العنوان مشكلة الولاءات السياسية في الوطن العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 90
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 01-يوليو-1980
مرت الأمة العربية بحقب زمنية مختلفة علمها فيها التاريخ تجارب كثيرة، عرفت منها أن الحكم أو التحكم في مجالي الحياة كافة يجب أن يكون من خلال التصور القرآني القائل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ﴾ (يوسف: 40)، وهذه المعرفة التي ثبتتها التجارب بعد تقلبات كثيرة في ميدان السياسة، واضطراب الولاءات وكثرتها في عالم المسئولين والحكام... ليصبح الولاء لله فقط مطلبًا جماهيريًّا عريضًا مؤداه رفض جميع أشكال الولاء السياسي الأخرى التي أعادت الأمة إلى جاهلية جديدة تتحكم فيها القبلية والعرقية والحزبية اللادينية والشعارات الكاذبة.. وهذه كلها أشكال أفرزها في مجتمع الأمة العربية الولاء لغير الله سبحانه.
ومشكلة الولاء السياسي في عالمنا العربي وتعدد أشكاله أفرزت واقعًا عربيًّا يتسم بأشياء أساسية منها:
1- تضارب السياسات على الساحة العربية صار سمة بارزة ترجع إلى اختلاف الولاءات السياسية بين الأنظمة، ولا أدل على هذا مما نلاحظه في واقع الأمة ومشكلاتها الحدودية التي تنذر في كثير من الأحيان بالمواجهة كالذي يحصل اليوم بين ليبيا ومصر.
2- دخول المنطقة العربية في نطاق النفوذ الدولي الذي فرض بالتالي علينا مطامعه ورغباته ومخططاته وأفكاره، وبملاحظة دقيقة للبلدان العربية التي تتحكم فيها أنظمة موالية لروسيا الشيوعية مثلًا، نقف على أثر النفوذ الروسي في كل مجالات الحياة، بل إن هذا النفوذ يتسرب حتى إلى مناهج التعليم والتربية المدرسية، ليؤثر بالتالي على شخصية الأجيال العربية بطمس الشخصية المسلمة فيها وتركيبها تركيبًا جاهليًّا جديدًا.
ظاهرة تراجعية
ومشكلة الولاءات السياسية وتعددها وتضاربها أدت إلى خطوات تراجعية خطيرة... ففي حوار دار بين أحد الصحافيين وواحد من رجال الفكر والدعوة الإسلامية طرحت هذه الظاهرة التراجعية بالسؤال التالي:
- على الرغم من المشكلات الكثيرة والمعقدة التي تكتنف العالم العربي، فإن العرب لم ينجحوا حتى الآن في التخطيط لحاضرهم ومستقبلهم، كما أن كثيرًا من المشروعات مصابة بالركود أو الجمود، مع أن العالم العربي قد غرق في شعارات التقدم والتحضر والتطور، فما سر هذه الظاهرة؟
وجاء الجواب
من السهل جدًّا أن يرفع الشعار وأن يلوح به؛ لأن ذلك لا يكلف أكثر من بضع كلمات صب فيها أكبر كمية من الانفعال المنفوخ.. وهذه قضية سلوكية تحتاج إلى دراسة، فرفع الشعار من جهة، ثم إتيان ما يخالفه من جهة أخرى سلوك مرضي، سواء في المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، ولقد جرح القرآن الكريم هذا المسلك عندما سأل مستنكرًا: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2، 3) وذلك لأنه مسلك ينطوي على ما يمكن أن يسمى بالكذب العملي.. أي أن الأمة في هذه الحال تكذب عمليًّا ما تقوله بلسانها، وهذا اتجاه خطر لأنه:
1- ذريعة إلى النفاق، وهو يصبح عادة إذا تكرر.
2- يسقط هيبة المبادئ؛ إذ يقدم دليلًا عمليًّا على أن الذين ينادون بالمبادئ لا يتمثلونها في واقع حياتهم، ولعل هذا ناجم عن الولاء لكل ما يبعد عن الإسلام من التشريعات والسياسات المطروحة.
الأمة تدفع ثمن الولاءات الإسلامية
ويمكن بعد هذا رسم الخطوط التي أحرزتها الولاءات اللاإسلامية، ليعرف مقدار الثمن الذي تدفعه الأمة:
1- الولاءات المتعددة التي تمزق الأمة وتحبط كل مشروع وكل خطة، فتعدد الولاءات يؤدي إلى تعدد الاتجاهات والأهداف، وحين تتعدد الاتجاهات يحصل التضارب والتصادم.
2- التناقض لدى أصحاب الولاء الواحد -غير الإسلامي طبعًا- ففي كل يوم سياسة، وفي كل ساعة موقف، وهذا التقلب الشديد يولد عدم الثقة، وحين تنعدم الثقة يفسر كل شيء تفسيرًا مشحونًا بالشك والتربص والخوف، وكثير من اللقاءات العربية في مستوياتها المختلفة تتم في هذا الجو غير الصحي.
3- إن تعدد الولاءات والتناقض لم ينحصرا في الجانب الفكري النظري، بل نزلا إلى الواقع العملي، حيث شهدت المنطقة العربية تجارب غريبة الوجه والمحتوى والوسيلة والهدف عن أصول هذه الأمة، وكان أصحاب هذه التجارب يحاولون مخاطبة الأمة بغير لغتها، ويقدمون لها نماذج بشرية من غير قادتها الحقيقيين، ويربطونها بمبادئ تصطدم بفطرتها وعقيدتها؛ فكانت النتيجة:
أ- فشل تلك التجارب، ولكن بعد أن كلفت الأمة ثمنًا غاليًا في الوقت والإمكانات.
ب- إحداث صراع حاد في صفوف الأمة الواحدة؛ مرة على أساس طبقي في داخل القطر الواحد، ومرة على أساس طبقي أيضًا على مستوى الدول العربية، فهناك ساسة وأجهزة إعلام ينفخون في شعوبهم ويغرسون فيهم النزعة الطبقية ضد شعب عربي آخر، في نفس الوقت الذي يزعمون فيه أنهم يحاربون الطبقية الماركسية.
4- إن العدو على تنوع راياته واتجاهاته استغل هذه التناقضات في رسم خطة تزيد الفرقة حدة واتساعًا.
ولعلنا ندرك الآن لماذا لم ينجح العرب -حتى الآن- في التخطيط لحاضرهم ومستقبلهم؟ ولماذا تتداعى عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها؟
- فالأمة العربية صارت نهبًا لأطماع المستعمرين منذ بدء الولاء الاستعماري بين أنظمة الأمة العربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
- والوطن العربي صار كبيضة القبان في إقامة التوازن بين القوى الدولية الكبرى المتنافسة على النفوذ، واقتسامه في هذا العالم.
- ووقعت الأمة في شراك عجيبة من التخلف العلمي والتخلف التقني والحضاري، الأمر الذي جعلها تخضع في جل حاجاتها لقروض المستعمر الطامع.
المخرج
ويبقى الحل بعد هذا التشخيص لعلة أمتنا مع الولاءات كامنًا في توحيد الأمة وتوحيد ولائها، وتوحيد أهدافها، وتوحيد صفها تحت راية الإسلام الذي ما توحد العرب إلا في ظل هداه.
وهذا يقتضي الاتفاق الكامل على مسألتين:
الأولى: تحديد «القبلة» الفكرية بوضوح، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18).
الثانية: التحرر الكامل من الولاء للشرق أو الغرب، والمسألتان متلازمتان منهجيًّا وعلميًّا.
من هذا الباب فقط تخرج الأمة العربية وشعبها المسلم من الأزمات الدولية؛ فتحكيم كتاب الله وسنة رسوله والولاء لهذا التحكيم هو الذي يعيد لنا استقلاليتنا على جميع الأصعدة، بما يشبه استقلالية الدولة الإسلامية التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم وقام ببنائها على امتداد الأرض الإسلامية الخلفاء الراشدون من بعده.