; التعليق الأسبوعي: عن أيِّ تضامنٍ يتحدثون؟! | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي: عن أيِّ تضامنٍ يتحدثون؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1978

مشاهدات 79

نشر في العدد 384

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 31-يناير-1978

بين الحين والآخر تطرح شعارات وترفع لافتات تدعو الأمة إلى التماسك ونبذ الخلاف وأبرز هذه الشعارات وأكثرها دورانا مع «الظروف الموسمية»:

- شعار: التضامن العربي.

- وشعار: رأب الصدع.

- وشعار: المرحلة التاريخية الحرجة التي تتطلب التكاتف ونبذ الخلاف.

ونحن- من ناحية مبدئية- لا نعترض على هذه الشعارات فليس هناك مسلم يسره تمزيق الأمة وتصديع بنيانها. 

ولو دعا أو تداعى العرب إلى حلف كحلف الفضول- مثلًا- لوجد منا هذا الحلف التأييد والدعم. 

لكن الشعار حين يطرح- في كل الظروف- ودون تحديد لمضمونه ودون بحث واعٍ وأمين عن أسباب الخلاف والتمزق يصبح وكأنه دعوة لصلح بين طرفين اختلفا على مطلع قصيدة للبحتري أو لأبي تمام.

أي أن الشعار يصبح من الهزال بحيث يبسط القضية تبسيطًا ينقلها من «العمق العقائدي والحضارة» إلى قشرة الخلافات الشخصية أو الخلافات الإقليمية الضيقة. 

إن المسئولية الفكرية ومروءة الرجال توجبان علينا تناول هذا الموضوع بصراحة ووضوح.

إن الخلاف ليس بين مصر وسوريا.. ليس بين السادات والأسد.. ليس بين منظمة التحرير ومصر، ولا بين السادات وعرفات.

إن الخلاف في جوهره وفي عمقه- بين:

  • كتابين: القرآن والتوراة.
  • وبين عقيدتين: الإسلام واليهودية.
  • وبين حضارتين: الحضارة الإسلامية والحضارة اليهودية.
  • وبين تاريخين: التاريخ الإسلامي والتاريخ اليهودي.
  • وبين عقليتين: عقلية تؤمن وتقتنع بسيادة القرآن والعقيدة الإسلامية والحضارة الإسلامية وعقلية تؤمن وتقتنع بسيادة التوراة والحضارة اليهودية.

هذا هو الخلاف في جوهره وعمقه وبعده، وحين تكون الدعوة إلى التضامن العربي «صمغا» يؤلف بين عقليتين متناقضتين فإن الفشل هو حليفها الأبدي.

إذن ما هو الفارق بين تضامن هش منوم سطحي وبين تضامن حقيقي قوى وعميق؟

إن الجواب على هذا السؤال مطلوب التفكير فيه من كل الذين يرفعون شعار: التضامن العربيّ.

لأن هذا الجواب نفسه يعبر عن تصورهم لهذا التضامن، والإجابة لا تحتاج إلى فلسفات مطولة؛ ذلك أن التضامن الهش المنوم السطحي يتمثل في جمع الأطراف المتنازعة في جو من الرجاءات وتبادل عبارات التأسف، يتلوه جو من التبسم الظاهري والمصافحة الحارة ولقطات من الصور-المتكاتفة- يتلو ذلك بيان يقول: إن اللقاء كان ناجحًا للغاية. 

أما التضامن الحقيقي فيتركز على «موضوع التضامن» بمعنى: هل هناك أمور وقضايا متفق عليها وينبغي من ثم أن ينعقد التضامن عليها؟

إن التضامن الحق لا يعفي أحدًا- كائنًا من كان- من مسئولية الصدع بالحق والالتزام به. 

فما هو الحق في هذا الصراع الدائر اللاهب؟ ولا بد من تحديد هذا الحق تحديدًا دقيقًا أمينًا حتى لا يصير كالماء الذي يتلون بلون إنائه. 

والحق في هذا الصراع يمكن ضبطه في هذه القضايا:

  • أولًا: إن الصراع بين هذه الأمة ويهود إنما هو صراع عقائدي من الدرجة الأولى.. صراع بين العقيدة الإسلامية والعقيدة اليهودية.

يؤيد ذلك دليلان قاطعان: 

-الدليل الأول هو: القرآن الكريم الذي يعرض الصراع بين المسلمين واليهود في صورة عقائدية مفصلة.

-الدليل الثاني هو: الواقع اليهودي في فلسطين المحتلة فالكيان الصهيوني يدير الصراع من وجهة نظر عقائدية دينية.

