العنوان التغيرات المناخية.. التحدي الأكبر
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009
مشاهدات 77
نشر في العدد 1875
نشر في الصفحة 66
السبت 31-أكتوبر-2009
إن التهديد الذي يشكله التغير المناخي هو التحدي الأكبر الذي تواجهه البشرية»، هذه الصيحة التحذيرية هي جزء من خطاب الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» خلال افتتاحه الدورة رقم ٦٤ للجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٩م، وهي تلخيص لحجم الكارثة الإنسانية في تدهور المناخ الطبيعي.
والسبب في ذلك انبعاث الغازات السامة الناتجة عن النشاط الاقتصادي المحموم لبعض الدول الصناعية دون تقدير ما تنتجه من احتباس حراري وارتفاع في مستوى المحيطات، والجفاف والمجاعة، والأعاصير والفيضانات المتكررة، وانتشار بعض الأوبئة المهددة لحياة البشر.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة «يونيب»، فإن الكربون الأسود مسؤول عن قتل (١,٦ و ١,٨) مليون شخص سنويًا، أما مكونات النيتروجين التي تأتي من مصادر مثل مياه المجاري والاستخدام غير الكفء للأسمدة، فتؤجج ارتفاع درجة حرارة الأرض، ويمكن أن تتسبب في مناطق ميتة» في المحيطات وتخفض مخزونات الأسماك.
كما يسهم «الميثان» وهو من تلك الغازات الخطرة، الذي يأتي من مصادر مثل إزالة الغابات والماشية الحية بما يصل إلى ٢٠% من كل انبعاثات الغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض، وبحسب تقارير الأمم المتحدة، تبلغ تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الوقت الراهن ۳۷۰ جزءًا من المليون، أي ما يزيد بنسبة ٣٠% عما كانت عليه في عام ١٩٥٠م، وبهذا وصل استنزاف طبقة الأوزون» التي تحمي الحياة من أضرار الأشعة فوق البنفسجية إلى مستويات قياسية؛ بل قد يتعدى إلى تدمير جيولوجيا الأرض، التي فقدت في القرن العشرين من التربة السطحية ما فقدته على مدى الألف عام السابقة.
ومن المؤشرات المهمة لمعرفة حجم التغيرات المناخية، ما ذكرته الهيئة الدولية للتغيرات المناخية «IPCC» في تقريرها الرابع إلى أننا مقبلون بسبب الاحتباس الحراري على تراجع في كميات المحاصيل الزراعية المروية بمياه الأمطار، وسيكون ذلك التراجع في أفريقيا بنسبة ٥٠% بحلول عام ۲۰۲۰م، كما ستؤدي التغيرات المناخية إلى تغيير في أنماط المطر، وستشهد بعض مناطق العالم فيضانات مدمرة، بينما ستعاني مناطق أخرى من القحط والجفاف.
ونتيجة لأهمية المبادرة العاجلة في رصد تلك الأخطار القادمة، عُقد خلال الأعوام الخمس الماضية عدد من المؤتمرات والندوات العلمية يجمعها لغة النذير والتحذير الكارثي لمستقبل المناخ في الأرض، وتعمل الأمم المتحدة جهودًا متواصلة للخروج من تلك الأزمة باتفاق دولي يحد من تلك الانبعاثات السامة للغازات الصناعية من خلال مؤتمر «كوبنهاجن» المزمع إقامته في ديسمبر القادم.
أمام هذه الأخطار الواقعة والمتوقعة يتوجب معرفة المنهج الشرعي للتعامل مع تلك الحالة الجديدة من الاستنزاف المتعمد والتدمير الواضح للمشترك الإنساني والعيش الصالح على وجه الأرض، ولا نتردد أبدًا إذا قلنا بأن الشريعة السمحة الصالحة لكل زمان ومكان تمنع وتجرم كل تلك الانتهاكات للحياة البشرية من خلال دليل الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها، كما جزم الإمام الشاطبي بذلك في قوله: « على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: «الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل»، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملائمتها للشريعة مجموعة أدلة لا تنحصر في باب واحد»، وقد سبق لذلك التقعيد العام الإمام الغزالي عندما قال: «وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة ولا شريعة أريد بها إصلاح الخلق، وقد علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر»، فالمقصود الشرعي من الخطاب الديني كما يقول الإمام الشاطبي: «تفهيم ما لهم وما عليهم، مما هو مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم».
وبالتالي، نخلص بأن بالمحافظة على البيئة من الأخطار المهددة من ضمن مقاصد الشريعة الموائمة لحفظ الكليات الخمس، والمكملة الضرورة حفظ الأنفس مما ينتهك وجودها بالتدمير والقتل البطيء والنصوص دالة بصريحها ومفهومها على هذا الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: ٥٦)، فالمقصود في النهي عموم الفساد المانع من تعميرها وإصلاحها، وحفظ البيئة من المتغيرات المناخية داخل في هذا العموم، يؤيده ما ذكره الطبري ع السدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا تَوَلَّىٰ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنِّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة:205)، بأن الذي نزلت فيه هذه الآية إنما نزلت في قتله حُمُرًا لقوم من المسلمين، وإحراقه زرعًا لهم، وذلك وإن كان جائزًا أن يكون كذلك، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه، والمراد بها كل من سلك سبيله في قتل كل ما قتل من الحيوان الذي لا يحل قتله بحال، والذي يحل قتله في بعض الأحوال إذا قتله بغير حق، بل ذلك كذلك عندي لأن الله تبارك وتعالى لم يخصص من ذلك شيئًا دون شيء بل عمه»، ويدخل في هذا التعميم بصفة أساسية الإفساد البيئي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل