العنوان التغيير الجذري في أوضاع المجتمعات كهدف مركزي لدعوة الله (الحلقة 30)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1982
مشاهدات 63
نشر في العدد 571
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 18-مايو-1982
الذي يتتبع القضايا التي طرحها رسل الله- في القرآن- على مجتمعاتهم المختلفة، ويتعرف على حساسية وجوهرية تلك القضايا، يدرك أن الرسل كدعاة لله لم يبعثوا ليصطلحوا مع المجتمعات التي أرسلوا إليها، أو أنهم أرسلوا لكي يلتقوا معها في منتصف الطريق، بل لكي يُكوِّنوا ويبنوا تيارًا قويًّا يستهدف التغيير الجذري في أوضاع تلك المجتمعات. ومن هنا نستطيع أن نقول إن رسل الله والأجيال المتعددة والفريدة من صحابتهم وتابعيهم كانوا أنصارًا للتغيير الجذري في أوضاع تلك المجتمعات. لذلك لم يكن رسل الله وصحابتهم وتابعوهم من «العناصر المحافظة» أو «اليمينية»- من حيث التصنيف السياسي- هدفها المحافظة على «الوضع الراهن»، بل كانوا من خلال واقعهم وسلوكهم عناصر متخطية ومتجاوزة ومتقدمة على الأوضاع، وداعية لتغييرها من الأساس وفق مضامين ومعايير جديدة تستهدف في النهاية تحقيق العدل الاجتماعي، لذلك ولأن رسل الله ودعاته رفعوا عبر التاريخ راية التغيير كان أول من تصدى لهم أولي الطول، والملأ، وأولي النعمة، والحواشي الاجتماعية العالقة بهم من العناصر المحافظة واليمينية، المستفيدة من استمرارية تلك الأوضاع المعوجة التي جاء الرسل لمعالجتها، وحجة هؤلاء في التصدي للدعوة كانت وستظل هي هي:
﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (يونس: ۷۸)
﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٧٤)
﴿ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (لقمان: ۲۱)
﴿ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: ١٧٠)
﴿ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (المائدة: ١٠٤)
الراية التي رفعوها في التصدي لدعوة الله والتي أحاطوها بقدسية وما زالوا يفعلون حتى اليوم هي راية التقاليد، والأعراف المرتبطة بالآباء والأجداد لا المرتبطة بمضامين الحق والعدل والقسط، ومن هنا يتضح لنا أن رسل الله في تاريخ الدعوة كانوا لا يعيرون لهذه التقاليد والأعراف وزنًا ولا اعتبارًا ما دامت لم تنبثق من جذر الحق والعدل والقسط بين الناس. لذلك كان رد رسل الله للمجتمعات التي رفعت راية التقاليد ردًّا حاسمًا فاصلًا بتارًا:
﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنبياء ٥٤)
لم يكن إذن رسل الله عناصر اجتماعية تقليدية محافظة عالقة بالنظام الاجتماعي وداعية للمحافظة عليه، بل كانوا نماذج بشرية نادرة رفعت راية التغيير الجذري للأوضاع الاجتماعية بكاملها كي تبنى من جديد وفق مضامين ومعايير ومقاييس جديدة منبثقة من جذر الحق والعدل والقسط بين الناس.
لقد كان الربا هو النظام الاقتصادي السائد في الجزيرة العربية وكان اليهود وأغنياء قريش هم المستفيدون من ذلك، وكان المعوزون والفقراء والمحرومون في الجزيرة العربية يرهنون لدى اليهود وأغنياء قريش حتى أولادهم وبناتهم في مقابل القروض الربوية، وصار هذا النظام عرفًا اجتماعيًّا وجزءًا عضويًّا من تقاليد الجزيرة العربية وأعرافها. وينزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم لنسف هذه الوضعية الجائرة نسفًا ويلغي إلغاء هذا الواقع الباطل الذي تعارف عليه الناس:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥)
﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)
﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ (النساء: ١٦١)
وكان التمايز والتفاضل الاجتماعي يستند إلى الأصول القبلية والثروات المادية والقوة والغلبة والقهر، وحتى تقاسم الأراضي لغرض التملك ولغرض الرعي «الحمى»، وكذلك تقاسم آبار المياه داخل الجزيرة العربية كان يقوم على هذه التقاليد والأعراف البالية، فينزل الوحي ليؤكد أن هذا التمايز الاجتماعي بين الناس باطل لا يقره الحق، وأن المال لا يجوز كنزه، وأن له وظائف اجتماعية وأن کانزه ملعون ستكون جهنم له حصيرًا، وأن الحمى لله ولرسوله وأن الأرض لمن أحياها، وأن الناس شركاء في الكلأ والماء والنار.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳)
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤)
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (المسد: ١-٣)
هكذا إذن يتبدى لنا أن الدعوة إلى الله كانت تستهدف منذ أيامها الأولى التغيير الجذري في الأوضاع الاجتماعية من أجل أن تردها إلى المعايير والمضامين الصحيحة. وهكذا يتضح لنا أن رسل الله ودعاته كانوا ويجب أن يظلوا عناصر مربوطة بالحق أينما دار، لا عناصر تقليد أو تقاليد أو أعراف لا علاقة لها بالحق أو العدل أو القسط. إن الدعوة إلى الله والدعاة إلى الله يجب ألّا يصطلحوا مع الأوضاع التي لا تقوم على معايير الحق والعدل والقسط بين الناس، بل يجب أن يكونوا دعاة تغيير وأدوات تخطٍّ وتجاوز تاريخيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل