; التفسير الإسلاميّ للتاريخ ومكانته بين مناهج التفكير المختلفة | مجلة المجتمع

العنوان التفسير الإسلاميّ للتاريخ ومكانته بين مناهج التفكير المختلفة

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

مشاهدات 291

نشر في العدد 119

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

استيعاب الأبعاد التاريخيّة شرط لتفسير حركة التاريخ. من الوعي الموضوعيّ بالإنسان وبالتاريخ انطلق التفسير الإسلاميّ. مناهج تفسير التاريخ البشريّة انطلاقات انفعاليَّة جزئية تعتمد الرأي قبل الواقعة التاريخيَّة. الواقعة.. حادث مجرّد تمّ ضمن إطار ظروف متشابكة وتسجيل الواقعة مجرّد تصوير فوتوغرافي جامد لها. أو مجرّد تسجيل على آلة التسجيل الصمّاء التي لا تمنح أيّة إضافات خارجة عن الحدث الذي هو الواقعة. وعمل المؤرّخ بالمعنى الكلاسيكيّ... هو تصوير الواقعة وتسجيلها بهذا المستوى.. أي مستوى الأمانة في وضع الواقعة كما هي. ونقلها للآخرين بالكلمة... لكن المؤرخ الحديث... المؤرّخ الذي امتدّ عمله ضد عبد الرحمن بن خلدون «المؤرّخ الإسلاميّ وعالم الاجتماع العظيم» قد تجاوز عمله منذ عبد الرحمن بن خلدون للواقعة، وارتبط نشاطه في التسجيل بعمل عقلي ذاتي يحاول تفسير الواقعة... وإعطاء وقوعها المبرّر العقليّ عن طريق الإجابة على السؤالين المهمّين لم؟، وكيف؟ وكما أنّ النفع المطلق أو الضرر المطلق ليس من خصاص حقاق العلم ومناهجه، فبالتالي حمل المنهجان معًا... بعض الخير وبعض الشر فتناول الواقعة وفق المنهج القديم.. لاشكّ أنّه يتمتع برصيد من الصدق والثقة.. لا يتوفران لواقعة عند تناولها وفق المنهج الجديد الذي رفع أول وأبرز راياته العلامة ابن خلدون، كما أنّ جو الواقعة في المنهج القديم يحظى باستقلاليّة ووضوح لا يتوفران كذلك للواقعة عند عرضها وفق المنهج الثاني. بيد أنّ المنهج الثاني.. منهج تفسير التاريخ مع تقديم وقائعه يمتاز ببعض الخصاص التي تعطيه تفوّقًا في زوايا أخرى كنظيره المنهج السابق... فالواقعة في المنهج الآخر .. هي حلقة مشتبكة بأصولها.. وبنتائجها وبتحويلها سببًا لوقائع أخرى تالية. ويبدو التاريخ في المنهج الثاني سلسلة مشتبكة الحلقات وليس مجرّد ضبطات تفتقد الحيثيات، وليس مجرّدكم وقائعيّ جامد لا يظهر الإنسان على صفحاته إلّا في الموقف التاريخيّ المحدّد دون نظر للعوامل التي تحكّمت في هذا الموقف... كما أنّ من شأن هذا المنهج يطلعنا على نحو أكثر وأقوى على العوامل المختلفة التي تحرّك التاريخ والتي تسير الأحداث في اتجاه معيّن.. وبالتالي يمكن الاستفادة البشريّة الواقعيّة من التاريخ بطريقة أعمق وأقوى. بید أنّه لابدّ من ضمانات مهمّة يتطلبها المنهج الأخير .. منهج تناول الوقائع مشفوعة بتفسيرها... وإلا تحوّل هذا المنهج إلى مجرّد تهويمات ذاتية مصلحيّة.. لا تعتمد الواقعة ولا تعبر بصدق عن حركة التاريخ... وبالتالي لا تصوغ قوانين حركته تلك على النحو الذي هي موجودة عليه في واقعها، وإنّما تصوغه وفق تصوّراتها الخاصّة... ويتحوّل التاريخ بالتالي إلى مجرد عمل عقليّ... قد ينتمي إلى الشعر.. أو القصّة .. لكنّه -من الظلم- أن ينتمي للتاريخ . وأبرز هذه الضمانات: أوَّلًا: الانطلاق من الواقعة ذاتها.. وسوقها مع سوابقها ولواحقها لتقدّم التفسير الصحيح عن طريق كشف الروابط بينها وبين الحلقات الوقائعيّة المتصلّة بها. ثانيًا: وبالتالي من الخطورة بمكان الانطلاق من أفكار ذاتيّة مسبقة خارجة عن الواقعة... أو تسخير الواقعة لخدمة هدف مذهبيّ معيّن.. وقد لا تكون الواقعة من خدامه. ثالثًا: أن تلاحظ الظروف المتّصلة بالواقعة كي توضع في مكانها الصحيح، وبالتالي يؤخذ في الاعتبار طبيعة القيّم المسيطرة على مجتمع الواقعة وطبيعة المستوى الحضاريّ لمجتمعها، وطبيعة العوامل النفسيّة والاقتصاديّة التي يمكن أن تساعد على تفسيرها. رابعًا: أن يتبع التفسير الواقعة ولا يتقدّم عليها، بحيث يمكن الفصل بين الحدث وبين تفسيره.. حتى يترك المجال للتفسيرات الأخرى. خامسًا: أن يقدّم التفسيرات مقرونًا بما يوضّح أنّه مجرّد «رأي» وليس حقيقة يقينيّة تقف على قدمها في مستوى الواقعة نفسها. * * * وفي ظلّ هذه الضمانات، وغيرها ممّا يتصل بالمنهج العلميّ والأسلوب العلميّ.. في ظلّها يمكن أن يكون للمنهج التاريخيّ الذي يتناول الواقعة مع تفسيرها دور كبير في خدمة التاريخ، وفي استخلاص قوانين التقدّم والتخلّف وظواهر النشوء والارتقاء ومعرفة أسباب الظواهر الإحيائيّة أو الظواهر الغروبيّة بالنسبة للأمّم والحضارات. * * * وعبر مراحل طويلة ظهرت مناهج متعدّدة في تفسير التاريخ ومن الملاحظ أنّ هذه المناهج كلّها لا يفرقها عن بعضها إلّا غلبة عنصر على عنصر من العناصر المكوّنة للإنسان والتي تعتبرها أيديولوجيًا عامل تحريك التاريخ. كما أنّ من الملحوظ كذلك أنّ هذه المناهج تتصل اتصالّا وثيقّا بالنظرة إلى الإنسان نفسه، وبالنظرة إلى علاقته بالكون، ومن الملحوظ في أكثرها أن يأتي لاحقًا لهدف أيديولوجي مسبق .. وبالتالي تدفع الوقاع قسرًا لخدمة هذا الهدف الأيديولوجيّ. وباستثناء بعض المناهج التي تبدو الآن ساذجة فإنّ عملية تفسير التاريخ - في حل هذه المناهج- تبدأ من نقطة الاعتراف أو الإيمان بأنّ التاريخ يحكمه قانون.. وبأنّه يسير مستهدفًا غاية معيّنة.. وإن كان هذا الهدف في رأي أكثر هذه المناهج ليس معروفًا ومن البديهيً أنّ هذه المناهج تؤمن بأنّ التاريخ متحرّك... ومتطوّر، مع خلاف في حدوديّة التطوّر.. هل هي صاعدة دومًا .. أم دوريّة إلخ، كما أنّ هذه المناهج ضمنًا تعترف -بتناولها لقوانين تحريك الوقائع التاريخيّة- بأنّ لهذه الحياة معنى.. وبأنّها ليست كرة عمياء تتحرك في فضاء سرمديّ مظلم إلى أن تسقط في قاع الكون. * * * ومما لا شكّ فيه أنّ بعض التفسيرات المتناثرة للأحداث قد وردت عرضّا من كتابات المؤرّخين على امتداد للتاريخ المكتوب كلّه.. بيد أنّ هذه التفسيرات لم تكن منطلقة من تصوّر كامل للوقائع على النحو الذي أوردناه، كما أنّها لم يقصد أن تؤدّي غرضًا فـــي تعميق المعنى الحضاريّ للواقعة.. كما أنّها تفتقد دورها التكامليّ المنطلق من شمول في الرؤية.. وشأن هذه التفسيرات شأن كلّ المعارف التي لا شكّ أنّها حملت في باطنها وثناياها جراثيم.. نمت وتكاملت ووقفت مستقلّة على أقدامها فيما بعد كعلوم متكاملة لها أسسها وفروضها، وهدفها المستقل المحدّد، ولم يعد دورها في مراحلها الأولى أن يكون مجرّد إرهاص بالميلاد.. بيد أنّها لا يمكن الإطلاق عليها أنّها قد أصبحت كائنًا حيًّا ذا ملامح بارزة متميّزة. * * * وفي المرحلة التي برز فيها هذا التفسير كعلم له أبعاده وله خصائصه.. ظهرت مناهج متعدِّدة. ظهر التفسير «الجغرافيّ» للتاريخ.. وهو تفسير يربط الإنسان بالبيئة المادّيَّة التي يحيا فوقها، ويتناوله على أنّه مجرّد كائن عاديّ ككلّ الكائنات التي تنتفع في حياتها أو تعتمد في حياتها على الأرض.. هو كالنبات وكالجماد، وكالحيوانات الأخرى.. والأرض هي المحرّك لتاريخه وهي التي تفرض نوعيّة مستقبله كما أنّها قد فرضت نوعيّة ماضيه.. ومن الجليّ أنّ العنصر البشريّ الإنسانيّ مطموس المعالم في هذا التفسير الذي قاله بن «سبينسر ودریبر وراتسل». وأقرب منهج تفسيريّ إلى التفسير الجغرافيّ هو التفسير الاقتصاديّ الذي يربط الإنسان بالاقتصاد وأدوات الإنتاج ويجعل حركته مجرّد تابع لحركة أدوات الإنتاج التي يستعملها، فمرحلة الأظافر غير مرحلة الفأس والمرحلتان معًا غير مرحلة التكنولوجيا الزراعيّة المتفوّقة، والمنهجان معًا يغفلان العنصر البشريّ ويبدو الإنسان فيهما مجرّد تابع ذليل خاضع لقوانين جبريّة.. أو «لحتميّة تاريخيّة»... وليس عمله إلَّا مساعدة قوانين التاريخ الحتميَّة على أداء عملها.. إمّا أن يتدخّل في تعديل هذه القوانين.. أو أن يكون عنصرًا ذا تأثير حقيقيّ فيها، فهذا هو الشيء الذي لا يقرّه هذان المنهجان في تفسير التاريخ، ومن الواضح أنَّ أنجلز وماركس يمثِّلان مكان الصدارة والشهرة في ترويج المنهج الاقتصاديّ في تفسير التاريخ، وإن كانا معًا لبسا أوّل من قال به. ويمكن إطلاق عبارة «التفسير المادي» للتاريخ على هذين المنهجين معًا، ففي هذين المنهجين تتحّدد غاية الحياة بجعلها أسهل فأسهل بصورة مستمرة، وكما يقول الأستاذ محمّد أسد في كتابه الإسلام على مفترق الطرق: «معابد هذا الدين المادّيّ» المعامل الضخمة ودور السينما والمختبرات الكيماويّة وقاعات الرقص والمعامل الكهرمائيّة، وقسّس هذا الدين المادّيّ أصحاب المصارف والمهندسون ونجوم السينما ومديرو الصناعات وأبطال الجوّ... والنتيجة من الناحية الحضاريَّة وجود أنواع من البشر تقتصر الأخلاق عندهم على مسألة النفعيَّة العمليَّة وحدها. وأسمى ميزان لديهم يفرّقون به بين الخير والشرّ هو النجاح المادّيّ». وفي نظر المؤرّخ الكبير «توينبي» هذه المادّيّة التاريخيَّة «بدعة الحادية تقهقرت إليها المسيحيَّة على يد ماركس نبيّ الشيوعيّة الفاشل، وهي حركة ثوريّة هدّامة لا تصلح بمجموع قيمها فلسفة حياة للإنسان الحرِّ المتكامل في كيان المجتمعات الحرّة المتكاملة» «راجع دراسة في التاريخ الجزء الخامس وموجز الدراسة». ويطلع أرنولد توينبي بتفسيره المضادّ.. والذي يبدو وكأنَّه ردّ فعل عنيف للمادَّية.. فيفسّر التاريخ تفسيرًا أخلاقيًّا متأثِّرًا إلى أكبر الحدود بتعاليم المسيحيَّة حتَّى أنَّ بعض المؤرخين يسمِّيه التفسير المسيحيّ للتاريخ ويغالي بعض النقاد فيستبعد منهجه من المناهج العلميَّة في تفسير التاريخ نظرًا لغلبة الروح الميتافيزيقيّة الصوفيّة المسيحيَّة عليه، ونظرًا لغلبة الروح اللَّاهوتيَّة الَّتي لا يُمكن اعتبارها علميَّة بالمعنى التجريبيِّ لمنهج البحث والقوانين التي يقرّرها. ولئن كان هيجل قد حسب أزمة الإنسان في التاريخ سياسة وحاول التماس حلٍّ سياسيٍّ لها.. ولئن كان ماركس قد حسبها اقتصاديَّة.. وحاول كذلك التماس حلٍّ اقتصاديٍّ لها.. فإنَّ توينبي قد اعتقد بأنَّ أزمة الإنسان روحيَّة، وبأنَّ ماركس وهيجل قد خلطا بين أعراض الأزمة وجوهرها.. وبما أنَّ الإنسان فعل وروح، فإنَّ الروح هي المسيِّرة للفعل ومعظم الأزمات التي حاقت بموكب الإنسانيَّة إنَّما نجمت من انفصال الفعل عن الروح الأخلاقيَّة المسيرة له. ومع ما امتاز به منهج هيجل من مثالية فإنَّه قد اعتمد كثيرًا من الأسس الَّتي قام عليها تفسير ماركس فيما بعد، وليس ثمَّة ما يفرِّقهما إلَّا ما اعتمده هيجل ممَّا يُسمَّى «بروح العالم» الذي ينعكس عليه تطوُّر العالم انعكاسًا لا إراديًّا، بينما ذهب ماركس إلى أنَّ العالم الخارجيَّ هو الذي يولد روح العالم أو حركة التطوُّر، وليست الأفكار والمثل إلَّا نتاج البيئة الاقتصاديَّة المادِّيِّة، وأنَّ صراع المتناقضات الَّذي هو أساس حركة التاريخ «الديالكتيك» بانتقاله من البسيط إلى المركب لا يحصل في عالم الأفكار كما قال هيجل.. وإنَّما يحصل في عالم الواقع بواسطة ما يحصل في الكيان الاقتصاديِّ للمجتمع من تغيُّر.. أي بإيجاز ينحصر الخلاف بينهما في أساس الحركة في التاريخ .. هل هي الفعل أو الفكر .. لكن مراحل الحركة التاريخيَّة تكاد تنفصل عن أصلها هذا بينهما ويكادان يلتقيان في المراحل الأخرى من تفسيرهما للتاريخ. والظاهرة التي تبدو عامَّة لدى جميع هؤلاء المفسرين للتاريخ من زعماء المناهج السابقة.. إنَّهم قاموا بتحريف كثير من الحقائق وتجاهلوا -أيضًا- كثيرًا من الوقائع المهمَّة في التاريخ التي لم تكن لتساند ما ذهبوا إليه، كما أنَّهم بالتأكيد لم تتوفر لديهم النظرة الشاملة لكلِّ جوانب الإنسان، بل انطلقوا من زوايا محدَّدة متجاهلين زوايا أخرى. ومن المهمِّ كذلك في النظر إلى هذه المناهج القول بأنَّها عكست أهدافًا شخصيَّة وآراء وغايات مسبقة أكثر من كونها عكست وقائع التاريخ.. وقد سقطت معظم هذه المناهج في آراء عامَّة وأحكام مطلقة ومبالغات في التصوُّر، أثبتت وقائع تالية أنَّها غير حقيقيَّة وغير موضوعيَّة ومن الغلوِّ والإسراف بمكان إصدار أحكام من النوع الَّتي أصدرها ماركس مثلًا «والَّتي ثَبُتَ بطلانها» انطلاقًا من رؤيا جزئيَّة ومن وقائع ظنيَّة غير يقينيَّة. وكلُّ منهج من هذه المناهج لم يفعل أكثر من التركيز على جانب، وإغفال جوانب أخرى. وهذه آفة البحث العلميِّ وبخاصَّة البحث التاريخيِّ الذي هو علم قبل كلِّ شيء. وينفرد المنهج الإسلاميُّ في تفسير التاريخ بأنَّه يتخلَّص من هذه الآفات الَّتي لحقت بمناهج التفسير البشريَّة المختلفة.. فهو في المقام الأوَّل تتوفَّر لديه الرؤية الشاملة لوقائع التاريخ على نحو ترکیبیٍّ کلِّيٍّ .. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). وهو كذلك يضع الإنسان في مكانه الصحيح انطلاقًا من جعله خليفة في الأرض ومن خلقه في أحسن تقويم ومن إلزام الملائكة بالسجود له لخصائص فيه.. فليس الإنسان مجرَّد «آلة» تحاول أداء عملها في «ماكينة» المجموع، كما أنَّه ليس«دمية» تحرِّكها روح العالم. وليست هناك حتميَّة تاريخيَّة تقود الإنسان إلى مصير ما فأعمال الإنسان المختارة هي السبب في صنع التاريخ.. وهو المسؤول عن حركته، وليس مجرَّد ضحيَّة لقوانين ساذجة محدَّدة تنطلق به من مرحلة البدائيَّة إلى مرحلة الإقطاع إلى البورجوازيَّة الصناعيَّة إلى الاشتراكيَّة إلى الموت الأبديِّ في «يا عُمَّال العالم اتّحدوا» ووحدة الطبقة العالميَّة .. أنَّ هذه الأحكام المطلقة الساذجة غير العلميَّة ليست إلَّا أوهامًا تعيش في أذهان بعض الحالمين الذين لم ينطلقوا -بالتأكيد- من الوقائع التاريخيَّة أو بتعبير آخر الذين خلقوا وقائع ليخلقوا منها قوانين تاريخيَّة!!. وللحياة، أو للتاريخ، معنى في التفسير الإسلاميِّ.. وهو معنى رفيع عال لا يتقوقع في دائرة الاقتصاد أو البيولوجيَّات.. وإنَّما يسمو بغاية الإنسان إلى آماد عُليا.. ففضلًا عن تحقیق خلافته في الأرض.. وفضلًا عن تعمير الكون.. فضلًا عن هذا وذاك فالإنسان يعيش على هذه الأرض فترة اختبار كبرى يُبتلى فيها بشتّى الوقائع المضادّة ليحتلَّ مكانه الجدير به في دائرة الخلود الأبديِّ والنعيم الأبديِّ.. والاقتراب من الكمال المطلق. ويجب أن يثبت الإنسان أنَّه على مستوى الامتحان، وأنَّه أهل للأمانة الملقاة على عاتقه. وحركة التاريخ في الإسلام تشبه أن تكون دوريَّة، لكنَّها ليست دوريَّة آليَّة صمَّاء تخضع لقوانين حتميَّة من صنع الإنسان.. بل هي مرتبطة في دوريَّتها بقوانين الله وسنَّته في تسيير الحياة وبقوانين النموِّ والموت الحضاريِّ.. وبما أنَّ هذه الدوريَّة موجودة في التاريخ فلا يُمكن معها القول باضطراد النموّ الإنسانيّ الأخلاقيّ أو العلميّ.. فهذا القول نوعٌ من الغرور والقصور العلميِّ.. فما دمنا نفتقد القدرة على الحكم على كلِّ دورات التاريخ التي لا تعدو دورة التاريخ المكتوب الذي نعيشه «سبعة آلاف سنة» إلَّا إحدى دوراتها المحدودة الهزيلة.. ما دمنا نفتقد هذه القدرة فليس من حقِّنا إصدار أحكام عامَّة تمتد إلى «الإنسان كلِّه» إنسان ما قبل هيرودوت.. وما بعده، وإنسان هذا العصر التاريخيّ والعصور الّتي لا شكَّ أنَّها تلته كما تؤكِّد الدراسات الأنثروبولوجيَّة والجيولوجيَّة.. وليس هناك من شكٍّ في أنَّ ثمَّة صراعًا بين قوَّتين كبيرتين تسيران معًا مع تفاوت القوَّة عبر التاريخ كلِّه.. قوَّة الخير وقوَّة الشر .. لكن باستثناء على الصراع العريض الطويل تسير الحياة في داخلها على نوع من التعاون أكثر من سيرها على الصراع.. وقد يكون الصراع سمة مرحلة من مراحل الأفول يفقد الإنسان فيها معناه العالي.. لكنَّه ليس السمة العامَّة المسيطرة على حركة التاريخ.. وفي تصوُّرنا أنَّ الرجل لا يعيش في صراع مع المرأة.. بل يتعاونان معًا على خلق معنى الحياة.. والسالب لا يتصارع مع الموجب.. وما يبدو في مخيَّلات المتشائمين من تناقضات ليس أكثر من «تكامليات».. وهي تنتقل كذلك من تكامليَّتها البسيط إلى المركَّب. ومن المهمِّ القول: إنَّه حيثُ وُضِعَ الإنسان في مكانه الصحيح وحيثُ عرف الإنسان المعنى الخالد لرسالته على هـذه الأرض وحيثُ استطاع الإنسان أن يجد في المنهج التفسير لكلِّ جوانبه «المتكاملة» دون طغيان جانب على جانب ودون فقدان للانسجام المفروض بين كلِّ الجوانب. حيثُ توفِّر كلِّ هذا.. يصبح المنهج الموضوع لتفسير حركة التاريخ هو أقدر المناهج على التعبير الموضوعيِّ عن العمليِّة التاريخيَّة. وفي تصوُّرنا أنَّ الإسلام -وحده- هو الذي توفّر له هذا.. وبالتالي هو المنهج الوحيد القادر على التعبير الموضوعيِّ عن العمليَّة التاريخيَّة الإنسانيَّة.
الرابط المختصر :