; التعليق الأسبوعي- لعبة الأمم | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي- لعبة الأمم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1980

مشاهدات 75

نشر في العدد 481

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 20-مايو-1980

هل تكفي معرفة هوية اللاعبين على المسرح الدولي لمعرفة فحوى ما يسمى باللعبة الدولية التي تدور رحاها في عالمنا الأرضي هذا؟

بعضهم يقول نعم.. وآخرون يجيبون بالنفي، وبعض آخر يعتقد أن اللاعب هو واحد.. حيث يحصره بشخصية اليهودي الجشع إلى كل شيء... الخائف من كل شيء.. الطامع بكل شيء.. المرابي بالمال والمتاجر بالأعراض، ذلك الذي استطاع أديب عملاق مثل «شكسبير»أن يصور شخصيته بجميع تفاصيلها في مسرحيته «تاجر البندقية».. لتبرز معالم اليهودي في هذا العالم من خلال شخصية «شايلوك».

ذلك الذي كان يمارس السمسرة بجميع أشكالها في «البندقية» المال.. العهر... السياسة.. وهي العناصر التي تتبادر إلى بعض الأذهان على أنها جزء من عناصر اللعب الدولي في عالمنا الحديث.

 وإذا كانت وجهات النظر تختلف لدى الإجابة على سؤالنا السابق، فإنه مما يخدمنا في هذا الموضوع أن تتلمس بدايات اللعبة الدولية في تاريخنا المعاصر.

لنعد قليلا إلى الوراء.. حيث المسببات التي أدت بالعالم إلى الحرب العالمية الأولى عام «١٩١٤» حيث انقسم العالم إلى محورين أساسيين، وقفت ألمانيا على رأس أحدهما بينما وقفت كل من فرنسا وبريطانيا على المحور الآخر، أما المسببات فهي معروفة كما أجمعت عليها كتب التاريخ والاجتماع والسياسة.. أنها حفنة من عناصر المعرفة المنفعة التي اختلف عليها بين هذه الدول. وأولها مسألة النفوذ الدولي.

 كانت الدولة العثمانية قبل تلك الفترة بسنوات هي صاحبة الباع الأول في الاستحواذ على ما اختلف عليه أبطال الحرب العالمية الأولى، حيث كانت رقعتها تغطي شرق أوروبا وغرب آسيا وشمال أفريقيا.. إلا أن ظهور الاتحاديين في عاصمة الخلافة العثمانية وهم ميالون بسياستهم إلى ما يخالف طبيعة الخلافة الإسلامية توجهت أنظار دول العالم الكبرى إلى تركة الخلافة التي تحيط بجميع الجزء الشرقي والجنوبي من البحر الأبيض المتوسط و بجزء كبير من شمال هذا البحر الذي اعتبرته دول العالم أنذاك بحيرة العالم ومتنفسه.

وكان الصراع مريرا على التركة.. وهنا بدأت المحاور الدولية تأخذ الشكل الذي استقرت عليه حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث كان مبنى اللعب الدولي قائما على الصراع... الصراع على الثروة.. الصراع على النفوذ.. الصراع على المال.. وبالتالي الصراع على ما يسمى بالمستعمرات... ومن ثم أدى هذا الشكل من الصراع الدولي إلى الحرب المدمرة التي اشتركت فيها معظم القوى الدولية آنذاك في حرب طاحنة استمرت خمسة أعوام.

اللعبة الدولية وعصبة الأمم:

بعد حرب النفوذ والصراع... وجدت الأمم المتصارعة أنه لا بد من إحداث هيئة عليا تشرف على تنسيق الأدوار بين الأمم. 

وبمعنى آخر.. تقسيم الأطماع فيما بينها وقلب الحال من صراع على النفوذ والاقتصاد الدولي إلى حالة من الوفاق تنسق القسمة بين الأطراف المتنازعة.. فكانت فكرة عصبة الأمم التي كان لليهود باع طويل في تأسيسها في جنيف لتكون حقبة ما بين الحربين فترة زمنية ينتقل فيها الصراع بين القوى الاستعمارية المتصارعة إلى صراع بين هذه القوى وشعوب العالم المغلوب. وكانت فعلا قسمة دولية بدأت بتركة الخلافة العثمانية في أوروبا وآسيا وأفريقيا.. فكان لكل دولة من الدول الطامعة قسم في التركة. ولعل خارطة العالم العربي وتقسيمها بين الإنكليز والفرنسيين الإيطاليين تعطي فكرة عن طبيعة التقسيم الذي وزعته الهيئة المسماة بعصبة الأمم. 

