; التعليم المنزلي.. ومهارات التعلم عن بُعد | مجلة المجتمع

العنوان التعليم المنزلي.. ومهارات التعلم عن بُعد

الكاتب فاطمة عبدالرؤوف

تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021

مشاهدات 76

نشر في العدد 2158

نشر في الصفحة 30

الأحد 01-أغسطس-2021

التعليم المنزلي.. ومهارات التعلم عن بُعد

التعليم المنزلي يتجاوز فكرة شرح منهج محدد بعينه حيث ينتقي الوالدان بين مناهج التعليم المحلية والعالمية

كثيرون يتخوفون من أن التعليم المنزلي قد يمنع الطفل من إقامة علاقات اجتماعية ومشاركة الخبرات مع زملائه

«كورونا» أثمرت العديد من منصات التعلم عن بُعد وفتحت الباب للمحاضرات «أونلاين»

التعلم عن بُعد مكن شرائح كانت مهمشة من الحصول على حقها في التعليم وعيش حياة كريمة

فاطمة عبدالرؤوف

اتجه كثير من الأسر العربية في الآونة الأخيرة لتعليم أطفالها بعيداً عن النظام المدرسي النظامي، وفقاً لما يطلق عليه التعليم المنزلي أو التعليم المرن، وهناك أسباب متعددة دفعت بهذه الأسر لاعتماد أسلوب التعليم المنزلي، يأتي على رأسها أن النظام المدرسي مصمم بشكل القالب المحدد بينما تتنوع مهارات وذكاءات الأبناء، فرفضت هذه الأسر قولبة أبنائها في هذا النمط النظامي الجامد. 

إن النظام المدرسي الذي يشرح فيه المعلم لثلاثين طالباً مثلاً لا يمنح الابن الفرصة الكافية للسؤال وتلقي الجواب الكافي على ما يدور في ذهنه، أو حتى توجيهه للبحث عن إجابات لأسئلته؛ ومن ثم تقل الأسئلة حتى تتلاشى؛ فيفقد الطفل القدرة على الإبداع المرتبط بمهارات السؤال، فكان أن قام أحد الوالدين بالقيام بهذا الدور التعليمي، أو كما يقولون واحد لواحد، أو تعليم فردي لطالب واحد، هو الابن من المعلم الذي هو الأب أو الأم، وفي بعض الأحيان يتم الاستعانة بمعلم خاصة في المواد ذات الطبيعة الخاصة أو التي لا يجيدها أي من الوالدين.

على أن التعليم المنزلي يتجاوز فكرة شرح منهج معين ومحدد كالذي يتلقاه الطالب في المدرسة؛ ففي التعليم المنزلي ينتقي الوالدان بين مناهج التعليم المحلية والعالمية كالمنهج البريطاني مثلاً، ويمكنهم إضافة مقررات تدريسية أخرى إضافية للمنهج المختار، وهناك نمط من التعليم المنزلي يطلق عليه «التعلم الفطري»، أو «التعلم عند الطلب»، وفيه يقود الابن العملية التعليمية عن طريق أسئلته التي تكشف اهتمامه بفرع معين من فروع المعرفة، وهنا يكون دور الوالد المعلم باستغلال السؤال وتوسيعه وطرح أسئلة أخرى ومساعدة الطفل للوصول للإجابة.

ويصف مصطلح «اللامدرسة»، الذي استحدثه «جون هولت»، الأسلوب الذي لا يتحكم الوالدان في توجيه تعليم الطفل؛ بل يتفاعلان مع الطفل كيفما قادته اهتماماته، ويعطيانه حرية الاستكشاف والتعلم، ولا يدل مصطلح «اللامدرسة» على عدم تعليم الطفل، وإنما أنه لم يلتحق بالمدرسة، أو لم يتلق تعليمه تحت إملاءات مدرسية صارمة، كما أكد «هولت» أن الأطفال يتعلمون من خلال تجارب الحياة، وشجع الآباء على أن يعيشوا حياتهم مع أطفالهم؛ فأسلوب «اللامدرسة» أو ما يعرف بالتعليم المنقاد بالاهتمامات أو بالطفل يسعى لاستغلال الفرص متى ما ظهرت في الحياة الحقيقية، التي من خلالها سيتعلم الطفل دون إجبار. (علم الاجتماع التربوي، د. معن خليل العمر).

