; التعليم الديني في المغرب العربي.. حصن منيع.. تصدى بقوة للاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان التعليم الديني في المغرب العربي.. حصن منيع.. تصدى بقوة للاستعمار

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1565

نشر في الصفحة 24

السبت 23-أغسطس-2003

أدت الزوايا والكتاتيب والمعاهد الدينية دورًا كبيرًا في طرد الاستعمار الغربي الإسباني والإيطالي والفرنسي من المغرب العربي، وقامت برسالة تعبئة الإنسان المغاربي ضد المستعمر الذي هاجم المغرب العربي ثأرًا لأيام الأندلس كما قال قائد الحملة الفرنسية علىالجزائر دومينياك.

 وقد ساهم التعليم الديني في المغرب العربي في الحفاظ على اللغة العربية التي حاول الاستعمار، خاصة الفرنسي، وأدها بكل الأساليب، فقد نصت القوانين الفرنسية الاستعمارية على حظر تدريس اللغة العربية وقضت بسجن كل من يضبط متلبسًا بتدريسها بين ستة أشهر وسنتين، وهذا الإجراء كان متبعًا في الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا.

وفي ليبيا لجأ الإيطاليون إلى محاربة كل زوايا تعليم القرآن الكريم التي زودت الشيخ عمر المختار، قائد الثورة الليبية، بعناصر لا تأبه بالموت في سبيل الحفاظ على مقدسات الشعب الليبي الإسلامية والعربية، وكان الشيخ المختار نفسه يدرس القرآن الكريم في إحدى الزوايا.

لم تساهم معاهد التعليم الديني في الحفاظ على الشخصية الإسلامية فحسب، بل هي التي مهدت لمجمل الثورات ضد الاستعمار، فالمعاهد الدينية التي كانت تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان يترأسها الشيخان العالمان عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي هي التي مهدت للثورة الجزائرية، بل إن العديد من علماء الجمعية أصبحوا مجاهدين في صفوف الثورة، يلقنون المجاهدين مبادئ الفقه والأصول والتفسير ودرجة الشهيد عند الله.

وفي تونس أدى جامع الزيتونة دورًا كبيرًا، لذا سعت فرنسا للقضاء على هذا المعلم الديني لكنها لم تتمكن بل بقي يرفد الساحة التونسية بمصلحين

وفي المغرب أدى جامع القرويين دورًا رئيسًا في التمهيد لثورة عبد الكريم الخطابي الذي أبلى بلاءً حسنًا في محاربة الفرنسيين.

وفي موريتانيا أدى الشيخ الشنقيطي والزوايا الدينية الدور نفسه في مقاومة «الفرنسة» وكل مظاهر التغريب.

وعلى الرغم من الميزانيات المحدودة للمعاهد الدينية في العهد الاستعماري، إلا أنها تمكنت من الحفاظ على الشخصية العربية والإسلامية وعلى اللغة العربية والانتماء العربي والإسلامي، كما عرت الحركة الاستعمارية وكشفت كل مخططاتها ومشاريعها

وقد اعتمدت هذه المعاهد الدينية في مناهجها على:

تدريس القرآن الكريم قراءة وتفسيرًا.

السنة النبوية متنًا وسندًا.

اللغة العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة.

أصول الفقه.

كتب الأخلاق.

ومن خلال هذه المناهج استطاعت المعاهد أن تحفظ هوية الشعوب في مرحلة كانت فيها فرنسا تستخدم كل ما لديها من وسائل لتدمير الهوية الإسلامية والعربية، فقد لجأت إلى تحويل العديد من المساجد إلى كنائس أو إصطبلات، كما حظرت تعليم اللغة العربية وأنشأت معاهد كولونيالية استعمارية الغرض منها التأكيد على فرنسية المغرب لكن هذه الأساليب اصطدمت بصخرة المعاهد الدينية.

في مرحلة الاستقلال

بعد استقلال الدول المغاربية نجح الاستعمار الفرنسي في إيصال نخبته إلى دوائر القرار، عمدت إلى تقليص دور المعاهد الدينية ولجأت الحكومات إلى تأميم معاهد التعليم الديني وتحويلها إلى مؤسسات رسمية خاضعة لسياسة الدولة أو إلى إلغائها بشكل كامل كما حدث في الجزائر في عهد الرئيس هواري بومدين في إطار سياسته الاشتراكية

وكان الرئيس أحمد بن بلةأول رئيس للجزائر عقب استقلالها سنة 1962 - قد تحول نحو النهج الاشتراكي وتجاوز بذلك مؤتمر «الصومام» الذي انعقد في عهد الثورة الجزائرية سنة 1956م وقرر أن الجزائر عندما تستقل يجب أن تتحول إلى دولة إسلامية، لكن بن بلة نهج هذا النهج وهو ما حدا بالشيخ البشير الإبراهيمي، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إلى إصدار بيان جاء فيه

«كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه المنية مرتاح الضمير، إذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق والنهوض باللغة ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن، ولذلك قررت أن ألتزم الصمتغير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أنه يجب عليَّ أن أقطع الصمتإن وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجه مشكلات اقتصادية عسيرة الحل، ولكن المسؤولين فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تبعث من صميم جذورنا العربية والإسلامية لا من مذاهب أجنبيةلقد آن المسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألا يقيموا وزنًا إلا للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم، وقد آن أن يرجع إلى كلمة الأخوة التي ابتذلت - معناها الحق وأن نعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد آن أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيدوا جميعًا مدينة تسودها العدالة والحرية، مدينة تقوم على تقوى من الله ورضوان».

الجزائر في 16 أبريل 1964

وكان البشير الإبراهيمي يتوقع حدوث حرب أهلية في الجزائر بسبب الابتعاد عن النهج الإسلامي، ومنذ تاريخ حظر المعاهد التعليمية الإسلامية بقيت الجزائر محرومة من التعليم الديني الفعلي، اللهم إلا المعاهد الإباضية التي لم تكن السلطة تتحرش بها بسبب ابتعادها عن الهم السياسي

وفي هذه المرحلة نجحت القوى الفرنكفونية واليسارية الجزائرية في تحجيم دور الإسلام، وظل أبناء جمعية العلماء المسلمين والمحسوبين على التيار العربي والإسلامي يطالبون بضرورة إقامة جامعة إسلامية حفاظًا على الجزائر من التغريب الذي تدفق عليها بشكل لم يسبق له مثيل، وانتظرت الجزائر 28 سنة بعد الاستقلال لتشيد أول جامعة إسلامية سنة 1986م وهي جامعة الأمير عبد القادر في قسنطينة

وبعد اندلاع الأحداث الأمنية في الجزائر سنة 1991م بدأت القوى الفرنكفونية واليسارية والبربرية تطالب بإغلاق جميع مؤسسات التعليم الديني باعتبارها أنتجت الأصولية والظلامية حسب زعمهم، ولم يكتفوا بذلك بل طالبوا بإلغاء التعليم العربي باعتبار أن هناك علاقة قوية بين العروبة والإسلام السياسي

واتخذ رئيس وزراء الجزائر الأسبق رضا مالك قرارًا بإلغاء قانون التعريب، وتبعه تشكيل لجنة بن زاغو لتغيير مناهج التعليم الجزائري في عهد عبد العزيز بوتفليقة، وقد أوصت هذه اللجنة بضرورة تكثيف اللغة الفرنسية وتقليص اللغة العربية في المدرسة الجزائرية، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي عصفت بأمريكا لترفع من رصيد دعاة التغريب في الجزائر لدى الدوائر الحاكمة.

وفي تونس تحول جامع الزيتونة إلى مؤسسة رسمية خاضعة لإشراف وزارة الشؤون الدينية، وتم إلغاء كل الحلقات التعليمية في المساجد بحجة أن هذا العمل يمهد لعمل سياسي معارض للسلطة، وبحجة أنهلا أحد يفتي والسلطة موجودة.

وحتى التعليم الديني في الثانويات والجامعات أصبح جزءًا من الترف الفكري، يتم التركيز فيه على الجانب التاريخي دون الراهن، وكان الإسلام مسألة ثقافية تراثية لا علاقة له بصياغة الحاضر والمستقبل

وفي ليبيا والمغرب أصبحت المعاهد الدينية محدودة للغاية ومرتبطة بالسلطة القائمة، وبات الداعية إلى الله الذي يريد أن يلقي محاضرات في المساجد يحتاج إلى رخصة من وزارة الشؤون الدينية، ومخالفة ذلك قد تفضي إلى ما لا تحمد عقباه

وفي موريتانيا نجحت السلطة في تقليص نفوذ المعاهد الدينية التي أدت دورًا كبيرًا في تاريخ موريتانيا، وأقامت عشرات المعاهد والكليات التي يتم التدريس فيها باللغة الفرنسية كلغة رسمية ثانية في البلاد لتقليل دور هذه المعاهد.

لقد أدركت السلطات الحاكمة في المغرب العربي أن المعاهد الدينية التي ساهمت إلى أبعد الحدود في التحرير من نير الاستعمار قد تكون ركيزة لمعارضة السياسات الرسمية بعد الاستقلال فعمدت إلى تقليص دورها وحرمان المدرسين فيها من رواتبهم، بل ألغت مؤسسات الوقف التي كانت تدعمها، وبذلك أصبح الطريق معبدًا للغارة التغريبية والتمكين لها لاجتياح المغرب العربي لكن هذه المرة بدون جيوش أو عساكر.. إنها لعبة الصراع الفكري كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي.

الرابط المختصر :