العنوان دعوها فإنها منتنة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980
مشاهدات 77
نشر في العدد 491
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-يوليو-1980
التعليق الأسبوعي
- الدعوة القومية مشبوهة المنشأ والهدف.
- أقليات طائفية وغير إسلامية رفعت شعار القومية لتفتيت العالم الإسلامي وفرض العلمانية.
- الدعوة القومية في العالم الإسلامي سقطت فكرة ومخططًا بعد هزيمة عام١٩٦٧.
- بعث الروح القومية من جديد يهدف إلى تقويض حركة الانبعاث الإسلامي..
- المنازعات فيما بين الدول القائمة على أساس قومي أقوى من النزاع فيما بينها وبين الدول القائمة على أساس غير قومي!
لم تكن للعرب في الجاهلية رابطة مشتركة، ولا وحدة سياسية، بل كانوا أشتاتًا متنافرين. أنهكتهم حرب عبس وذبيان، وداحس والغبراء... قانون آصرتهم الأساسي: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. وهذه حقيقة تاريخية.
في مثل هذا الجو أنزل الله رسالته على النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وما هي إلا سنوات معدودات فإذا بالعرب ينضمون تحت لواء واحد.. لا إله إلا الله، وإذا معيار التمايز بينهم هو أن أكرمكم عند الله أتقاكم. وبعد أن كانوا أشلاء ممزقة أصبحوا أمة عزيزة من خير الأمم.. وهذه حقيقة تاريخية كذلك، يشهد بها الأعداء قبل الأصدقاء والكفار قبل المؤمنين. وتأكدت وحدة العرب تحت لواء الإسلام لقرن ونصف من الزمان، وأصبح العرب والإسلام مادة واحدة.
كما أصبح المسلمون-أيًّا كانت عروقهم-أمة واحدة . وظل الأمر على هذا الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر للميلاد.
ومنذ ذلك الحين حاول أعداء المسلمين الذين يتربصون بهم الدوائر أن يفتتوا وحدة المسلمين. فاستخدموا شعار فرق تسد. وتنفيذًا لهذا الشعار ظهرت الدعوات الشعوبية والقومية والطائفية.
وكان أشد هذه الدعوات خطرًا على العالم الإسلامي هي الدعوة القومية.
واستطاعت قوى الاستعمار أن تحطم الوحدة الإسلامية، وحتى البلاد العربية بشعار القومية العربية، وآل حال العرب إلى الفرقة والتناحر والتنازع والتبعية كما هو واضح الآن في عرض العالم العربي.
ومع ذلك فإن دعوة القومية العربية قد وجدت من يحاول بث الروح والحياة فيها من جديد.
أنظمة عربية ترفع شعار القومية العربية، وتخلع على بعض مرافقها أسماء تراثية قديمة تعود إلى غابر أيام العرب ومراكز بحوث قد أقيمت لبعث الروح القومية، والدعوة للوحدة العربية على أساس قومي.
. مساجلات صحفية في هذا القطر أو ذاك، ودراسات حديثة عن القومية العربية والإسلام.. مظاهر كثيرة تدل على أن هناك حركة وتدبيرًا للنفخ في رماد القومية العربية.
فلماذا هذه الحركة وهذا التدبير وفي هذا الوقت بالذات؟!
. ولكي نكون على بيئة من الأمر، ونحكم بالعدل والموضوعية لابد من ذكر حقائق حول الدعوة القومية لم تعد خافية على أحد.
إن الفكرة القومية فكرة غربية عرفتها أوروبا في أسوأ فترات تاريخها، وإنها أسفرت عن صراعات دموية تعدى أثرها إلى العالم كله. وإنها كانت ثمرة من ثمرات الوضع الكنسي.
. والدعوة القومية في العالم الإسلامي لم تكن أكثر من تقليد أعمى للفكر الغربي، مع أن ظروف العالم الإسلامي لم تكن مماثلة لظروف العالم الغربي بأية حال من الأحوال. وكان الهدف من هذه الدعوة هو تقويض الخلافة الإسلامية المتمثلة بالخلافة العثمانية. وإحداث ثغرة في العالم الإسلامي .
. ومما يلفت النظر أن دعاة القومية العربية كانوا من الأقليات غير المسلمة، أو الطائفية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر. إذ لم يكن أمام هذه الأقليات من سبيل للبروز وتبوؤ مناصب قيادية في العالم الإسلامي إلا برفع شعار القومية.
. وكان هدف هذه الأقليات –هو إحداث ثغرة في العالم الإسلامي، وتقسيمه إلى دول علمانية.
يقول الدكتور زين نور الدين في كتابه نشوء القومية العربية ص ١٤٤«أما في الشرق العربي أثناء القرن التاسع عشر.. فقد كان الإسلام ولا يزال عميق الجذور، فلم تستطع الأفكار القومية الجديدة من الغرب أن تحدث ثغرة في الإسلام، بل استطاع الإسلام أن يقف في وجه كل محاولة للعلمنة.
