العنوان التعليم في الخليج... مشكلات وحلول
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 944
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
- المطلوب العناية باللب لا بالقشور وتكوين الإنسان لا بالروتين.
- الإنسان أثمن ثروة مهدرة.. متى تستثمر كما يجب؟!
- معالجة البطالة والجهل واجب مقدس وفريضة إسلامية.
تابع
الأخ أبو خالد صاحب «دريشة القبس» في عددين متتاليين، عرض ونقد نماذج مما تسرب
لمناهج التربية ومكتباتها، وما يدرس في المدارس أو يتناوله الطلاب من أمور سلبية
خطرة على تكوينهم الثقافي الذي لا بد أن يكون تكوينًا عربيًا إسلاميًا يحصن
الأجيال من السقوط في مهاوي الفساد والضياع.. ومن التخبط وراء أساليب أفكار ومسار
حياة غير نابع من الأمة.. بل منقطع عن فكرها وأصالتها.
وقد أطل
كاتب القبس من دريشته مرتين على بعض ما في «المكونات الفكرية» في وزارة التربية:
أولاهما كانت قصيدة تنتقد المجتمع وتسمي الدين رواسب وقيودًا! وتنتقد منع الشرع
لزواج المسلمة من غير المسلم وتريد إباحة ذلك وتغيير أمر الله ﴿وَلَا
تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْ﴾ (البقرة: ٢٢١) وتشجع الفتيات- وهي
مقررة لطلاب وطالبات الثانوية- على التمرد على الأهل والوالدين. وما ذكرته القصيدة
أن فتاة أحبت وأخفت حبها عن أهلها سبع سنين كما أخفت جميع ما صاحب ذلك الحب من
ممارسات انتهت بكشف الأمر للأهل للحصول على الموافقة على الزواج «بعد سبع سنين حب»
فثارت ثائرة والد الفتاة مما أدهشها وصورت غضبه بصورة عجيبة ومرفوضة..
هذا بعض
ما تعكسه القصيدة العتيدة من مفهومات وأفكار ومضامين ولو كان يشفع لتلك القصيدة
قوة في السبك، ونصاعة في الأسلوب وجمال في الصورة لربما كان لمن اختارها بعض العذر..
ولو أنها مما يسمى بالشعر الحر.. ولكنها حتى في ميزان النقد المجرد ومن زاوية
بلاغية، قصيدة تافهة ركيكة سقيمة المعنى والمبنى لا تكاد تساوي شيئًا.. ولا عذر
لمن اختارها.. فهي كما تفسر أفکار دارسيها تفسر كذلك أذواقهم وتزيد لغتهم
وخيالاتهم سقمًا على سقم.
أما
الإطلالة الثانية للأخ «أبي خالد» من «دريشته القبسية»، فكانت على قصة للأطفال في
بعض المكتبات المدرسية بعنوان «حكاية الكرم» تتحدث عن كيفية صنع الخمور ومراحلها
وأنواعها وتتغزل فيها وتقول إنها تسيل اللعاب!
وهذا
–كما أشرنا سابقًا– ربما كان عينة.. ولربما اكتشف صدفة.. وقد مضى عليه سنون وهو
موجود في المناهج.
ولربما
كان عذر التربية في الغفلة عن هذه الأساسيات الانشغال بالشكليات الوظيفية
والتعقيدات الروتينية وتشكيل اللجان.. والتفنن في إصدار اللوائح والقرارات التي
تشغل كاهل المدرس وترهق الموظف وتضع في طريقهما أنواع العراقيل والمثبطات.
أما
صياغة الأجيال.. ومراجعة الفلسفة الأساسية لها وأداتها التنفيذية الكتاب والمنهج
والمدرس...إلخ. فهذا ربما يأتي الاهتمام به تاليًا ثانويًا.. ومن منطلقات لا هوية
لها في الغالب.. إنما مترجمة.. ولو عقليًا ونقليًا حيث يحاول كل مشارك ترجمة ما
رأى في الخارج ونقله إلى واقعنا.. فنرى مزيجًا مختلطًا من التوجهات والأفكار
والأسس التي ربما تتشابه أو تتناقض أحيانًا..
أما
بناء الإنسان على أساس عربي إسلامي متين وتكوين المواطن الصالح المخلص لدينه ووطنه
وأمته.. المتحلي بالأخلاق والمثل الإسلامية، البعيد عن مزالق الفساد والرذيلة
والانحراف.. المقدس للعلم وأهله.. المحافظ على مرافق بلده.. وتلاحم مجتمعه.. المتعاون
مع الجميع الأسرة والدولة والمؤسسات والمجتمع.. الباني المنتج.. إلخ الذي يعتبر
طاقة فاعلة يستفاد منها أقصى استفادة حيث أهم استثمار هو في الإنسان.. أي إنسان.. وتضييعه..
تضييع لثروة هائلة، ذلك كله لا يشغل حيزًا مناسبًا في فكر المخططين والمنظرين
وتصوراتهم.. هذا إذا افترضنا أنهم ينطلقون من منطلق واحد متناسق لكن اختلاف
المشارب والمذاهب والأفكار والمواهب.. يخرج تخطيطًا مختلطًا متناقضًا.. غير سوي
ولا مستقر.. فتخضع المناهج للاضطراب والتغيير وتشرب خلالها نماذج كالتي رأينا.. لأنه
لا ضوابط تمنعها في ظل فلسفة عامة مطاطة.
كيف لا
ينتبه التربويون والمخططون إلى هذه «الزرافات» من الشباب المتعطل والمنبث هنا
وهناك في بعض المناطق.. وما يترتب على تفاقم وضعه اليائس من مشاكل قد لا تنفع فيها
المسكنات والحلول المجتزأة.
وماذا
تفعل كثير من الأسر الوافدة- مثلًا- التي لديها أطفال وأولاد في سن التعليم، ولا
تستطيع تعليمهم، في ظل تصاعد التكاليف الحياتية وتناسبها عكسيًا مع تنازل الدخول؟
لقد أم
الكويت والخليج كثير من الوافدين منذ سنين طويلة وأسهموا في بناء النهضة الحديثة
بجد ومرت فترات ذهبية كانوا يتمتعون فيها بكثير من الخدمات العامة.. وخصوصًا
التعليمية.. فلم يكونوا يعانون من مشكلة في هذا المجال... ثم بدأت الفرصة تضيق
أمام أولادهم.. وبدأت المدارس الخاصة تتكاثر وتتوسع.. ومع ذلك بقي جزء كبير يعاني
من الأمية لأن أهله لا يستطيعون تحمل رسوم دراسته ولا يجدون الجهة التي تساعدهم
على ذلك ودخلهم لا يكفي- مع حرصهم- أو ربما يكون رب الأسرة بعد كل هذا العمر في
الغربة.. قد توفي أو أصيب بمرض.. (عاهة أو بلغ السن القانوني).. وليس له دخل ثابت
أو کافٍ.. وإن دبر دخلًا فبالكاد يدفع أجرة السكن الذي يستهلك زبدة دخله ويسد
الرمق بالباقي.
لقد
نشرت إحدى الصحف المحلية عن فكرة إنشاء مدرسة لأبناء الوافدين الذين يثبت عدم
قدرتهم على تعليم أولادهم ولا يستطيعون تحمل تكاليف ذلك التعليم.. فماذا عسى مدرسة
واحدة تنفع؟! وأين يذهب الباقون! وهل يبقى الكثيرون يقطعون اللقمة من أفواههم
لتعليم أطفالهم؟!
إن
الأمر بحاجة إلى علاج جذري.. وإن كثيرًا من المدارس وخصوصًا الابتدائية في كثير من
المناطق قد أخذت تضمر وتتقلص لقلة التلاميذ، فستقوم الوزارة بإغلاقها أو تحويلها
إلى نشاط آخر.
وماذا
يضير لو استعملت في تخفيف تلك الأزمة وإنقاذ جيل كامل من الجهل والضياع؟! ما زلنا
نقول إن الإنسان مجرد الإنسان ثروة كبيرة واستثمار فعال مضمون لو أحسن توجيهه
وتدريبه.. فما بالنا نهدر هذه الثروات وهي بين أيدينا.. وبإمكاننا إعدادها لتكون
لبنات قوية صالحة متينة في صرح حضارة المستقبل التي لابد أن نعتمد فيها على أنفسنا
–بعد الله– ولا تستطيع الدول الغنية والصناعية أن تتحكم في حياتنا عبر التحكم في
أقواتنا ومياهنا وكافة حاجياتنا.
والذي
يبني ويزرع ويصنع.. إنما هو الإنسان وكلما ارتقى تأهيله تحسن إنتاجه وزاد.
وكما
قال ماوتسي تونغ: «إن لكل شخص يدين اثنتين وفمًا واحدًا» لذا فهو ينتج ضعف ما
يحتاج.. ومن هنا كلما كثر العدد زادت الوفرة وليس كما هو الوضع الخاطئ في العالم
الثالث حيث يحاولون حل المشكلة في كثير من بلدانه بتحديد النسل وتقليل العدد.
إننا في
عصر الإنسان عصر المجتمعات الكبيرة.. والوحدات الكبرى، عصر –مهما ارتقت
التكنولوجيا فيه– يظل الإنسان هو سيدها.. ويظل الوزن البشري.. والكثرة العددية هي
العامل الحاسم في النهاية في وزن الأمة ومكانتها، شرط أن نحسن نوعية إنسانها
بالتعليم والصقل والتدريب والتوجيه والتخطيط السليم.. لقد انقضى زمن الضمور
والانغلاق.. فالعالم متجه إلى انفتاح شامل.. واهتمام بالإنسان وتأهيل أرقى له.. فلنحافظ
على الإنسان –أغلى ثروة– ولنقم بناءه على أساس من التقوى والعلم والإسلام الذي
يجعله مستقيمًا منتجًا متعاونًا كلما كثر عدده كلما زاد نفعه وثقله وحسب الآخرون
حسابه وحساب وطنه ودولته.
إن
الوطن العربي والإسلامي ومنه الكويت والخليج بحاجة إلى طاقات منتجة خلاقة محركة
للنهضة والحضارة دافعة للتقدم الذاتي.. لا مقلدة ناقلة تستطيع استعمال المنجزات
الحضارية ولا تفقه منها شيئًا.. وتعتمد في كل نواحي حياتها حتى في ملبسها ومأكلها
ومشربها على الآخرين.
إن
سلاسل التحقيقات الطويلة التي أجرتها بعض الصحف مع مختلف المهتمين بالعمل التربوي
وبإنشاء الجيل.. كشفت عن وجود سلبيات كثيرة وهائلة في تصرفات الطلاب والخريجين.. أهونها
انتشار التدخين حتى بين الصغار.. ولو وقف الأمر على التدخين لهان.. ولكن يتعدى ذلك
إلى المخدرات والهلوسة والتصرفات الشاذة، والميول الإجرامية والعنفية.
وما
يحصل في المدارس ذاتها.. من عنف، وعدوان على المدرسين والعاملين فيها –ولا يعرف
إلا بعضه ويغطي أكثره– أمر جد خطير.. بل تعدى المدرسة إلى البيت والشارع حيث يشيع
السلوك العدواني والتخريبي لدى البعض.. ولا يكاد يمر يوم دون حصول حوادث عنف
واحتكاك داخل المدارس وخاصة الثانوية.
ولا
تكاد تسلم غرفة من غرف المدارس أو مرفق من التخريب والتشويه والكتابات الشاذة.
فمن
المسؤول عن كل ذلك وأمثاله؟!