العنوان التغيير والهدم في مناهج التعليم
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1119
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994
الافتتاحية
تثير موجة الانتقادات التي تصاعدت أخيرًا حول الواقع التربوي، وخدمات
التعليم في الكويت الانتباه إلى حقيقة أن البلاد تواجه أزمة في هذا المضمار، ربما
كانت امتدادًا للأزمة العامة في العالم الغربي في مجال التربية والتعليم، مع وجود
عناصر محلية تعزز هذا التراجع، وتزيد من تفاقم المشكلة.
وإذا كان القصور في أداء القيادة الحالية لوزارة التربية ووجود ما
يشبه الإجماع لدى التربويين فأولياء الأمور على انتقاد السياسات الحالية- أمرًا
بدا واضحًا على صفحات الجرائد اليومية، وقد نبهت "المجتمع" في أعداد
سابقة إلى هذا القصور الذي جاء ليعزز واقعًا جامدًا للمناهج التدريسية، بل ليسبب
المزيد من الاضطراب والتراجع في هذه المناهج.
وكانت المناهج التربوية المعتمدة حاليًا للتعليم في الكويت قد وضعت
أساساتها مع نهضة خدمات التعليم في أوائل الستينيات، وكانت بدورها قد اقتبست من
مناهج تعليم في العالم العربي هي أكثر قدمًا، وأكثر ارتباطًا بنظريات تربوية
أوروبية تعود إلى بداية هذا القرن.
وكما هو الحال في المناهج التربوية العربية حملت المناهج الكويتية ذات
البصمات الأوروبية القديمة، والتي من أبرزها الروح العلمانية للمناهج، وغياب
التصور الإسلامي عن معظمها، ولا سيما المناهج العلمية في المراحل الدراسية
المتقدمة، وفي حين كانت المناهج التربوية في الدول المتقدمة تتطور خلال الزمن من
خلال المنظور الأخلاقي والديني الخاص بها، فإن مناهجنا في العالم العربي، وفي
الكويت بقيت أسيرة الجمود والتكرار، باستثناء محاولات قليلة وشكلية للتطوير.
وإذا كانت "علمانية التعليم" هي أبرز ما اكتسبناه من
المناهج الغربية، فإن جمود وفشل تطوير مناهجنا التربوية بدأ يعطي دلائل ثابتة عن
نفسه في صورة الأفواج المتعاقبة من مخرجات الجهاز التعليمي، والتي تتراجع
مستوياتها بمرور الزمن، وتتزايد نسب "المتعلمين الأميين" فيها، والذين
بلغ بعضهم مراحل قيادية في الوظيفة، بل وأصبح بعضهم جزءًا من المؤسسات التربوية،
حاملين معهم مزيدًا من الجمود والتكرار والتراجع وفقدان الهوية المحلية.
وهذه الهشاشة في البناء التربوي يمكن ملاحقتها في التأثر السريع
للمناهج التربوية بالتوجهات السياسية للقائمين على التعليم، وعلى سبيل المثال فإن
الأقطار العربية التي دخلت في اتفاقيات الصلح مع اليهود أدخلت تغييرات
"جراحية" على بعض المناهج التدريسية لإلغاء الحقائق الجغرافية
والتاريخية، ولطمس الموقف الديني من الكيان اليهودي- ما يدل على عدم ثبات المعايير
السياسية والأخلاقية لتلك الدول، ومع عدم ثبات المعايير تصبح المناهج عرضة للتجارب
والاجتهادات والدس.
ودخول السياسة إلى التربية لا يقتصر على هذا النوع، فوجود قيادات
سياسية على رأس الهرم التربوي سيؤكد دخول عنصر التسييس والتغريب إلى العملية
التربوية، على هيئة إدخال مناهج معينة، ورفض مناهج أخرى، وتقريب القيادات ذات
الميول المشابهة، واستبعاد الأضداد سياسيًا عن موقع القرار، حتى لو كانوا هم
الأكفأ في هذا المجال.
وهكذا فإنه بدلًا من أن يخدم السياسيون التربية فإنهم يريدون منها أن
تخدم أهدافهم، ولا شيء يضر بالعملية التربوية مثل أن يمتطي صهوتها سياسي له أهداف
وبرامج سياسية وشخصية عاجلة.
ومعظم محاولات التغيير والهدم في المناهج التربوية تتم تحت شعار تحقيق
المعاصرة في كتابة هذه المناهج، لكن هذه المعاصرة التي يتم تحقيقها في العادة عن
طريق الترجمة المباشرة والاقتباس غير المنقح من مناهج دراسية غربية وعربية- تخفق
في الحفاظ على عنصر الأصالة بحيث إن من يقرأ بعض كتبنا المقدمة لأبنائنا الطلبة لا
يتمكن من الإحساس بعائدية هذه الكتب لمناهج تربوية كويتية إلا من خلال عبارة
"طبع في الكويت" على الغلاف الخلفي لهذه الكتب.
والحفاظ على الأصالة لا يعني فقط ترديد الشعارات الوطنية في مناهج
تدريس الجغرافيا والتاريخ، فالأصالة المطلوبة هي قراءة الهوية الإسلامية والتراث
العربي والمحلي من خلال كافة المناهج التي تكتبها أقلام على مستوى عالٍ من الورع،
والتأهيل العلمي، والكفاءة الفنية، والقدرة على التطوير بحيث تمتزج الأصالة
والمعاصرة في منهج يفترض أن يقيم عليه الطلبة ثقافتهم الفكرية، ويفهمون من خلاله
هويتهم الإسلامية، وموقفهم من العالم.
وهذا الذي سبق غير موجود الآن، ومن غير المتوقع أن يتم في ظل التوجهات
الحالية لوزارة التربية التي تريد أن تسحب الأجيال الشابة إلى حمأة التعليم
العلماني، في الوقت الذي شكلت القيادة العليا للدولة لجنة خاصة هدفها تهيئة
الأجواء لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في البلاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل