; التعليق الاسبوعي بيت العنكبوت الذي اتخذوه حصناً!! | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الاسبوعي بيت العنكبوت الذي اتخذوه حصناً!!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1974

مشاهدات 91

نشر في العدد 213

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 13-أغسطس-1974

ختم نكسون حياته السياسية بكذبة كبيرة ضمنها خطاب استقالته فقد قال: إنه «حول ۱۰۰ مائة مليون عربي إلى أصدقاء لأمريكا». ولو قال: إن بعض العرب هرول نحو أمريكا يطلب صداقتها. أو إنه حاول خداع ۱۰۰ مائة مليون عربي، لكان أقرب إلى الواقع. أما دعوى أن أمة بكاملها تصادق من أمد ولا يزال يمد عدوها ببلايين الدولارات وبمئات طائرات الفانتوم وطائرات «إف ١٥».. وبجسور جوية ومعلومات تجسسيه. وبدعم سياسي غير محدود.. فإنها دعوى لا تخالف الواقع فحسب. ولكنها تنطوي على إهانة بالغة لأمتنا. وقابل المتأمركون في المنطقة كذبة نكسون.. بكذبة أخرى.. قالوا: إنه رغم ذهاب نكسون فإن سياسة أمريكا لن تتغير.. خاصة وأن كيسنجر ظل محتفظاً بمنصبه! هذا تضليل مركب فأولاً: ما جاء فورد بالذات وما دفع إلى البقاء خلف نكسون فترة من الوقت إلا لكي يحقق أهدافاً معينة. ثانياً: يحاولون الإمعان في تضليل الأمة بادعاء أن عهد نكسون كان في صالح العرب. لقد أطلقوا هذه المزاعم من قبل.. ثم صدقوها! وذات مرة كذب جحا-كما تروى الأساطير- على بعض الصبية. فلما صدقوه وأسرعوا نحو الهدف.. صدق هو كذبته وجرى معهم!! والفرق بين المتأمركين.. وبين جحا أن أولئك لم يصدقهم أحد. ومع ذلك أصروا على مزاعمهم. لقد سقط نكسون. وأكثر من مرة تحدثنا في هذا المكان عن قرب سقوطه. وأنه لا ينبغي ربط مصير الأمة بأي شخص. حتى ولو كان نظيفًا ومن نفس بنيها. فما بال إذا كان ملوثاً. وليس منها؟ سقط نكسون.. وبسقوطه تمزق بيته الأبيض. الذي هو بيت العنكبوت. الله أكبر إننا ونحن نناقش أوضاع العالم. والسياسة الدولية يتجلى لنا في هذا المجال توحيد الله- سبحانه. فمن توحيد الله أفراده بالاستعانة والتوكل. واللجوء إليه والاعتماد عليه. فالله وحده هو الباقي والله وحده هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض. والله وحده هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء. والله وحده الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وليس من التوحيد في شيء الاعتماد على نكسون وربط قضيتنا به أو بغيره. فالبشر مهما انتفخ واغتر فهو ضعيف. فان. قاصر محتاج. انظروا إلى آيات الله. بالأمس كان نكسون يرأس دولة توصف بأنها أغنى وأقوى دولة. وفي مثل لمح البصر جرد من منصبه وصولجانه. وخرج من البيت الأبيض يبكى وكأنه طفل ضاعت منه قطعة حلوى أو لعبة.. فلا البيت الأبيض نفع الذين تعلقوا به. ولا من فيه دام لهم. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. (العنكبوت: 41) إن توحيد الله في هذا المجال هو قمة الوعي . وقمة التصور السليم المواقف الحصينة التي تتميز ببعد النظر. وعمق الرؤية والنضج والرشد. فهل يستطيع أن يدير شئون هذه الأمة من يجهل هذه المعاني. أو من يعلمها ولا يتمثلها؟ لا.. بكل تأكيد التفسير السهل يلجأ الكثيرون- مع الأسف- إلى التفسير السهل- الذي لا يخلو من سذاجة- عند تفسير المواقف والأحداث. هناك مصطلح جاهز أو تفسير معد سلفاً. ومصاغ مقدماً يطرح بسهولة عجيبة وهو: أن الصهيونية وراء كل شيء يقع في العالم. وما من أحد يتابع الأحداث. يستطيع أن يتجاهل «نشاط» اليهود أو الصهيونية. لكن القول بأن الصهيونية تدير الكون أو الحركة البشرية. قول يتناقض مع التوحيد.. ومع الإيمان بأن هذه الصفة وهذا الفعل إنمـا يكون لله وحده ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 16). ونحن نعلم أن أصابع الصهيونية بادية في الحملة على نكسون. ونعلم أن «الواشنطن بوست»ـ وهي صحيفة صهيونية التمويل والاتجاه- هي التي بدأت الحملة. وآزرتها في ذلك «النيويورك تايمز» وهي كذلك صحيفة يملك معظم أسهمها يهود. خاصة عائلة «سلزبرجر». لكن هل معنى ذلك أن يقف العرب مع نكسون وهو الذي ظفرت إسرائيل في عهده بأكبر دعم مالي وعسكري؟ لنسأل المتأمركين سؤالاً آخر: أنتم تقولون: أن الصهيونية هي التي أسقطت نكسون.. أفلا يعني كلامكم هذا أن الصهيونية تسيطر على مجلس النواب والشيوخ وعلى القضاء والإعلام وعلى رجال الصناعـة والمحافظين والعسكريين الذين هم قاعدة تأييد جير الدفورد؟ ومن هذا السؤال ينشأ احتمالان. إن الصهيونية لم تسقط نكسون وبهذا الاحتمال تسقط دعواكم من أساسها. إن الصهيونية قد أسقطته. وبهذا الاحتمال يتحتم عليكم الاعتراف بأنكم هرولتم نحو بلد وصادقتم دولة تسيطر عليها الصهيونية. وفي هذه الحال تسقط تلقائياً مزاعم تغـير أمريكا. إننا لسنا ضد العمل من أجل التأثير في سياسات الدول التي تؤثر بدورها في قضايانا. وشروطنا والشروط المعقولة لإحداث هذا التأثير هي: أن نكون نحن ذاتياً أقوياء مستعدين للموت في سبيل مبادئنا. أن تخضع خطة أو استراتيجية التأثير.. للعلم والدراسة والتقدير السليم للمرحلة التاريخية. أما «الفهلوة» والاندفاع.. والخفة والاسترسال مع الأماني والأحلام. والاعتماد على صداقات شخصية. فهذه كلها وسائل ساذجة موقوته الفعالية.. محدودة المدى. عقيمة النتائج. إن اليهود يعملون في أمريكا منذ تأسيسها. وقد أثروا لي حد كبير في مراكز اتخاذ القرار. ومن هنا رفضنا بحسم وفي وقت مبكر خرافات «إن أمريكا قد تغيرت» لماذا؟ لأن التغيير يأتي من مراكز القرار وليس من مقال في صحيفة أو من مظاهرة حماسية خرجت في واشنطن أو نيويورك مؤيدة للعرب. ومراكز القرار هي مجلسا النواب والشيوخ. والمخابرات المركزية ووزارة الدفاع.. وكتلة الصناعيين والبيت الأبيض. ولنضرب -مثلًا- في البيان المصري -الأمريكي المشترك قيل أن أمريكا ستزود مصر بمفاعل نووي. على عجل قدم مشروع قانون للكونجرس الأمريكي ينص على أنه لا يحق لرئيس الولايات المتحدة أن يمد دولة ما بالطاقة النووية إلا بموافقة الكونجرس!! الموقف يبدو أن المتهالكين لا يريدون أن يفيقوا من الحلم الذي صنعوه لأنفسهم فما إن سقط نكسون حتى راح بعضهم يهنئ بعضاً ببقاء هنري کیسنجر في منصبه!! ويرجع هذا الموقف إلى الرغبة العارمة في البقاء في كنف أمريكا مهما كان الثمن. ومهما كانت الظروف. كما يرجع إلى عدم الرغبة في الاعتراف بالفشل. وهذا في الحقيقة ما تريده الصهيونية أن يكون ابنها كيسنجر محط الآمال وسفينة الإنقاذ خاصة بالنسبة للعرب يطلع على أسرارهم.. ويسلمها لليهود. يحذرهم.. حتى يستعد اليهود للضرب والانقضاض. إن اليهود يمرون بمرحلة تاريخية اقتضت أن يدفعوا ببعض احتياطيهم إلى السطح حتى يمارس العمل بطريقة مباشرة . ومن هذا الاحتياطي هنري كيسنجر هذه بداهات. .. ولكن الذين يعيشون في الضلال السياسي لا يدركون البداهات. إن أنسب وأعقل وأكرم موقف في هذه الظروف هو العودة السريعة إلى السلاح استعداداً لجهاد طويل الأمد لا من أجل حرب تكهرب الجو ابتغاء الحل السلمي تحت تهاويل الخوف من حرب عالمية. وإنما من أجل تصفية الحساب مع العدو في قتال مرير يموت فيـه مليون يهودي. ومليون عربي على الأقل. لقد أجهضت حرب رمضان. وحان الحين لاستئنافها من جديد. إن العدو لن يسكت أبداً. وهو يعد العدة ويحشد الحشود ليثأر ويعيد ميزان التوازن النفسي. فأهم من التفوق في السلاح- لدى اليهود- التفوق النفسي على العرب؛ ذلك احتفاظهم بدرجة نفسية معينة هو الضمان الوحيد لمنع الموجودين من الهجرة. ولجلب مهاجرين جدد إلى الأرض المحتلة. والاستعداد لملاقاة العدو يقتضى نوعاً جاداً من الحياة. ومن التوجيه والسلوك. ففي خدعة «أمريكا تغيرت». وفي وعود «الرغد والانفتاح». وفي حالة الاسترخاء التي خدرت الناس. في هذا كله خطر عظيم علـــــــــــى نفسية الأمة وعافية روحها وإرادتها ولا بد من تجاوز هذه المتطلبات جميعاً. عبرة ودرس في سقوط نكسون أكثر من درس. وأكثر من عبرة. درس إن الحرص على الرئاسة يقترن دائماً بالأساليب غير النظيفة وقد كان نكسون شغوفاً بالرئاسة إلى حد الجنون.. فحرص عليها واستمات فيها حتى اقترف الحماقات والانحرافات ودرس أن اليهود استفادوا من هذا الضعف إلى أبعد حد. وليس من حقنا أن نقول أن فضيحة ووترغيت كانت من صنع اليهود. بعد أن اعترف هو بخطئه.. لقد استفاد اليهود من ورطته هذه. وهذا مصير كل رئيس أو مسئول يتورط في الانحرافات. ودرس أن الحاكم إذا أعطى صلاحيات واسعة لابد من فرض قيود مشددة عليه متابعة وحساباً. ودرس أن الإنصاف يقتضينا أن نعترف بأن الحاكم في بلادنا أما ينهيه الموت. أو الانقلاب. ولا يستقيل هو من تلقاء نفسه مهما اقترف من الجرائم والكبائر والانحرافات. ودرس أن منصب الرئاسة لا يستحق التضحية بالسمعة الشخصية فقد كان أكرم لنكسون أن يرأس أمريكا مرة واحدة بشرف من أن يرأسها مرتين ويفقد شرفه. ودرس أن الضمانات تنقسم إلى قسمين. - قسم يتعلق بالضمانات الذاتية مثل النزاهة والأمانة وشرف الوسيلة وعلو الهمة. - وقسم يتعلق بالضمانات الدستورية.. مثل المراقبة والمحاسبة وفي عالمنا الإسلامي نحتاج إلى النوعين.. الضمانات الذاتية. ومجالس الشورى التي تراقب الحاكم وتحاسبه. ودرس أن المتأمركين كانوا-على عكس دعاواهم- معزولين عما يجري في العالم وفي أمريكا بالذات.. وإلا لما هرولوا نحو نكسون وهو في طور الاحتضار. ودرس أن الناس ليسوا في حاجة إلى عقيدة الإسلام وعباداته فحسب.. إنهم في حاجة كذلك إلى أساليبه السياسية في التعامل. فبينما نرى نكسون يتجسس على زملائه في الحزب الديمقراطي.. نجد الإسلام يدعو أتباعه إلى الترفـع ونظافة الأساليب. وسمو الوسائل. ولا يسمح باستعمال وسيلة لا تتفق مع مبادئه تحت أي ظرف من الظروف قال النبي- صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخــرج إليكم وأنا سليم الصدر».
الرابط المختصر :