والمسيحيون القلائل وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية تقوم على حدود جغرافية وطنية معينة، لا على أساس ديني ثيوقراطي.. لم تلق (أي هذه القلة) تعضيدًا ولا تشجيعًا من قبل غالبية سكان البلدان الإسلامية».
. وعلى أية حال فقد تمت المؤامرة الكبرى على العالم الإسلامي، فتم هدم الخلافة، وقامت دول على أساس قومي كانت مطية للاستعمار وخدمت أغراضه أكثر مما كان يتوقع .
. هذا هو إذن منشأ الفكرة القومية وهذا هو الهدف منها.
فهل يكفي هذا لكشف عوارها و بيان خطورتها؟ أم أن الأمر يحتاج لمزيد بيان؟
. إن كشف ظروف النشأة وأهداف الدعوة القومية بشكل عام، والقومية العربية بشكل خاص، يشكل أساسًا لفهم قصور هذه الدعوة. ويلقي ظلالًا من الشك حول جدواها ونتائجها، ولكن دعاة القومية استمروا في دعوتهم واستطاعوا – لأسباب عدة – أن ينشئوا أحزابًا، ويقيموا دولًا على أساس قومي فماذا كانت النتيجة؟!
. كما يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في كتابه نقد القومية العربية صفحة 10 ف«إن من أبرز ما يعلنونه و يطبقونه (أي دعاة القومية) فصل الدين عن الدولة، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع وإطلاق الحريات للنزعات الجنسية والإقليمية والمذاهب الهدامة »...
. والهدف الذي يزعم القوميون أنهم يناضلون من أجله وهو الوحدة قد فشل حتى الآن فشلًا ذريعًا. فالدول التي قامت على أساس قومي وصلت النزاعات فيما بينها إلى درجة فاقت مستوى النزاع بين الدول الأخرى القائمة على غير أساس قومي.
. ومنذ تفجر الدعوة القومية واستلامها للسلطة في أكثر من بلد عربي، جرت أكثر من إحدى عشرة محاولة للوحدة كلها منيت بالفشل الذريع، وبهزيمة عام ٦٧ سقطت دعوى القومية. ونفض الناس المخدوعون أيديهم منها.
. وتحت شعار القومية ناصر العرب قضايا دولية ليست في صالحهم بل هي ضد الإسلام في اليونان، وقبرص و باكستان والفلبين وأخيرًا في أفغانستان! . وهكذا فإن الدعوة القومية قد سقطت كفكرة ومخطط وبدأ الكثيرون يتطلعون إلى الطريق الصحيح الذي يجمع الشمل ويشفي من العلل ولم يجدوا-بعد تجربة كل الشعارات المصنوعة والمستوردة– سوى طريق الله .. الإسلام الذي يبني الأخوة والوحدة والقوة.
. وفي هذا الوقت بالذاتبدأت بوادر حركة لبعث القومية من جديد.
ولهؤلاء الذين ينفخون في الرماد نقول بكل إخلاص وصدق إن دعوتكم هذه، وإن زينتموها بشعارات الوحدة، أو العمل العربي المشترك، أو البعد عن محاور الصراع الدولي، أو بناء الذات العربي.. أو ما إلى ذلك من شعارات رنانة، فإن مصير دعوتكم محكوم عليهبالفشل منطقًا وفكرةً وواقعًا.
. فالفكرة القومية، فكرة عصبية ضيقة مآلها الفرقة والخلاف كما رأينا، والذين رفعوا لواء هذه الدعوة من الأساس إنما كانوا يشقون الصف الإسلامي و ليغطوا على مذاهبهم وأعراقهم ومآربهم!
. ونحن إذ ننبه إلى خطورة هذه الدعوة في الوقت الحاضر، فلا يعني أننا نقبل بفلسفة الدول القائمة حاليًّا في العالم الإسلامي والتي ترفع شعار الإسلام، أو بعض شعارات الإسلام. . بل المطلوب من المسلمين جميعًا، وفي طليعتهم العرب أن يعلنوا التوبة النصوح إلى الله وينبذوا كل دعوة أو فكرة أو نظام ليس من الإسلام، ويعملوا بالسرعة الممكنة على توحيد الأمة حول آصرة العقيدة وتحكيم الشريعة في جميع نواحي الحياة.
وفي المجال السياسي فلا بد من العمل الجاد أولًا على إبعاد العالم الإسلامي عن مناطق النفوذ واتخاذ الخطوات الجادة لتوحيد هذا العالم، واضعين ذلك فوق أياعتبار. إن محمدًا صلى الله عليه وسلم عندما بعث في العرب لم يرفع الراية القومية بل رفع راية لا إله إلا الله، وإن أمتكم هذه أمة واحدة.
وللذين يحاولون بعث القومية الجاهلية من جديد. نقول لهم كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأجدادهم عندما ثارت فيهم العصبية الجاهلية «دعوها فإنها منتنة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل