العنوان التعليق الأسبوعي.. المقبول والمرفوض في مؤتمر القمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1974
مشاهدات 130
نشر في العدد 224
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 05-نوفمبر-1974
بينما كان مؤتمر القمة العربي السابع يطوى ملفاته – 29/10/1974م - كانت ذكرى وعد بلفور - 2/11/1974م- تلقى كآبتها على الأمة، وتضغط بأنفاسها الظالمة -عبر أكثر من نصف قرن- على القرارات والتوصيات.
وبينما كان مؤتمر القمة العربي يطوى ملفاته - 29/10/1974م كانت ذكرى اندلاع ثورة الجزائر - 1/11/1974م - تطــــل - عبر عشرين عامًا- على الذين يظنون التحرر يأتـي هدية من موسكو، أو واشنطن، وتطل أيضًا على الذين يريدون الجهاد، ويحدثون أنفسهم به.
ذكرى وعد بلفور تبصر المؤتمرين بجوهر القضية، وأساس المشكلة «قيام كيان صهيوني في فلسطين المحتلة»، وتنذرهم بأن التهاون في هذه القضية ذريعة ضخمة إلى وعود أخرى باطلة يمنحها من لا يملك لمن لا يستحق في الخليج، أو الجزيرة، أو وادي النيل، أو بقية الشام، أو الشمال الأفريقي.
وذكرى ثورة الجزائر تلوح للمؤتمرين براية الجهاد وتبلغهم بأن الحق المنهوب لا يأتي إلا بالجهاد، وأن الكرامة المهانة لا يرد إليها اعتبارها إلا بدماء العزة والإيمان.
ففي أي الطريقين سار مؤتمر القمة؟ ولأي الذكريات أصغى؟
في البداية نلاحظ أن هناك قرارات لا اعتراض عليها مثل قرار دعم دول المواجهة بالمال، وقرار إنشاء صندوق للدعم العسكري، وقرار تعزيز القوى الذاتية العسكرية، وقرار تأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه، وقرار التفاهم بين المغرب، وموريتانيا على الصحـراء المتنازع عليها، وإن تكافح هاتان الدولتان معًا من أجل استرداد الصحراء من إسبانيا، وقرار استئجار جزيرة «دريم» -في مضيق باب المندب- من اليمن الجنوبية لمدة ٩٩ سنة لقاء ۲۰۰ مليون دولار.
ولكن لنا تحفظ على «إعلان» هذا القرار؛ ذلك أن الركائز الاستراتيجية لا يعلن عنها بهذه الطريقة، أو لا يترك الباب مفتوحًا لكــي تتسرب أخبارها هنا وهناك.
هذه قرارات ليس من العدل أن نرفضها، وبنفس منطق العدل هناك مواقف واتجاهات لا ينبغي قبولها ولا الموافقة عليها.
• كافة الخطوات التي تتم في إطار قبول قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ غير مقبولة.
إن کاردون الإنجليزي حين صاغ هذا القرار عام ١٩٦٧م كان يعبر بذلك –بعد خمسين عامًا الزمان– عن وعد بلفور، ويصوغه في فقرات تكرس الظلم والعدوان، وتطالب الدول العربية بالتوقيع على هذا التكريس الجديد.
قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ واضح الدلالة والمغزى، ودلالته ومغزاه الموافقة على نزوة أخذ أرض الغير بالقوة، ومغزاه أن لليهود الحق في تشريد أبناء فلسطين وسرقة بيوتهم ومزارعهم.
لقد طرح القرار معادلة في غاية التعقيد والالتواء بحيث ينتهي كل تفسير لها إلى دفن قضية فلسطين.
ولنسترجع بعض فقراته:
«يؤكد -مجلس الأمن- أن تنفيذ مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل، ودائم في الشرق الأوسط، وأنه يجب أن يشتمل على تنفيذ المبدأين التاليين:
أ- انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من الأراضي التي احتلت في القتال الأخير.
ب- إنهاء كل حالات الحرب، واحترام السيادة، ووحدة الأراضي والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، والاعتراف بها بالإضافة إلى حقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، ومعترف بها دون تهديد باستخدام القوة».
هذه الفقرات تبدو وكأن العدو شن حرب ١٩٦٧م ابتغاء تحقيق أهداف سياسية تتمثل -جوهريًا- في الاعتراف به، والصلح معه.
تقوم حرب يحتل فيها العدو أرضًا، ثم يطرح مقايضة عجيبة خذوا الأرض التي احتلت مجددًا، وأعطوني فلسطين!!
ولا نتجاهل أبدًا أطماع العدو الجغرافية إلا أن الكسب السياسي في هذه المرحلة مهم جدًا بالنسبة له.
إذن الموافقة على قرار مجلس الأمن إياه اندفاع في خط يحقق للعدو مكاسب سياسية مذهلة طالما حلم بها وتمناها.
• تواجه الأمة مشكلتين خطيرتين حادتين.
• تدفق السلاح الأمريكي على العدو.
• تدفق اليهود الروس على فلسطين المحتلة.
موقف المؤتمر لم يكن واضحًا من هاتين المشكلتين، فهو لم يعلن رأيه بصراحة فيها، وبالتالي لم يتخذ الخطوة الإيجابية لمواجهتها.
الروس يمدون العدو بالمقاتلين!
والأمريكان يجهزون هؤلاء المقاتلين بالسلاح!
إن إغماض العين عن هذا الواقع موقف مرفوض تمامًا، وليس صحيحًا أن يقال بأن المواجهة ينبغي أن تكون سرية ذلك أن المهاجرين الروس يتنقلون -بالمكشوف- من ميناء إلى أخرى، وتنقل وكالات الأنباء صورهم وتحركاتهم.
والسلاح الأمريكي عرفت أرقام تكاليفه، وصرح به مسؤولون أمريكيون، ومسؤولون يهود.
إنهم يؤذوننا علانية، فلماذا يكون رد الأذى سرًا، خاصة وأن هذه المشكلات تقلق بال الأمة، وتقض مضجعها
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: 58).
• إن المؤتمر بحث مظاهر الأزمة، ولم يتغلغل إلى جذورها.
فالهزائم المتلاحقة التي نزلت بالأمة، والتخلف الذي لفها في ظلامه والنقصان الذي منع حرب رمضان من المضي إلى أهداف أبعد، وإنجازات أكبر هذه الكوارث نتيجة لأزمة موجودة، وليست سببًا لها.
أما سبب الأزمة فهو الخواء العقائدي، والضلال الفكري، والنفاق السياسي، والمسخ الاجتماعي.
نعم: إن كل هزيمة تنزل بالأمة تعبير يكاد يكون تلقائيًا عن هذا الواقع المتخلف السيئ.
وبصراحة المؤتمر حاول أن يعالج المشكلة على السطح فحسب، حاول أن يعالج مرض القلب، واختلال الجهاز العصبي بحبة أسبرين!!
وستمشى الأمة بشعوبها، وزعمائها في طريق مسدود ما لم تجمع شمل عزمها، وتشب الوثبة الكبرى في بحث الأزمة من الجذور، ولا جدوى من بحث لا يقترن بتطبيق عملي.
ولعل تجميع أجزاء الصورة يعين القارئ على تصورها.
كانت هناك ثلاث قضايا رئيسية تقتضي أقصى درجات الاهتمام، والانتباه والمسؤولية.
• جوهر القضية الذي يقتضي رفض قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، أو الذي يقتضي اتخاذ موقف حاسم حازم ضد دفن القضية.
• الدعم الدولي -الروسي، والأمريكي- للعدو.
• جذور الأزمة الداخلية، والتصور الذاتي، والتصميم على الخروج منها، فهل تناول المؤتمر هذه القضايا؟
الجواب سلبي بمقتضى الحال.
الرابط المختصر :