصال -الهلال- عن شعاع - الشمس - يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب، وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس.. بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وطلوع شمس لأخرين، وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم.. ولا يلزم أحدا العمل بمطلع غير.
وقال المحققون من الحنفية والمالكية وعامة الشافعية: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة مثلًا لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز فلكل أهل بلد رؤيتهم..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله:
والهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه من السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطنًا ولا ظاهرًا..
وبهذا يتبين أن الهلال اسم لما ظهر وبان فقبل أن يظهر ويبين فليس بهلال فعليه لا يلزم أهل المشرق الصوم والإفطار برؤية أهل المغرب لأنه لم يكن عند أهل المشرق هلالًا لعدم ظهوره عندهم.
وقال محقق المالكية:
قال ابن عبد البر في التمهيد:
أجمع العلماء على أن لا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان كخراسان من الأندلس إذ لكل بلد حكم يخصه كما جاء في الحديث وإنما تراعى فيما تقاربت أقطاره وتدانت أمصاره..
وروى المدنيون عن مالك: أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك وبه قال ابن «الماجشون - والمغيرة» من أصحاب مالك، وأجمعوا: أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز.
وجاء في الإنصاف:
إذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم إذا اتفقت المطالع وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب، والهلال طلوعه ورؤيته بالمغرب سابق لأنه يطلع من المغرب.
وهذه أقوال أهل العلم من كل مذهب... كلها تدل على أنه لا يلزم أهل البلد البعيدة العمل برؤية أهل البلد الأخرى إذا اختلفت المطالع وأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكونوا يكتبون أو يبحثون عن رؤية الأهلة في البلاد الأخرى معتمدين معنى ما جاء في حديث ابن عباس، وحديث صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته على أن لكل أهل بلد رؤيتهم ونكتفي بما نقلناه في ذلك ففيه كفاية ومقنع لمريدي الحق وطالبيه... والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل.