; التقدم والتخلف في صراع الحضارات | مجلة المجتمع

العنوان التقدم والتخلف في صراع الحضارات

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1462

نشر في الصفحة 42

السبت 04-أغسطس-2001

غاب عن أتباع الحضارة الأوروبية أن الأوروبيين كان لديهم سبب للثورة على عقيدتهم هو تحريم البابوات للعلوم بشتى أنواعها بينما الإسلام يحث على الأخذ بهذه العلوم والاستفادة بها

جاليليو أدين بالسجن مدى الحياة أمام محكمة تتكون من سبعة كرادلة لأنه اكتشف نظرية دوران الأرض.. ورغم ركوعه أمام رئيس المحكمة نادمًا على اكتشافه إلا أن الحكم تم تنفيذه.. هل وجدتم حادثة مثل تلك مع الإسلام؟!

المعركة ليست جديدة وإنما استئناف لما بدأه قاسم أمين وانتهى إلى تعرية المرأة وتغريبها والدعوة الصريحة للاختلاط والإباحية

 وصف بعض الكتاب مجلس الأمة بالتخلف لتوصيته بإيجاد آلية لمواجهة الانحرافات الأخلاقية ثم وصف الحكومة بالتخلف لأنها استجابت لذلك!

 كما وصف بعضهم رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الأمة بالسذاجة والطفولية واعتبر أغلبية مجلس الأمة من رموز التخلف والرجعية لموافقتهم على التصدي للظواهر السلوكية الغريبة على المجتمع، ولعدم معارضتهم مشروع قانون العقوبات الشرعية، لأنه في نظره ينطوي على اعتداء على الحريات التي كفلها الدستور. 

ولقد كتب آخرون في مصر وسورية والأردن مؤيدين من كتبوا مساسًا بالله وكتبه ورسله.

إن الصراع الناشب حاليًا في المجتمعات العربية والإسلامية هو امتداد للصراع الذي قاده عصر النهضة في أوروبا ضد رجال الدين «الكنيسة» وأمراء الإقطاع.

ولقد انتقل هذا الصراع إلى المجتمعات العربية والإسلامية منذ احتلال بريطانيا وفرنسا لهذه المجتمعات.

فقد عمل الاحتلال الأجنبي على تغريب المجتمعات العربية والإسلامية حتى تفقد هويتها ومقوماتها وتقبل التبعية للأوروبيين. 

ولقد قام الاستعمار بتربية فئات من المثقفين العرب والمسلمين على ذلك وغرس القيم الأوروبية في نفوسهم فاقتنعوا بما يردده الأوروبيون أن تخلف العالم العربي والإسلامي يرجع إلى تمسكه بالقيم الدينية التي هي من سمات القرون الوسطى في زعمهم، وأن سبيل التقدم هو الأخذ بالحضارة الأوروبية حلوها ومرها! 

ولقد تصدى لهذا التيار فئة من الوطنيين لكن المعركة بين الطرفين لم تكن متكافئة، ذلك أن المحتل الأجنبي مكن أنصاره حتى أصبحوا هم نجوم الثقافة والأدب والفن وساسة الحكم.

والسبب الآخر هو أن بعض رواد الفكر الإسلامي لا يحسنون عرض الإسلام، بل منهم من لا يحسن فهمه، كما قرر أحد علماء الأزهر وهو الدكتور محمد البهي في كتابه «الإسلام ومشكلات الحكم».

لقد انبهر أتباع الحضارة الأوروبية بالتقدم العلمي في أوروبا والتفوق التكنولوجي وظنوا أن تخلف العرب في هذا المجال يرجع إلى القيم الدينية التي يتمسكون بها، مع أنه لا يوجد في الإسلام ما يحول دون الاستفادة بهذا الجانب من الحضارة المادية، بل إن الواقع التاريخي يكشف أن صحابة رسول الله ﷺ قد احتفظوا بالتكنولوجيا التي كانت لدى الفرس والروم وحافظوا عليها، واعتبروا ذلك من أمور دينهم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أولى الناس بها».

ولقد غاب عن أتباع الحضارة الأوروبية أنه يوجد لدى الأوروبيين سبب للثورة على دينهم الذي قدمه لهم البابوات والذي حرم على الناس البحث في الطب والهندسة والفلك وسائر العلوم زاعمين أنها نوع من السحر والهرطقة وخول البابوات قتل العلماء.

وهذا السبب لا وجود له في الإسلام، لأن القرآن الكريم قد نزل في القرن السابع الميلادي وكانت أوروبا تعيش قرونها المظلمة- وأمر بإخراج الناس من هذه الظلمات إلى نور الإسلام وأحل ما حرمه عليهم البابوات، ففي وصف الرسالة والرسول يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾ (الأعراف: ١٥٧). 

إن الثورة على الدين في أوروبا لها أسباب لا وجود لها في العالم العربي والإسلامي.

لقد كتب ديورانت في كتابه، قصة الحضارة أن مجمع نيقية الكنسي الذي عقد عام ٣٢٥م قد أدخل على الدين المسيحي صكوك الغفران والحرمان والتي خولت البابوات حق التحريم والتحليل، وحق احتكار العلم، وأنهم المصدر الوحيد للمعرفة في أمور الدين والدنيا الأمر الذي جعل رجال الدين يحاكمون كل من بحث في العلم البشري التجريبي، فعندما قال جاليليو بدوران الأرض حوكم أمام سبعة من الكرادلة وحكموا عليه بالسجن مدى الحياة رغم أنه أنكر القول بدوران الأرض وركع أمام رئيس المحكمة معلنًا أنه بلغ السبعين عامًا، وقد كفر بكل قول سمعه عن دوران الأرض.

لقد كانت الكنيسة من أكبر الملاك حيث كان لها خمسة عشر ألفًا من القصور، وأحد رجال الدين كان يملك عشرين ألفًا من العبيد!

فهذه الانحرافات وغيرها ليس لها مثيل في العالم العربي والإسلامي، وبالتالي فتقليد حركة التنوير في أوروبا هو عين التخلف ورأس الجهالة والجهل.

المعركة ليست جديدة، فهي في الواقع ليست إلا استئنافًا للقضية التي فتح بابها قاسم أمين في مستهل القرن العشرين، وبعدها أخذت الأمور تتطور تطورًا سريعًا حتى إن دعوة قاسم أمين قد استنفدت في وقت وجيز كل أغراضها، فقد خلعت المرأة الحجاب، ثم أخذ المقص يعمل في هذه الثياب في الذيول والأكمام وفي الصدر، بل إنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطئ البحر بما لا يكاد يستر شيئًا.

ولم تعد عصمة النساء في أيدي أزواجهن بل في أيدي صانعي الأزياء في باريس من اليهود وصانعي الفجور في العالم.

لقد خرجت مظاهرة النساء المشهورة في مصر سنة ۱۹۱۹م هاتفة بالحرية، في طريقها إلى دار المعتمد البريطاني من ۳۰۰ امرأة على رأسهن صفية زغلول حرم سعد زغلول، وكريمة مصطفى فهمي باشا، وهدى شعراوي حرم علي شعراوي باشا.

وتزعمت هدى شعراوي الحركة النسوية وتجرأت هذه المتزعمة على ما لم تتجرأ عليه امرأة مسلمة من قبل، فسافرت إلى باريس وأمريكا لدراسة شؤون المرأة وأخذت تلقي التصريحات والأحاديث ضد الحجاب الشرعي.

وقد لعبت الصحف دورًا حاسمًا في هذه المعركة بما كانت تنشره من صور للجمعيات النسائية عن تطورات الانقلاب الكمالي في تركيا وأثره في المجتمع العربي عامة والنسوي خاصة.

أما صحيفة السياسة الأسبوعية «القاهرة» فقد كتبت مقالاً عن فتاة تركيا، وذلك في ١٧ يوليو سنة ١٩٢٦م والتي تصف سفر باخرة اتخذتها وزارة التجارة التركية معرضًا عامًا في رحلة على نفقة الحكومة تجوب موانئ أوروبا الشهيرة لفتيات جميلات متبرجات لا يكاد يميزهن العربي عن فتاة لندن وباريس، وتروي الصحيفة بعض ما صرحت به الفتيات من لبس أحسن الأزياء الأوروبية والأمريكية، والرقص والتدخين، والسفر بدون أزواجهن، ويعلق المراسل بأن هذا أظهر الآثار التي تدل على تقدم المرأة التركية ومجاراتها لأختها الغربية، ثم يقول: لا يسع كل محب لتركيا إلا أن يغبطها على هذه الخطوات!

أما صحيفة المقتطف المصرية فتكتب مقالاً عن تركيا المعاصرة في أبريل ١٩٢٦م تشيد فيه بمصطفى كمال، وتقربه من واشنطن زاعمة أنه أكبر زعيم معاصر وتثني على قيامه بفصل الدين عن الدولة، وجعل الدين أمرًا شخصيًا بين المرء وخالقه، وتشيد بتطور المرأة وسفورها.

ومن أسلحة المعركة استفتاءات مجلة الهلال المصرية التي كان لا يفرغ من أحدها حتى يبدأ في غيره وتعرض إجابات مشاهير الكتاب والمفكرين للتأثير على القارئ وتوجيهه كاستفتائها عن زواج الشرقيين بالأوروبيين «كان ذلك في عدد ديسمبر ۱۹۲۲م».

وكتب رفقي بك، وكان كاتبًا عند جمال باشا الحاكم التركي السوري: إنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تسعى إلى رجل تعيش وإياه كما تريد مسلمًا أو غير مسلم فإنه لا تعد تركيا قد بلغت رقيًا بسبب هذا التخلف.

ويكتب إبراهيم المصري في الهلال عدد فبراير ۱۹۲۸م عن وجوب السماح بالاختلاط بين الرجل والمرأة الأجنبية وهو ما يعد انحطاطًا بالكرامة البشرية وإسفافًا بالعلاقات الجنسية ويرى أن الاعتقاد الشرقي الشائع بأن الرجل والمرأة متى التقيا فلا بد أن ينهض الشيطان بينهما وينفث في نفسيهما سموم الرذيلة والشر هو سر تأخرنا وهو من بقايا عصور الجهل والخوف والظلام.

والواقع أن رد الفعل لأضرار وأعراض اختلاط الطلبة بالطالبات، هو أن رفع بعض طلبة الكليات التماسًا إلى مديريها وعمدائها وأساتذتها عام ۱۹۳۷م يطلبون إدخال التعليم الديني في الجامعة، كما يطلبون الفصل بين الطلبة والطالبات كما كان سائدًا من قبل.

 

الرابط المختصر :