العنوان التعليق الأسبوعي (العدد 425)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 25-ديسمبر-1978
مشاهدات 83
نشر في العدد 425
نشر في الصفحة 4
الاثنين 25-ديسمبر-1978
على هامش زيادة أسعار النفط
هل نحن بحاجة إلى زيادة أموال أم تخطيط..؟
اتفق وزراء الدول الأعضاء في منظمة «الأوبيك» الأسبوع الماضي على زيادة أسعار النفط بنسبة عشرة بالمئة تزداد تدريجيًا ابتداء من شهر «صفر» القادم، وبغض النظر عما تحمله هذه الخطوة التي يمكننا وصفها بأنها «جريئة» نوعًا ما، استطاعت بها دول «الأوبيك» أن تتخطى بعض الصعوبات الاقتصادية والسياسية التي صنعتها الدولة الاستعمارية في سبيل ضمان استمرارية تدفق النفط من الدول المنتجة إلى مصانعها وأجهزة الإنتاج فيها بأسعار تحفظ لها السيطرة الاقتصادية على الأسواق العالمية.
بغض النظر عما حملته تلك الخطوة «الجريئة» من فوائد نفسية تمثلت بإحساس الدولة النفطية أنها لا زالت تملك جزءًا من سيطرتها على ثروتها النفطية بعيدًا عن الضغوط الدولية الاستعمارية وفوائد اقتصادية تسترد بها تلك الدول بعضا من خسائرها الفادحة التي منيت بها في الأعوام الماضية نتيجة تذبذب سعر «الدولار» العملة الدولية للتعامل المالي وتدهوره تدهورًا خفض مداخيل الدول النفطية ملايين الدولارات في اليوم الواحد. وبغض النظر أيضًا عما أحدثته هذه الزيادة من شعور بالانتصار لدى صحافة ومسؤولي الدول النفطية وما أحدثته من ردة فعل عكسية عالمية ظهرت من خلال تصريحات الدول المستهلكة.
بغض النظر عن كل ذلك، فإنه يظهر لنا أن قضية النفط في الدول الإسلامية العربية على وجه الخصوص لا زالت تخلق نوعًا من الانفصال بين التفكير الواعي لقضايا ومشكلات الأمة وبين الواقع المر الذي تعيشه الأنظمة ومعها الشعوب بصورة تكرس انعدام الثقة وتزعزع القاعدة الشعبية للأنظمة الحاكمة مما يضطرها لاتخاذ خطوات أقل ما يُقال فيها إنها غير مدروسة للحفاظ على وجودها.
فالصراع السياسي الاستعماري على ثروات أرضنا وأهمها النفط بات يدفع الشعوب إلى مزيد من الرغبة في التحرر من السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأجنبية وبدأت الشعوب تشعر بالضيق والكآبة من تدهور الأوضاع وسيرها سيرًا يدرك كل ذي عقل أنه يؤدي إلى الهاوية ولكن إذا نظرنا إلى الواقع على مستوى الأنظمة التي تقود الشعوب لوجدنا:
- مزيدًا من الحكومات التي لا تعبر عن مصالح الأمة بقدر ما تعبر عن مصالحها ومصالح الأحزاب الشرقية أو الغربية التي تتبع لها.
- مزيدًا من التبعية والولاء سواء للولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي حتى تكاد أن تتحول أرضنا الإسلامية إلى ساحة مكشوفة للصراع الأمريكي الروسي على ثروات المنطقة وأهمها النفط.
- مزيدًا من الأبواب المشرعة للتغلغل الأجنبي في حياة المسلمين، ولعل في أحداث إيران الأخيرة تعبير واضح عما تشير إليه فالصحافة لا تتحدث اليوم عما سيفعله الشاه لمجابهة الوضع قدر ما تتحدث عما سيفعله الأمريكان أو الروس ولمن سيكون ولاء النظام الذي سيحل محل الشاه إذا قرروا ذلك!
مثل هذا التناقض بين ما تحسه الشعوب وتريده وبين ما تنساق إليه الأنظمة وتنفذه يكاد يتكرر مرة أخرى في قضية زيادة أسعار النفط، فالسؤال المهم الذي يطرح نفسه علينا بعد أن تزول مشاعر الانتصار عن أذهاننا هو: هل نحن بحاجة فعلًا لهذه الزيادة الكبيرة في مداخيلنا النفطية؟ هل نحن قادرون فعلًا على استثمار هذه الأموال وفق ما تمليه علينا مصلحة الأمة؟ هل هذه الزيادة ضرورية فعلًا؟!
في الندوة العلمية العالمية لمركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة المنعقدة في الفترة ما بين 29-31 يونيو سنة 1975م، خرج المؤتمرون بتوصيات تمثل نموذجًا من نماذج التفكير الواعي لاستغلال ثروات الأمة فقد انتهى المؤتمرون إلى:
- ضرورة الحفاظ على الاحتياطي النفطي لأطول فترة ممكنة دون الإسراف في استهلاكه وتحويله إلى أرصدة مالية معرضة إلى هزات ومخاطر فوضى السوق الرأسمالية العالمية. وضمان ذلك يتم عن طريق السيطرة الفعلية على هذه الثروة النابضة.
- ضرورة اتباع سياسة نفطية عربية موحدة على أساس السيطرة على جميع مراحل إنتاج النفط من تنقيب واستخراج ونقل وتوزيع وتكرير وتصنيع وجعله قطاعًا صناعيًا متقدمًا مرتكزًا لنمو وتطور بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى.
- أكد المؤتمر على ضرورة إعطاء النفط قيمته الحقيقية التي تبرر بيعه تتناسب وأهميته للحضارة العالمية.
- كما أكدوا على ضرورة اتباع سياسة حكيمة من شأنها ألا تؤدي إلى الحد من تحديد تحويل الثروة النفطية المتراكمة في تنمية الموارد الطبيعية والبشرية العربية كحجر أساس لوحدة اقتصادية عربية «هذا طبعًا على مستوى الدول العربية».
- ضرورة خلق الظروف الموضوعية الملائمة في الدول العربية المحتاجة إلى الاستثمار في مشاريع التنمية بما يجتذب الفوائض النفطية لاستخدامها في هذه المشاريع.
- ضرورة استثمار ما يفيض من عوائد النفط عن حاجة التنمية العربية في المشاريع المجزية لكل الأطراف في دول العالم الثالث.
والآن وبعد مرور أربع سنوات على هذه التوصيات، وعلى غيرها من العديد من الندوات والمحاضرات والكتب والمجلات التي عالجت مثل هذا الموضوع، أين نحن مما تقرر؟ هل استطاعت الأموال التي جنتها دولنا النفطية أن تحقق ما يصبو إليه كل من ينظر إلى هذه الثروة الحيوية بعين الاهتمام؟
لا شك أن الواقع يشير إلى أن الأنظمة لم تتقدم نحو مثل هذه التطلعات إلا بمقدار بسيط نسبيًا في عالم شرس يحسب مصالحه بالدقيقة والثانية، وإننا لم نجن خلال هذه السنتين إلا:
مزيدًا من الأموال المجدة في البنوك الغربية تحت أرقام سرية!
ومزيدًا من الاستثمارات الأجنبية التي تدعم الاقتصاد الغربي وتجعله قادرًا على التحكم الكامل بمصير أموالنا التي لديه، ولعل تحفظ بعض الدول النفطية من فرض زيادة في أسعار البترول عائد بالدرجة الأولى أن أكثر من 95% من استثماراتها موجود في الدول الغربية، وبالتالي فهي تخشى من غضبة تلك الدول.
ومزيدًا من التشتت والضياع بسبب فقر بعض الدول الإسلامية المدقع وغنى بعضها غنى فاحشًا.
إذن ألا يحق لنا أن نتساءل ما فائدة الزيادة التي أقرتها «الأوبيك» إذا لم نتحرك من الآن بنفس الحماس الذي قررنا فيه زيادة الأسعار إلى استثمار الأموال العائدة في تنفيذ خطط التنمية والتصنيع والتعاون بين الدول العربية والإسلامية.
ولماذا نستغرب إذا سمعنا أحد المسؤولين الأمريكان يصرح أن «هذه الزيادة لا داعي لها» ولم لا نأسى حينما نسمع أحد خبراء النفط في إحدى الدول الإسلامية وهو يأسف أن العالم لم يجد بديلًا لأننا بسبب عدم وجود البديل لن نعرف قيمة هذه الثروة الحيوية وبالتالي فسنستمر في تبذيرها.
ترى هل النفط من هذا الجانب أيضًا يشكل نوعًا من الانفصال بين عقل الأمة الواعي لقضاياها ومشاكلها وبين الواقع المر الذي تعيشه الأمة.
ترى هل تستطيع منظمة الدول العربية المصدرة للنفط «الأوابيك» أن تضغط أكثر على الأنظمة لتحقيق مزيد من التلاقي بين ما يراه المختصون وبين الواقع الذي نعيشه.
وترى هل يستطيع المعنيون أن يدركوا أننا لسنا بحاجة الآن إلى مزيد من الأموال تكدس في البنوك الأجنبية لتستخدم كسلاح ضدنا وضد بقية الدول الإسلامية قدر ما نحن بحاجة إلى تخطيط وتنمية لمصادر قوتنا وثرواتنا.
وترى هل نستطيع نحن أن نزداد يقينًا أن واقعنا «الجاهلي» البعيد عن الإسلام المليء بالتناقضات أسهم ولا يزال يسهم في حرماننا وإخواننا المسلمين في كافة بقاع العالم من كثير من النعم التي أفاء الله بها علينا.
إذا كان كذلك فنعم وإلا فإن مشاعر الانتصار التي حققها قرار «الأوبيك» ستنقلب إلى مشاعر أسى لدى الشعوب الإسلامية حينما يرون ثروة الأمة الإسلامية تحرق حرقًا وكأننا فعلًا لسنا بحاجة لها..!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل