; رمضان شهر الانتصارات | مجلة المجتمع

العنوان رمضان شهر الانتصارات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981

مشاهدات 67

نشر في العدد 535

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 07-يوليو-1981

شهر الصيام يحمل للمسلمين في كل عام هجري ذكريات كثيرة.. وهو إلى جانب ما يحمله من ذكريات يحمل آفاقًا سامية للإنسان المسلم. ترتقي به من عالم الروح والطُّهر والعبادة فتطهر نفسه وتزكيها، وتغسل أدرانه فتصفو نفسه وتعلو عن حِطام هذه الدنيا الفانية. لذلك كان من أغراض الصيام الذي فرضه الله على المسلمين بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم (البقرة: 183). رفع النفس الإنسانية عن شهواتها المادية وتهيئتها لعظائم الأمور، وتعويدها الصبر والاحتمال؛ لذلك كان رسولنا الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- يصوم كلما هَمّ بغزوة من الغزوات توطينًا لنفسه الشريفة على احتمال ما يلاقيه في سبيلها، وتقربًا إلى الله تعالى بالطاعة وإرشادًا للمسلمين إلى سلوك سبيل الاستعداد لاحتمال الشدائد، لذلك كان شهر الصوم رمز التضحية والعزة والانتصار على النفس وعلى العدو معًا. ونحن إذا ألقينا نظرة فاحصة مُتأملة على مدى التاريخ لطالعتنا صورة باهرة آخَّاذة للانتصارات العزيزة التي أحرزها المسلمون في شهر رمضان، حتى لكأن هذا الشهر كان موسمًا للفتوح والانتصارات يترقبه المسلمون بمشاعر ظمأى، وقلوب مُتلهفة لإضافة جديد إلى انتصاراتهم وإقامة صروح شامخة للإسلام.

ولكن لماذا آثر المسلمون الأوائل أن يجعلوا من هذا الشهر مهرجانًا حاشدًا بالانتصارات، حافلًا بالفتوح؟ ولماذا اتخذوا منه وعدًا موعودًا لدك معاقل الشرك وزلزلة أركان الوثنية وإطفاء نار المجوسية وتنكيس إعلام الطغاة؟

لقد انتصر المسلمون على المشركين في معركتهم الأولي أيام الدعوة الأولى بقيادة رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- في معركة بدر، وكان يومها رمضان.. رمضان الذي شهد أول معركة حاسمة بين القلة المؤمنة والكثرة المُشركة الكافرة. وكان نصرًا مؤزرًا.. ثم شهد رمضان انتصارات أخرى للمسلمين كان أبرزها فتح مكة المكرمة.. كذلك فقد شهدت الحقب المتأخرة انتصار المسلمين على التتار في معركة الإسلام الشهيرة يوم عين جالوت.

 وإذا كان الأمر كذلك، فهل هناك من عوامل تربط بين الصوم والنصر؟!

إن كل ما تناهى إلينا من أخبار المسلمين الأوائل أنهم كانوا دائمًا منتصرين على نفوسهم، شاهرين عقيدتهم في وجه الشرك، وإنهم إذا دخلوا معركة يحِسُّون إحساسًا عميقًا أنهم يرمون عن يد الله ويستروحون عبير الجنة ويسمعون حفيف أجنحة الملائكة.. ومن ثم نصرهم الله في مواطن كثيرة، لأنهم جعلوا أنفسهم ميدانًا رحبًا للمعاني الإلهية والتعاليم المحمدية.. وأروع ما فيهم أن الأكاديمية العسكرية التي تعلموا فيها الحرب والسلام هي ساحة القرآن المباركة المبرورة.. كانوا إذا دخلوا معركة، وحرارة الجو من حولهم لاهبة واقدة.. أو مسهم القرح بعد معاناة أو أصابهم نصب بعد قتال يجدون في أنفسهم متاعًا وبهجة. لأن كل قطرة دم تسيل من أجسامهم إنما هي رصيد من العمل الصالح يعيده إليهم الله يوم القيامة رحمة ومغفرة.

هكذا كان المسلمون الأوائل يستقبلون شهر رمضان. موسم الجهاد للنفس والعدو، لا موسم ولائم وحفلات تزخر بأطايب الطعام والشراب.. وبهذا الفهم العميق لجوهر الإسلام ولباب مبادئه أكثر حقيقة ناصعة وهي أن مشقة الصوم لا تقعد بالصائم عن ممارسة أشق الأعمال، وإنما تدفعه إلى الاستزادة منها.

وفيما التفتنا اليوم إلى واقع المسلمين ترى هل نجده كواقع أولئك الأوائل؟ لا، فواقعنا اليوم يثير علامات الاستفهام، فعلى الرغم من أننا اليوم أكثر عدة وعتادًا وعددًا، إلا أننا نفتقر إلى عامل أساسي هام للنصر، ألا وهو الإحساس بروح الإسلام كأسلافنا الأوائل.

إن الإحساس بأن المشقة في سبيل الله.. وفي سبيل هذا الدين إنما هي زاد روحي أغلى من متاع الدنيا كله.. هذا الإحساس لم يعد هو الإحساس الشامل في المجتمع. فالكثير من أبناء المسلمين يستقبلون شهر رمضان الكريم بأسلوب يختلف عن أسلوب السلف الصالح؛ حتى صار شهر رمضان شهر الطعام والإخلاد إلى الراحة والتسلية ليمضي يوم الصائم دون أن يشعر بعناء الصوم ومشقة الامتناع عن الطعام والشراب.. كذلك صار شهر الصوم موسمًا من مواسم اللهو على شاشة التلفزيون التي تحتشد بما لا يخلو مما يُسيء إلى مطالب الصوم.. وكأن المطلوب في رمضان السكينة والدعة والاسترخاء والاستجمام فقط! وهنا يتوجب علينا أن نذكر إخواننا المسلمين بأنه ليس يوم الصائم إخلادًا للراحة، وليس ركونًا إلى الدعة

فالصائم إذا تأخر في تأدية ما وجب عليه ضاع منه الأجر.. وهنا نسوق قصة لأصحاب رسول الله.. ففي ذات يوم خرج نبي الأمة- عليه الصلاة والسلام- في غزوة فصام بعض منهم معه وأفطر آخرون.. وقام المفطرون بجمع الحطب وإعداد الطعام وجلب الماء والعناية بالخيل والإبل، وأقبل الليل وأفطر الصائمون. فإذا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «ذهب‏ المفطرون اليوم بالأجر» (رواه البخاري)، فكان درسًا بليغًا وتوجيهًا حكيمًا لكل من يقعده الصوم عما يجب عليه، فليس في الصوم كسل ولا خمول.

بعد هذا ماذا يترتب على المسلمين في شهر الصوم؟ وما الذي يجب عمله لإسباغ القدسية على هذا الشهر، وتطهير الساحة الإسلامية من الطفيليات التي نبتت فيها على مر العصور؟

إننا نطرح هذه الأسئلة على المسلمين، وعلى حكامهم أيضًا ونذكر بالآية الكريمة ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج: 41).

إننا نذكر بقول الله في هذه الآية، وندعو أولًا القائمين على أمور المسلمين في عالمنا المسلم إلى التأمل في سير الأوائل الذين عرفوا كيف يجعلون من شهر رمضان موسمًا للانتصارات لا مهرجانًا للاحتفالات والسهرات التي لا يرضى عنها الله ورسوله والمسلمون.

كذلك ندعو بعد أخذ العبرة من رمضان المجاهدين الأوائل لأن يكون رمضان موسمًا للجهاد في سبيل الله، فيه يعد المسلمون لعدوهم ما يرضي الله.. ليكون بعد ذلك رمضان شهر الانتصار على النفس وشهر الانتصار على العدو.. شهر الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر.

الرابط المختصر :