 ولن تنسى هذه العصبة لدى تقسيمها عالمنا العربي والإسلامي بين الدول الطامعة من جعل حصة اليهود «فلسطين الإسلامية» في القسم الذي أوكل إلى بريطانيا ريثما يتسنى لليهود تنفيذ مخططهم من أجل إعلان الدولة اليهودية على أرض المسلمين فيما بعد، وهذا يشير بوضوح إلى أن القوى اليهودية التي كانت متمركزة في عواصم الدول الاستعمارية لعبت دورها في اللعبة الأممية داخل أروقة عصبة الأمم في جنيف.

دور الأمم المتحدة في اللعبة:

واستمرت لعبة الاقتسام بعد الحرب العالمية الأولى في حالة من الوفاق حتى منتصف العقد الثالث من هذا القرن، حيث ظهرت ألمانيا من جديد تبحث عن مطمع لها بين المطامع، فقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الأولى منهزمة إلا أن العصر الهتلري أفاق بألمانيا على حلم المطامع من جديد.. وعاد الصراع ثانية بين الدول الكبرى، ومن ثم ظهرت محاوره على المسرح الدولي. الأمر الذي تمخض عن الحرب العالمية الثانية التي استمرت ما يقارب من خمس سنوات بيد أن الأمم الطامعة نفسها عادت إلى طرح فكرة الوفاق، ذلك الذي فشلت عصبة الأمم في توفير استمراريته.

فكانت فكرة إيجاد هيئة الأمم المتحدة، حيث دخلت فيها معظم الدول المستقلة سواء أكانت من الدول الطامعة أم كانت ممن يطمع به وتعد له العدة ليكون حجرا من أحجار اللعبة ولما كانت موجة الاستقلال من الاحتلال العسكري هي السائدة في الفترة بعد الحرب العالمية الثانية بين الشعوب بدأت الأمم المتحدة برفع شعار الاستقلال هذا ضمن لعبة جديدة تهدف إلى تحويل الصراع من الشكل العسكري بين الدول الغالبة والمغلوبة إلى شكل آخر من الصراع، وفعلا فقد انسحبت خلال العقد الخامس جيوش الاحتلال من معظم المستعمرات الدولية، وبدأت اللعبة في ظل الأمم المتحدة تتحول من صراع بين أصحاب النفوذ إلى حالة جديدة من الوفاق الدولي.

وفي هذه الأثناء ظهرت أمريكا كقوة دولية جديدة، بدأت بتقمص الشخصية الدولية المعتدلة.. وكانت «سان فرانسيسكو» هي مقر هيئة الأمم في بداية الأمر ثم أصبحت  «نيو يورك» هي عاصمة الأمم المتحدة فيما بعد، ومعروف أيضًا أن هذه البلدة الأميركية هي المدينة الأولى من حيث تجمع اليهود وأعدادهم وإمكاناتهم في مدن العالم كله. وبالفعل، فقد تمت عملية قسم العالم الطامع المستغل إلى قسمين أساسيين، وعلى الرغم من أن الصراع كان يمكن أن يشب بين كلا المعسكرين منذ البدء إلا أن المقررات الدولية التي وضعها هؤلاء لهيئة الأمم المتحدة تمكنت من ضبط مواطن الصراع بين المعسكرين ليتحول الصراع إلى وفاق غريب من نوعه.. وفاق على اقتسام مناطق النفوذ في العالم. فكانت بعد ذلك لعبة أمم جديدة. 

مواقع اللعبة الأممية

 إذا عدنا إلى سؤالنا المطروح عن معرفة هوية اللاعبين على المسرح الدولي، وربطناه بواقع الوفاق الذي حصل بين الدول الكبرى من ناحية وبالعناصر التي اتفق عليها هؤلاء لوجدنا أن اللعبة كانت تدول منذ اليوم الأول للصراع ومن ثم الوفاق على شيء أساسي هو «الاقتصاد العالمي وموارده»، ومن أجل هذا كان عالمنا الإسلامي بعامة, والعالم العربي بشكل خاص محطة رئيسية لحالتي الصراع والوفاق بين الأمم الاستعمارية ولا يزال هذا الواقع حتى الآن.

  • فالنفط، وهو حجر الأساس في المقدرة الاقتصادية للعالم المستعمر هو أبرز مواقع اللعبة بين الأمم، لذلك نجد دائمًا أن الامتيازات النفطية تبدو محكورة في كل مكان لجهة دولية معينة، فالنفط القليل الموجود في دول أوروبا الشرقية يستثمره العالم الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي وهذا لا يسمح للأمريكان أو الفرنسيين مثلا باستثماره وذلك بحسب قانون اللعبة التي تهدف في شكلها الأخير إلى إبعاد الدول المتنافسة عن حالة الصراع المدمرة، أما نفط الخليج مثلا فأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن للاتحاد السوفياتي حقًا في استثماره، لأن في هذا مخالفة لقانون لعبة الوفاق.
  •  والسلاح، وهو العنصر الفعال في اللعبة الدولية له دوره البارز في الابتزاز الاقتصادي لدول العالم. ولعل المراقبين لموقع السلاح في لعبة الأمم يعرفون أن كثيرا من الحروب الصغيرة نفذت في هذا العالم من أجل فتح الأسواق للسلاح وإلا فكيف نفسر موقف أميركا من بيع السلاح لكل من المغرب العربي وثوار الصحراء المغربية «جبهة البوليساريو». وهما جهتان متصارعتان وفق الشكل العسكري للصراع المحدود بين الأقاليم التابعة للقوى الكبرى ؟.. 
  • .والعمالة الدولية هي أيضا موقع هام من مواقع اللعبة الدولية، فلابد لكل القوى الكبرى من تنصيب الموالين لها على عروش الدول التابعة، وهذه حقيقة لا يختلف عليها أبدًا من يعلم حقيقة الانتماء بالعمالة وفق قانون الوفاق في اللعبة. ولعل «فيدل كاسترو» الزعيم الكوبي نموذج صارخ على موقع العمالة الدولية في اللعبة, وعلى الرغم من كونه أحد زعماء ما يسمى «بعدم الانحياز» فإنه واحد من أبرز عملاء الاتحاد السوفياتي في العالم.. جاء به السوفيات، ومازال الكرملين هو الكفيل بحمايته على عرش كوبا القريبة جدا من الولايات المتحدة الأميركية، وبالمقابل فإن اليابان بلد محكوم للاتجاه الأميركي في العالم، ويحرص حكام البيت الأبيض على استمرارية رجال الحكم في اليابان في أماكنهم...وهذا الموقع للعبة الدولية هو المفتاح الذي يلعب بالمواقع الأخرى «النفط والسلاح» 

بعد هذا يا ترى .. ماهي نتائج ما يسمى باللعبة الدولية؟

الإجابة واضحة... اقتسام مناطق النفوذ... استغلال موارد البلدان المستضعفة.. ضرب حركات التمرد التي يئست من أنظمتها بسبب عمالتها أو ضعفها في مواجهة اللعبة الدولية.. وبالتالي فإن اللعبة بعد حالة الوفاق قسمت العالم إلى قسمين.. الأول مستغل مستعمر والقسم الآخر مغلوب لا يملك من أمره شيئا.

المخرج من اللعبة الدولية:

 لعل هذا هو ما تبحث عنه الشعوب أكثر من الأنظمة، فالأنظمة المغلوبة التي يحاول محركو اللعبة استمرارها في تسيير شعوبها وضبطها لا تستطيع انفكاكا من قانون اللعبة وهي على هذه الوضعية، ومخرج هذه الأنظمة الوحيد هو التلاحم الكامل مع الشعوب.. التلاحم بين الحاكم والمحكوم على كافة الأصعدة وإذا كان شعبنا الإسلامي يعيش اليوم حالة صحية بعودته إلى دينه والتمسك به عقيدةً وفكرًا وسلوكًا وتشريعًا، فإن العودة إلى النظام الإسلامي يشكل حجر الأساس في خروج الأنظمة التي تحكم عالمنا المسلم من قانون اللعبة الدولية.

إن الشعوب الإسلامية باتت تعيش المأساة التي أورثتها الأمم الكبرى على كافة الأصعدة والجوانب، وهي تعلم الانفكاك من بوتقة الدول الغالبة إلا بالإسلام، وتعلم أيضا أن البعد عن تحكيم الشريعة الإسلامية في مرافق الحياة كافة هو الذي صنع مأساة هذه الأمة، ولن تعود لنا كرامة إلا إذا حققنا استقلاليتنا بالانفكاك عن مصالح الدول الكبرى وتشكيل القوة الإسلامية المستقلة التي تعتمد في أسبابها وبنيتها ونتائجها على مفهوم إسلامي متكامل وليعلم كل مسؤول أن كرامة الأمة لا تعود إلا بالإسلام!!

الرابط المختصر :