الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
الرائد عدد 21- شعبان
أغسطس 596- 976
منذ قامت الحركة الصهيونية في أواخر القرن الميلادي الماضي وهي تسير وفق مخططات مدروسة لتحقيق أهدافها الواحد تلو الآخر، يساعدها على ذلك أن مواجهتها- عندما تكون- تبقى دون تخطيط مدروس ولا تنسيق طويل المدى بين القائمين بها، بل قد تفتقد تلك المواجهة أحيانًا إدراك أبعاد تلك المخططات وأهدافها وسبل تنفيذها، وربما وجدت بعض الحكومات المسؤولة والجهات الرسمية أن مما يحقق مصالحها الذاتية ويخدم أهدافها الآنية أن تتجاهل في بعض الأحوال وجود المخططات الصهيونية رغم خطورتها، أو أن تقلل من شأنها على الأقل في أنظار شعوبها..
ومن المجالات الرئيسية التي دأبت الصهيونية العالمية على العمل فيها منذ زمن طويل وعلى جهات متعددة تقوية نفوذها لدى الكنائس النصرانية ولاسيما الكنيسة الكاثوليكية وإيجاد نوع من «التقارب» أو «التعاون» معها تسخره بطرقها الخاصة لخدمة أغراضها المختلفة في إطار قضية فلسطين مباشرة أو على المستوى العالمي.. ولقد قطعت الصهيونية العالمية شوطًا على هذا الطريق وهي في سبيلها إلى قطع شوط جديد.
وكان من أبرز ما حققته الصهيونية العالمية من أهدافها المرحلية إلى الآن ما عرف بـ «وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح» الصادرة عن المجمع المسكوني للفاتيكان برئاسة البابا سنة 1965م.
وقد بدأ العمل في إعداد الوثيقة سنة 1960م، ووضعت صيغتها المبدئية عام 1962م، وعرضت على المجمع المسكوني ثانية في دورته الثالثة عام 1964م. ولكن العرب- كما يقول أنيس قاسم- لم يتيقظوا للأمر إلا بعد أن أقر الموضوع بصورة تمهيدية والتزم به المجمع.. بعد ذلك فقط طالب للعرب أن يتحركوا.
بعد ذلك فقط طاب للصحافة العربية أن تتعرض للموضوع وبعد ذلك فقط تحرك سفراء الدول العربية لدى الفاتيكان «1»..
وهدأ «التحرك» بعد فترة وجيزة من الزمن.. لم يسبقه تخطيط مدروس، ولا صاحبه تنسيق كاف، ولا ترتبت عليه- بالطبع- نتيجة فعلية تذكر..
ولا عجب في ذلك، فالنظرة إلى الموضوع بكامله تقوم على أسس خاطئة. ويكفي في هذا المقام ذكر خطأ رئيسي، هو الاعتقاد بأن الصهيونية العالمية هي التي «خدعت» الكنيسة الكاثوليكية والمجمع المسكوني والباب يوحنا الثالث ثم البابا بولص السادس، أو هي التي «أرغمتهم» بوسائل نفوذها الكبير على إصدار وثيقة التبرئة.. ولكن الواقع أن دولة الفاتيكان ليست بذلك القدر من «الغباء» لتنخدع، ولا هي ضعيفة سهلة القياد، بل هي- دون ريب- تضاهي الصهيونية العالمية تنظيمًا ونفوذًا.
ومن هنا يتضح أن كل ما يتخذ من خطوات مشتركة بين الطرفين إنما يتم نتيجة للضغوط المتبادلة واتفاق المصالح في آن واحد، ومع إدراك كل طرف حجم ما يقدمه للطرف الآخر مقابل ما يحصل عليه منه لتحقيق مصالحه وأهدافه الخاصة.
والجدير بالذكر أن أول من دعا إلى تبرئة اليهود من دم المسيح لم يكن من اليهود بل كانت «إرسالية تبشير نصراني» أمريكية عملت في فلسطين.. وكان ذلك عام 1819م أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا بتسع وسبعين سنة «2» وعندما تأسست في لندن عام 1809م «الجمعية اللندنية للتبشير بين اليهود» ووضعت الأساس لكنيسة تبشيرية في فلسطين، كانت الأولى من نوعها في الإمبراطورية العثمانية، لم تجد لها اسمًا أنسب من «كنيسة صهيون» وكان من أهداف تلك «الجمعية التبشيرية» جمع اليهود في فلسطين «3».