  • ثانيًا: فلسطين كلها إنما هي للفلسطينيين وهذه الحقيقة ينبغي أن تصاغ في بيان عام يدحض تاريخيًا بيان أو وعد بلفور.

إن المصريين يقولون: إن سيناء لنا.

 والسوريون يقولون: إن الجولان لنا. 

والسعوديون يقولون: إن نجد لنا.

 والكويتيون يقولون: إن الأحمدي لنا. 

والسودانيون يقولون: أن الأبيض لنا.

وهذا حق.

وحق مثله أن يقرر كل العرب أن فلسطين كلها للفلسطينيين.

  • ثالثًا: بما أن الصراع عقائدي في الدرجة الأولى فإن القدس هو رمز الصراع، ومن هنا يجب أن ينعقد الإجماع أو التضامن العربي على عودة القدس إلى المسلمين عبادة وسيادة.
  • رابعًا: لا تفريط في شبر واحد من سيناء والجولان فالتفريط في سنتيمتر واحد من سيناء والجولان ذريعة إلى التفريط في أرض الجزائر والمغرب والعراق والكويت وقطر والسودان والسعودية واليمن... إلخ.
  • خامسًا: إيقاف التدهور الذي نشأ في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، وأحسن وسيلة لإيقاف التدهور هي: تجميد الوضع على ما هو عليه الآن، فإن أسوأ كارثة تحيق بالعرب صياغة هذا التدهور في اتفاقيات سلام تقنن الانهيار وتجعله عملًا مشروعًا. 

ولا ينبغي الجزع من العودة إلى حالة اللا حرب واللا سلم؛ فهذه الحالة أنسب آلاف المرات من الدخول في مرحلة الذل المطلق. 

إن العجز عن الدخول الفوري في حالة حرب لا يبرر التعهد المطلق بعدم خوض الحرب، ولا يبرر تقييد إرادة الأجيال المقبلة وتضييع فرصتها في أن تحقق ما عجز هذا الجيل عن تحقيقه.

  • سادسًا: التضامن على تحريم الانفتاح على العدو وذلك لسببين جوهريين: سبب أن الوطن العربي في حالة حرب مع العدو وبما أن هناك التزامًا عربيًا سابقًا بعودة الأراضي العربية وعودة القدس وبما أن العدو يرفض ذلك رفضًا قاطعًا ويترتب على ذلك دوام حالة الحرب طبعًا؛ فإن الانفتاح عليه خيانة عظمى، وسبب أن هذا الانفتاح مدخل يهودي إلى الالتفاف حول المال العربي والنفط العربي الذي أخذ يؤثر في السياسة الدولية، ومن جانب آخر هو مدخل إلى التخريب الفكري والاجتماعي في أمة غير محصنة فكريًا واجتماعيًا. 
  • سابعًا: إن ذلك كله يقضي بالاستعداد الحقيقي والجاد للمواجهة والصراع.. الاستعداد على مستوى التنمية وعلى المستوى العسكري، وأهم من كل ذلك: الاستعداد على مستوى الإنسان الفرد الذي ينبغي أن يعاد تكوينه وصياغته بنفس الطريقة التي يكون بها اليهودي- مع حسبان الفارق بين اليهودي الحق والباطل.
  • ثامنًا: وهذا الاستعداد يظل نظريًا- إلى حد ما- حتى تلقي الدول الغنية بثقل حقيقي في الاستعداد للصراع. 

إننا ننادي بتخصيص مقدار معين من عائدات النفط يرصد لهذا الاستعداد المطلوب. 

وهذا المقدار ينبغي ألا يقل عن 5 بالمئة من الدخل السنوي من عائدات النفط.

وحتى لا تثار قضايا: الاستغلال وسوء استعمال الدعم وفضائح مؤسسات التسليح العربي يجب أن ينشأ جهاز رفيع المستوى- عسكري ومدني- يمثل أقطار المواجهة وأقطار الدعم يشرف ويدير هذه الأموال المرصودة في سبيل بقاء وعقيدة وعزة هذه الأمة، ولا معنى بعد ذلك لمقولات: تعبنا من الحرب والتضحيات فإن الأمم الحية لا تقسم تاريخها بين فترتين فترة النضال والتضحيات وفترة التمتع بالبروتين. 

تلك هي مقومات التضامن الحقيقي وهي مقومات تصرف حتى تصير تبعات والتزامات يتقاسمها الجميع بمسئولية الرجال وعزم المؤمنين الصادقين. 

هذا هو التضامن.. ولا نؤمن بتضامن لا يقوم على هذه الأسس؛ لأن كل شيء لا يقوم على أساس صحيح يواجه بمصير عاجل وهو: الانهيار الفاشل.

الرابط المختصر :