ويمكننا القول: إن الأسر العربية التي تعلم أبناءها بطريقة التعليم المنزلي تعتمد على منهج محدد، سواء كان محلياً أم دولياً؛ حتى يستطيع الابن اجتياز الاختبارات والحصول على شهادة، بالإضافة لمساحة من التعلم الفطري اللامدرسي الذي هو في جوهره الإضافة الحقيقية التي تميز التعليم المنزلي.

ومن الدوافع المهمة للتوجه نحو التعليم المنزلي أيضاً ما يعانيه بعض الطلاب الانطوائيين في المدارس النظامية التقليدية حكومية كانت أو أهلية، أو تعرض بعض الأبناء للتنمر الذي يبدو كإحدى الآفات التي ابتليت بها المدارس الذي يترك آثاراً شديدة على نفسية الأطفال خاصة من ذوي الشخصيات الحساسة.

نظام مرن

التعليم المنزلي يعتمد نمطاً مرناً للحياة، فهناك نظام وروتين لكنه نظام مرن وليس بجامد يعتمد على استعداد الطفل والوالدين؛ فالطفل ليس ملزماً بالاستيقاظ في السابعة كما يحدث مع التعليم المدرسي التقليدي، فقد يبدأ يوم الطفل في التاسعة مثلاً، ومدة الدرس تكون مرنة، قد تكون 30 أو 45 دقيقة بحسب الحاجة، وتتخلل الدروس مساحة جيدة من الاستراحات القصيرة، بل إن نشاط الطفل في المنزل يعتبر كوحدات تعلم تؤهله لتحمل مسؤوليات حياتية معينة؛ كترتيب حجرته وتنظيفها، والمساعدة في طهو الطعام وغسل الأطباق وترتيب الأدوات بحسب سن الطفل، إنه نظام يعتمد على المشاركة والمعايشة؛ لذلك هو يوطد علاقة الطفل بالوالدين والمنزل بشكل كبير جداً، ويقلل من التأثيرات السلبية لجماعة الرفاق.

في المقابل، يتخوف الكثيرون من أن نظام التعليم المنزلي قد يمنع الطفل من إقامة علاقات اجتماعية طبيعية، ويمنعه من مشاركة التجارب والخبرات مع زملائه، وهي ملاحظة جديرة بالتأمل والانتباه، خاصة لو كان لدى الطفل ميول انطوائية، كانت أحد الدوافع وراء تفضيل الوالدين لنمط التعليم المنزلي، إلا أنه يجب أن يشترك الأبناء الذين يتعلمون منزلياً في النوادي الرياضية وورش الرسم و»الكورسات» المتنوعة التي تمنحهم القدرة على التعامل مع الآخرين، وصناعة شخصية اجتماعية لهم، ولكن في أجواء أكثر أمناً، وإن كانت أقل بالتأكيد من تلك العلاقات الاجتماعية الطبيعية التي تحدث بين الأطفال من ذوي السن الواحدة في الإطار المدرسي. 

على أن ما حدث في العالم كله بعد جائحة «كورونا»، بما فيها البلاد العربية، بما في ذلك الإغلاق والاتجاه للتعلم عن بُعد؛ ضرب الحياة الاجتماعية للأطفال جميعاً في مقتل، وأصبحت ممارسة الرياضة تتم من خلف الشاشات، ولقاءات الدردشة تتم أيضاً من وراء الشاشات، وأصبح الأطفال الذين يتعلمون منزلياً أحسن حالاً بصورة نسبياً؛ فلم يتعرضوا لصدمة التعليم عن بُعد التي لم يكن كثير من المعلمين والطلاب التقليديين على استعداد لها، سواء من الناحية التقنية أم التحفيزية.

وعلى الرغم من كل السلبيات الناتجة عن جائحة «كورونا»، فإنها أثمرت العديد من منصات التعلم عن بُعد، وفتحت الباب على مصراعيه لـ»الكورسات» والمحاضرات «أونلاين» المجانية والمدفوعة في شتى مجالات العلم والمعرفة ولمختلف الشرائح العمرية؛ وهو ما مثل ثروة حقيقية لطلاب التعليم المنزلي؛ لأن التعلم عن بُعد إحدى أدوات هذا التعليم تماماً كأدوات منهج «المنتسوري»، بل إنه ليس من المبالغة في شيء القول: إنه لا يمكن تجاهل التعلم عن بُعد كركن أساسي في عملية التعليم المنزلي؛ فمهما بلغت ثقافة الأب والأم لا يمكن أن يلما بشتى حقول المعرفة؛ فكان لا بد من الفيديو التعليمي، وكان لا بد من منصات البحث بالكتابة والصوت والصورة، بل إن بعض التطبيقات التعليمية تمثل ثورة حقيقية مذهلة في التعليم.

إن التعلم عن بُعد أصبح ضرورة حتمية لصناعة جيل التعلم والبحث لا جيل التلقي والتلقين، بل إن التعلم عن بُعد يعلّم الوالدين كيف يقومان بالعملية التعليمية ذاتها سواء من حيث المنهج أم الأدوات أم حل المشكلات والعقبات بغض النظر عن الموقع الجغرافي وقربه أو بعده من المراكز التعليمية والتربوية، حتى إنه يتجاوز الحدود بين الدول؛ فيمكن الاستفادة من كل ما أنتجه العقل الإنساني من أي مكان في العالم.

حياة كريمة

لقد مكّن التعلم عن بُعد شرائح كانت مهمشة من الحصول على حقها في التعلم وعيش حياة كريمة؛ كتعليم أطفال «متلازمة داون»؛ فعن طريق تعلم الوالدين صناعة أدوات «منتسوري» مثلاً أمكن لأمهات كثيرات لا يجدن المال الكافي أو مؤسسات تعليمية قريبة أن تقطع شوطاً كبيراً في تعليم منزلي مناسب لهذه الفئة من الأطفال القابلة للتعلم لكن بالطرق غير التقليدية.

ولا يمكن الحديث عن التعليم المنزلي وكيف استفاد من ثورة التعلم عن بُعد دون أن نذكر أن النساء استفدن استفادة كبيرة جداً من هذا النمط من التعلم؛ فكثير من النساء لا يملكن الوقت الكافي لحضور المحاضرات و»الكورسات»، أو حتى الذهاب لدورات تحفيظ القرآن، وبعضهن لديهن أطفال صغار يصعب عليهن التنقل بهم، وبعضهن يسكن في أماكن نائية، وبعضهن لديهن ظروف اجتماعية خاصة؛ فكان التعلم من المنزل بأدوات التعلم عن بُعد بمثابة فتح مبين لهن -إذا توسعنا في استخدام مصطلح التعليم المنزلي ليتجاوز دلالته الخاصة- فانتشرت الغرف الخاصة بالنساء لتعليم العلوم الشرعية كافة، وتعنى عناية خاصة بتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم أحكام تلاوته، وتدبر آياته، بالإضافة لمنصات و»كورسات» خاصة بفنون التربية المختلفة، وكل ما يتعلق بقضايا الأسرة والزواج، بالإضافة لمهارات إدارة الذات والوقت. 

كما أن منصات التعلم عن بُعد أتاحت لهن الفرصة للحصول على دورات وشهادات تعليمية في شتى فروع المعرفة الإنسانية.

الرابط المختصر :