والجدير بالذكر أيضًا، أن مسرحية «المندوب» التي نشرت قبيل إصدار وثيقة التبرئة للضغط على «البابا» بولص السادس بما ورد فيها من اتهامات ضد سلفه بيوس.. هذه المسرحية كانت من تأليف رجل نصراني بروتستانتي وليس من تأليف رجل يهودي... كذلك فقد شهد التلفزيون الأمريكي عام 1964م- أي أثناء دراسة الوثيقة- سلسلة محاضرات عن شخصيات العهد القديم «التوراة» قال صاحبها في تقديمها: «إنني أريد أن أذكر الناس بأن العهد القديم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي استعمله يسوع. وأريد أن أذكرهم بأن اليهود والمسيحيين يشتركون في كتاب العهد القديم.. ولم يكن المتكلم يهوديًا بل كان راهبًا نصرانيًا لوثريًا... بل إن واضع نص وثيقة التبرئة نفسه لم يكن سوى كاردينال نصراني كاثوليكي «4».
وبعد صدور الوثيقة لم تجد الترحيب من جانب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ناحوم جولدمان فقط، بل رحبت بها أيضًا الكنائس البروتستانتية والأرثوذوكسية في أمريكا «5»، ورحب بها المجلس العالمي للكنائس الذي يضم أربع عشرة كنيسة وقال سكرتيره العام في بيان أصدره: «إن الرباط العميق القائم بين اليهود والمسيحيين ليس مجرد ذكرى وإنما هو حقيقة واقعة» «6».
ومن أراد أن يواجه الصهيونية فعليه إدراك أن كل هدف تصل إليه يصبح وسيلة لبلوغ هدف جديد... فمن الخطأ الكبير أن تكون المواجهة على شكل «زوبعة» تصاحب حدثًا معينًا مثل إصدار وثيقة التبرئة، ثم تزول بعد حين مع أن النتائج المترتبة على الحدث ما تزال تظهر يومًا بعد يوم، وما تزال النصرانية الكاثوليكية والصهيونية العالمية تحققان باستمرار المزيد من الأحدث تحت شعار «التقارب بين الديانات السماوية» أو الأخوة بين اليهود والنصارى» أو تجديد الأفكار الكنيسية» أو سوى ذلك من الشعارات التي توضح مراحل التقارب والتعاون وتدفعها إلى الأمام.
وعندما رحب «ناحوم جولدمان» بالوثيقة، قال بوضح تام: «إننا سنحكم على القرار من طريقة تنفيذه من جانب الكنيسة في المستقبل «7» وقد سارعت دولة الفاتيكان بالفعل إلى اتخاذ الإجراءات التنفيذية العملية فاستبدلت عناوين بعض الصلوات وعدلت نصوصها بما يتفق وروح الوثيقة وأصدرت تعليماتها لتعديل المناهج المدرسية على نفس الأساس.
وتطورت مجالات «التقارب» بطبيعة الحال من إطارها «اللاهوتي» إلى الجوانب السياسية والثقافية والفكرية والعلمية بنفس الطريقة التدريجية التي اتسمت بها المرحلة السابقة.. فقد بدأت بعدها مرحلة جديدة تتبنى فيها الجهات الكاثوليكية المواقف التي تريدها الصهيونية وتريدها إسرائيل من جهة، وتتفق مع رغبة الكنيسة الكاثوليكية ومخططاتها البعيدة المدى في عدائها السافر حينًا والمستتر حينًا آخر تجاه الإسلام والمسلمين من جهة أخرى.
ولم يكن اللقاء الشهير بين «جولد مائير» و «البابا» في كانون الثاني- يناير عام 1973م الأول.. بل كان السابع من نوعه بين «الكرسي البابوي» وبين ممثلي الصهيونية العالمية ثم ممثلي إسرائيل بعد قيامها «8».
وقد بدأت المجلات الناطقة بلسان الكنيسة الكاثوليكية منذ زمن لا بأس به في التمهيد لهذا التقارب في مرحلته الجديدة بتغيير طريقة تفكير «النصراني الكاثوليكي» الذي كان يصلي فيتحدث في صلاته عن «كفر اليهود وجهلهم وعماهم وضلالتهم» «وأصبح عليه أن يعتبرهم» شعبًا مظلومًا مضطهدًا يجب تقديم العون له»، وعليه بالتالي أن يتخذ الموقف السياسي المؤيد لليهود «أبناء إسرائيل العائدين إلى أرضهم»... وهكذا نجد مجلة مثل «فيلت بيلد» الصادرة عن المركز الكنسي في «فولدا» بألمانيا الغربية بتوكيل من الأساقفة الألمان الكاثوليك «تنشر في عددها الصادر يوم 17-4-1974م» مقالًا تتحدث فيه عن الأرض المقدسة وتصف فيه «هرتسل» بأنه أشبه بالأنبياء في ثياب شخص عادي، وتصف فلسطين بأنها كانت أرضًا خالية فهاجر اليهود إليها وعمروها.
كما نجد مجلة مثل «المختار الكاثوليكي» التي تصدر عن دار نشر بنفس الاسم في ولاية بافاريا الألمانية تنشر في عددها الصادر في شهر آذار- مارس عام 1973م مقالًا لمحرر فيها زار «القدس المحتلة» وعاد يصفها ويصف معها احتفالات «الشعب اليهودي العائد إلى أرضه بمناسبة عيد استقلاله».
وليس هذا إلا غيضًا من فيض من الأمثلة العديدة للتوجيه الإعلامي في الصحافة الكاثوليكية في هذا الموضوع، إلا أن الأمر لا يقتصر على التمهيد والإعلام بل يتعداه إلى الخطوات العملية للتعاون، فنجد «مركز هاري ترومان» للأبحاث العلمية في إسرائيل يقيم في نهاية شهر نيسان- أبريل عام 1972م، مؤتمرًا كبيرًا بعنوان «أفريقيا السوداء والعهد المقدس» أثارت فكرة عقده «حركة النصارى المثقفين في أفريقيا» واشترك فيه أكثر من أربعين شخصًا كان بينهم المبشر النصراني «تسو نجرانا» من «فولتا العليا» والرئيس السنغالي.. سنغور وكان الهدف الرسمي للمؤتمر دعم الكنيسة في أفريقيا ودعم ترجمة الأناجيل والتوراة إلى اللغات الأفريقية «9».
ولم يكن يخفى على المتابع المخلص للقضية ما كان يتم من قبل أيضًا من تعاون وثيق بين «اليهود والنصارى» ضد المسلمين في أفريقيا، كما هو الحال في الحبشة ضد الأرتيرين، وفي نيجيريا ضد «الشهيد أحمد وبيللو» وصحبه، وفي زنجبار بزعامة «كرومي» في مذبحة عام 1964م، ضد المسلمين، وغير ذلك مما تم معظمه بين أعوام 1960م، و1965م أي خلال سنوات إعداد الوثيقة وإصدارها «10».
وعندما قامت حرب تشرين الأول- أكتوبر عام 1973م، أعلنت مجموعة النصارى الغربيين التي تسكن في إسرائيل في بيان أصدرته أنها تؤيد إسرائيل وتدعمها بقوة وتعتبر العدوان العربي في سيناء والجولان عدوانًا على حق إسرائيل في الحياة كشعب، وقال الناطقون بالعبرية من هؤلاء: «إننا نشارك إسرائيل في مصيرها وندعو جميع النصارى إلى الاعتراف بها».. وأعلن رئيس أساقفة حيفا «رايا» على المستوى الرسمي أنه على استعداد العمل في كنس الطرقات إذا تطلبت المعركة ذلك منه وأنه يصلي يوميًا من أجل «جنودنا الإسرائيليين» «11».
وكان موقفه- وهو من أصل لبناني- أقل سوءًا من موقف سواه فهو المعروف باحتجاجاته السابقة على الحكومة الإسرائيلية بسبب طردها «النصارى» العرب في شمال فلسطين من أراضيهم.. ولكنه كان يؤكد أثناء احتجاجاته باستمرار «ولاءه التام تجاه حكومة إسرائيل وحبه لهذا البلد وشعبه» «12».. وعلى الجانب الآخر عندما قام يهود «متطرفون» بعمليات إرهابية ضد مراكز تبشير نصرانية داخل القدس واحتجت السلطات الكنسية على ذلك، كان موقف رئيس مجلس بلدية القدس الإسرائيلي «كولك»، أنه يدين تلك الأعمال ولكنه يضيف على ذلك قوله: «إننا لا نحتمل أن نرى في القدس مراكز تبشيرية وليس هذا مما يدعم السلام» «13» والغريب أن نفس رئيس مجلس البلدية المذكورة وقع عليه اختيار «الأكاديمية الكاثوليكية في بافاريا» لمنحه ما يسمى بــ «جائزة رومانوجار ديني» السنوية. واختارت الأكاديمية إلى جانبه لنفس الغرض البروفسور«شيمارأياهوتالون» الذين يدرس في الجامعة العبرية في القدس المحتلة... وكانت هذه المرة الأولى التي تمنح فيها تلك الجائزة لأشخاص غير نصارى. وقد قوم مدير الأكاديمية «هنريش» هذا الاختيار بقوله: «إنه محاولة لمواجهة قرار هيئة الأمم المتحدة الكريه بإدانة الصهيونية على أنها شكل من أشكال العنصرية «14» وكانت صحيفة الفاتيكان «اوبسر فاتوري رومانو» قد نشرت من قبل انتقاد الكاردينال «ويليبراندس» من الفاتيكان للقرار المذكور وقال إنه لا يساعد على قيام العدل والسلام في الشرق الأوسط «15».
ولا نعجب بعد ذلك أن يسارع الفاتيكان بعد «حوار طرابلس الغرب» إلى إصدار بيان في 11-2-1976م يقول فيه: «إن الكرسي البابوي يرفض الفقرتين 20 و21 من توصيات الحوار لأنها تخرج عن الخطوط العامة المعروفة لتصورات الكرسي البابوي» وكان الفاتيكان قد نشر التوصيات بعد حذفه هاتين الفقرتين منها، وهما المتعلقتان بإدانة الصهيونية واعتبارها غريبة عن فلسطين والشرق، وبالمطالبة بحقوق شعب فلسطين، وبرفض تغيير معالم القدس ورفض تهويدها وتدويلها «16».
ويخرج الأمر عن نطاق الأحداث أو التصريحات الفردية إلى نطاق الحملات العامة على المستويات الشعبية، وألمانيا الغربية مثال مناسب لذلك، إذ تشهد في الأسبوع الثاني من شهر نيسان- أبريل من كل عام ما يسمى بــ «أسبوع الأخوة النصرانية اليهودية» تتعاون فيه الأطراف التي قل ما تلتقي على أمر آخر.. تتعاون فيه الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية مع المنظمات اليهودية الصهيونية لتثبيت دعائم تلك «الأخوة» على سائر المستويات الفكرية والثقافية السياسية والعملية..
وكانت احتفالات عام 1975م تحت شعار «القدس هي المحور.. رمز وحقيقة» بينما جرت احتفالات عام 1976م تحت شعار «التوراة وتجددها الدائم». وقد نشر المدير الأكاديمي والرئيس البروتستانتي لمجلس التنسيق الألماني القسيس «مارتن شتور» مقالًا بهذه المناسبة في الصحيفة الأسبوعية الناطقة باسم اليهود الألمان «الجيماينة بوديشه» جاء فيه:
«إن موضوع عام 1976م يدعو إلى التعرف من جديد على دستور شعب إسرائيل.. وهو دستور النصارى أيضًا، بل هو دستور كل إنسان يهمه التعامل مع الآخرين معاملة الأخوة لا العداء أو عدم المبالاة.. إنه دستور شعب يريد خصوم اليهود القدماء والجدد إنكار حق الوجود عليه. فمن يتخذ هنا موقفًا من المواقف لا يتسم بالتضامن والمشاركة في التفكير والعمل فإنه لا يضر بذلك كيان إسرائيل وتميزها فحسب بل يضر جميع الشعوب والحضارات الواقعة في خضم صراع الدول الكبرى أيضًا. إن تحية «شالوم» ليست خاصة بإسرائيل فقط بل هي لكل إنسان يريد التعامل مع الإله» «17».
ولقد شهد أسبوع «الأخوة» المذكور عام 1976م حوالي 120 احتفالًا ومحاضرة وعرضًا سينمائيًا وصلاة مشتركة في أكثر من 18 مدينة ألمانية.
والطابع السياسي والغايات المقصودة من هذا الأسبوع واضحة من خلال كلمات المقال السابق. ومن الشواهد على ذلك أيضًا- على سبيل المثال لا الحصر- حفل افتتاح الأسبوع في مدينة ميونيخ بولاية بافاريا الذي كان بحضور رئيس وزراء الولاية «جوبل» ووزير الدولة فيها «هانس ماير».
ومواضيع المحاضرات العديدة التي ألقيت فكان منها: «عودة» أبناء إسرائيل»، والعين بالعين.. أو تجنب التعرف على إرهابي» و«إسرائيل وفكرة مملكة داوود» و«لبنان... نهاية عملية توازن؟» «18».
ولعل أصدق ما جاء في هذا المجال تعبيرًا عن الواقع الاحتفالات التي قامت بها «أكاديمية الأساقفة الكاثوليكيين» في أخن على شكل مؤتمر بعنوان: «اليهودي والنصارى على نفس الخطوات» «19».
وأن من أول الواجبات على من يريد مواجهة الصهيونية ومخططاتها ومواجهة أداء الإسلام والبلدان الإسلامية ومخططاتهم، أينما كانوا وتحت أي شعار ملوا، أن يعمل على رصد تلك الخطوات وإدراك مرماها وكشفه، وبذل الجهود المخلصة المنسقة لمقاومتها بما يجب من استعداد وعمل.
ويزيد أهمية هذا الموضوع وضوحًا إدراك العلاقة بين ما سبق الحديث عنه وبين ما لا يتسع المجال للحديث فيه هنا من الجهود التي تبذل على صعيد أخر تحت شعار «الحوار» بين المسلمين والنصارى أو الحوار بين الديانات السماوية الثلاثة.
ويلفت النظر في هذا المقام أن «لجنة شؤون الإسلام» التي تحمل من جانب الفاتيكان المسؤولية عن ذلك «الحوار» وتنسق خطواته.. هذه اللجنة أنشئت في نهاية تشرين أول- أكتوبر عام 1974م، فوضعت تحت إشراف «سكرتارية الفاتيكان لشئون غير النصارى»، وأما اللجنة المماثلة لـ «شؤون اليهودية العالمية» التي أسست ببادرة من «لجنة الاتصالات العالمية بين الكنيسة الكاثوليكية واليهودية العالمية» القائمة قبلها بسنوات فلم توضع تحت إشراف سكرتارية «غير النصارى» بل تحت إشراف» سكرتارية شؤون وحدة النصارى».
ونشرت تلك اللجنة في كانون الثاني- يناير عام 1975م ورقة عمل لها جاء فيها: «إن الارتباطات الفكرية والعلاقات التاريخية بين الكنيسة واليهودية تدين كل شكل من أشكال معادلة السامية، والتمييز العنصري أمر يتناقض مع روح النصرانية» «20».
وتزداد أهمية هذا الموضوع أيضًا بالنظر إلى العلاقة بين ما سبق الحديث عنه وبين المخططات الموضوعة والتي نفذ جزء منها- والجزء الآخر في طريق التنفيذ- على صعيد تهويد القدس أو تدويلها أو «تدويل الأماكن المقدسة فيها فقط)، بعد أن نجحت الصهيونية في اغتصاب النصف الأول من القدس قبل 28 سنة والنصف الثاني قبل تسع سنوات، وبعدما اتخذته في هذه الأثناء من إجراءات لترسيخ هذا الاغتصاب.
إنه لا ينبغي لأي مخلص القضية أن يتهاون في العمل على كشف هذه المخططات دون تحرج ولا تردد، وأن يعمل على مواجهتها بمال يملك من جهود وإمكانات.. فأعداء القضية لا يتحرجون ولا يترددون ولا يبخلون في بذل الجهود والإمكانات لتنفيذ مخططاتهم.
والتنفيذ ماض في مراحل مرسومة فمن كان يظن باستحالة «تبرئة اليهود من دم المسيح» قبل سنين خاب أمله الآن، ومن يظن الآن باستحالة «اعتراف» الفاتيكان رسميًا بإسرائيل فقد يخيب أمله غدًا، وإلى هؤلاء يقول السكرتير التنفيذي للجنة الخاصة بشؤون اليهود «كونينسون» «إن الدولة اليهودية قائمة، والكنيسة تعلم ذلك.. ولا أعتقد بأن الاعتراف الرسمي من الفاتيكان بها الآن سيزيد قوتها الحالية «21».
وقد جاء هذا التصريح أثناء زيارة قام بها وفد من الفاتيكان إلى «القدس المحتلة» في أوائل آذار- مارس 76 وأجري خلالها محادثات مع «حاخامات إسرائيل» بهدف زيادة التعاون وتوثيق دعائم «التقارب اليهودي النصراني» وهنا تكمن القيمة الحقيقية للموضوع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل