; التعديلات الدستورية الأخيرة في مصر الدوافع والأهداف والمآلات | مجلة المجتمع

العنوان التعديلات الدستورية الأخيرة في مصر الدوافع والأهداف والمآلات

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1642

نشر في الصفحة 30

السبت 12-مارس-2005

هل تصبح مصر - كما يريد بوش- قاطرة تقود التحول الديمقراطي في المنطقة؟ لماذا فاجأ مبارك الجميع بطلب التعديل الدستوري؟ هل يرشح الرئيس نفسه للتجديد والتمديد لولاية خامسة أم يدفع بنجله جمال ليخوض الانتخابات أمام أشخاص يضمن فوزه أمامهم؟ لماذا يقتصر حق الترشيح على الأحزاب الرسمية فقط؟ ما خيارات الإخوان المسلمين؟ هل يرشحون أحدهم كمستقل أم يدعمون مرشحًا للقوى الوطنية أمام الرئيس مبارك الذي يرفض - حتى الآن - التفاهم معهم؟ «ويعتبرهم ملفًا أمنيًا».

أسئلة كثيرة حائرة في صدور المصريين والمراقبين أدى إليها خطاب الرئيس مبارك إلى مجلس الشعب والتي طلب فيها تعديل المادة «76» من الدستور والتي تتعلق بطريقة اختيار رئيس الجمهورية.

هل أصبح الإصلاح في مصر أبعد ما يكون! أم صار قريب المنال؟ هناك مشاهد مصرية تدل على ارتباك أهل الحكم: الرئيس وصف تعديل الدستور بأنه «باطل»، وأمين الحزب الحاكم وأمين لجنة السياسات يقران بإمكانية «مراجعة الدستور»، أحزاب المعارضة الرسمية تتخلى عن مطالبها وتخضع لصفقات مع الحكومة، والرئيس يفاجأ الجميع بطلب التعديل.

 

الإخوان المسلمون يربطون التعديل بالإصلاح وبإطلاق الحريات العامة وإلغاء حالة الطوارئ وانتخابات نزيهة لمجلس نيابي حر. تقدم الرئيس بطلب التعديل بعد أن استمع إلى طلبات صريحة من مفكرين مستقلين في لقائه بهم حول ضرورة الإصلاح ووصفهم بالتطرف وأصر على عدم إجراء إصلاحات حقيقية كعربون لولاية خامسة.

أحدث الأحزاب الرسمية المصرية يتعرض لحملة حكومية ظالمة.. القبض على أيمن نور رئيس حزب «الغد» والإجهاز على مستقبله السياسي.. إرجاء إصدار صحيفة «الغد» إلى أجل مسمى والضغط للإطاحة برئيس تحريرها الصحفي المشاغب الحر «إبراهيم عيسى». 

القبض على نائب رئيس الحزب عند عودته من الخارج وزرع الفتن داخل قيادات الحزب وتشجيع حملة استقالات من الأعضاء.

حركة «كفاية» الشعبية المصرية من أجل التغيير التي أصرت على تعديل الدستور تتعرض لمضايقات: منع مؤتمرها في أحد المسارح، والقبض على صحفي وناشطة في مظاهرة بمعرض الكتاب ثم اصطدامات بالأمن في مظاهرتها أمام جامعة القاهرة.

ارتكاريا رسمية «حكومة ومعارضة» من الرقابة الدولية على الانتخابات.

لم أجد أوضاعًا سياسية مقلوبة ويحيطها الغموض من كل جانب، كما أجدها عندنا، بحيث أصبح صعبًا على أي محلل أو متابع سياسي معارض للنظام أو مؤيد له أن يتفهمها ويحيط بأبعادها.

لقد توقعنا سنة عصيبة وثقيلة الوطأة في مصر عام 2005م بسبب الضغوط الخارجية والمطالب الداخلية، وذلك بسبب انتهاء الولاية الرابعة للرئيس مبارك والانتخابات البرلمانية والتكهنات الشديدة حول توريث الحكم لجمال مبارك والجمود الذي اعترف به أهل الحكم في النقابات المهنية.

كل ذلك يتم في أجواء دولية وإقليمية عاصفة هوجاء، فالرئيس بوش يكرر باستمرار في خطاب حالة الاتحاد وأمام الاتحاد الأوروبي، مطالبًا مصر بقيادة التحول الديمقراطي كما قادت مسيرة السلام والتطبيع مع العدو الصهيوني. 

والسودان في الجنوب يشهد تحولات دراماتيكية.. سلام في الجنوب وأزمة خانقة في دارفور وقلق في الشرق ومستقبل غامض.

وفلسطين يغيب عنها عرفات ويتولى أبو مازن.. وتحقق حماس نجاحًا كبيرًا في انتخابات البلديات وشارون يزور مصر لأول مرة ثم تونس ثم...

والعراق يشهد الانتخابات التي قاطعها أهل السنة ويتولى رئاسة الوزراء فيها زعيم حزب إسلامي شيعي هو الدكتور إبراهيم الجعفري - رئيس حزب الدعوة.

وفي لبنان يتم اغتيال الحريري. 

وسوريا يتوقع رئيسها بشار الأسد سيناريو قريبًا من أحداث العراق قد لا يكون وشيكًا كما يقول ولكنه قريب.. إنها الفوضى

في هذا المناخ الدولي تأتي خطوة مهمة صغيرة على طريق الإصلاح الطويل الذي يتنظره الجميع. 

ففي توقيت غير متوقع فاجأ الجميع، أصبح الرئيس مبارك حديث الناس.

فقد خاطب الرئيس مجلس الشعب ليعدل المادة 76 من الدستور لتتيح لأول مرة في الجمهورية المصرية اختيار الرئيس بواسطة الشعب مباشرة من بين متنافسين عديدين يحكم ترشحهم ضوابط عديدة قد تصل في النهاية إلى إفراغ الشكل الدستوري الجديد من مضمونه الحقيقي والجاد ألا وهو: الحق في الترشح لمنصب الرئاسة والتنافس الحر على كسب ثقة الشعب، والحق في عزل الرئيس إذا فشل في تحقيق وتنفيذ البرنامج الذي اختاره الشعب على أساسه.

أول ما يلفت الانتباه أن الرئيس استبق الجميع، فقد أعلن الحرس القديم بل والجديد في الحزب الحاكم أن طريقة الاستفتاء هي التي تناسب الشعب المصري والأوضاع القائمة، بل إن أحزاب المعارضة الرسمية سلمت في آخر جلسة للحوار بالتنازل عن مطلبها الرئيس طوال ربع قرن من الزمان لصالح استمرار الرئيس في الحكم بنفس الطريقة القديمة مقابل أي شيء!! هذا ما يستنتجه المراقبون ويتندر عليه المصريون.

كانت خطوة الرئيس وخطابه المكتوب للبرلمان، استجابة حقيقية لرغبة مصرية شعبية والضغوط الداخلية الضعيفة متمثلة في مظاهرات الحركة المصرية للتغيير والتي رفعت شعار «كفاية»، ويشارك فيها ممثلون لمختلف الطيف السياسي المصري خارج أحزاب المعارضة خاصة الناصريين واليساريين والإسلاميين واستجابة أيضًا للضغوط الخارجية خاصة الأمريكية الهائلة وللنصائح الأوروبية الهادئة بضرورة الاستجابة لمطالب الإصلاح.

بين الإخوان المسلمين كان هناك شعور بعدم جدية الضغوط وعدم استجابة النظام لها، لذلك أعلن المرشد أنه يرحب بتعديل دستوري ينال المواد المتعلقة بانتخاب الرئيس ومدة حكمه وصلاحياته «المواد 76، 77، 74» لذلك كان رد فعل الإخوان الترحيب بالخطوة والمطالبة ببقية التعديلات المطلوبة والمستحقة لتكتمل الخطوات الدستورية في هذا الشأن، وذلك بإنهاء حالة الطوارئ وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب، وانتخاب برلمان يعبر عن الإرادة الشعبية بضمانات حقيقة وحرية الإعلام، وتحديد مدد الرئاسة بمدتين فقط وعدم إطلاق صلاحيات الرئيس في انتهاك الدستور في ظل المادة 74.

 یلفت الانتباه ثانيًا أن النظام المصري ببيروقراطيته التي أدمنها وأصبحت تشكل سمة بارزة له أفرغ الخطوة الصغيرة المهمة من مضمونها ذلك بسبب الضوابط والقيود التي طالب بها والتي قد يزيد عليها البرلمان على الحق في الترشيح وعدم وجود ضمانات تضمن نزاهة الانتخاب وعدم استكمال الخطوة بالأهم منها وهو تحديد صلاحيات الرئيس وتحديد مدة حكمه بمدتين اثنتين لا ثالثة لهما.

إننا نعيش تعددية سياسية حزبية مقيدة مشوهة لا تسمن ولا تغني من جوع: 

أحزاب رسمية عبارة عن مقرات مهجورة وصحف غير مقروءة ومحاصرة - رغم ذلك - داخل الحجرات المغلقة، ولا يستطيع مواطن أن يعدد أسماء 3 منها.

 وقوى شعبية حقيقية تمتلك رصيدًا شعبيًا معقولًا ولها برامج واضحة لا تمتلك الرخصة القانونية ولا تستطيع مخاطبة الشعب بحرية وتتسلل إلى البرلمان بعدد من المقاعد عبر المستقلين يزيد عن أضعاف الفتات الذي تحصل عليه الأحزاب الرسمية بالتواطؤ مع الحزب الحاكم.

 مثال آخر وهو الإشراف القضائي على الانتخابات العامة، فقد كتب أحد القضاة في مجلة نادي القضاة مقالًا يعبر عن حقيقة ما حدث وهو تفريغ الإشراف القضائي من جوهره وحقيقته ألا وهو ضمان نزاهة الانتخابات وضمان تعبير المجلس النيابي المنتخب عن الإرادة الشعبية والقوى الموجودة على الأرض وليس عن إرادة النظام الحاكم.

ماذا كانت النتيجة بعد التهليل والزمر والتطبيل الذي ساد أجهزة الإعلام؟ قضاة محاصرون داخل المقرات الانتخابية لا يملكون السماح للمواطنين المحتشدين خارج المقرات.. ويحجزهم الأمن ليمنعهم من الوصول إلى الصناديق. 

ويخرج القاضي النزيه ليأمر الضباط بإزاحة المتاريس فلا يطيعون له أمرًا ويخشى على حياته أن يصيبها أذى كما حدث مع مراسلي وكالات الأنباء والصحف العالمية والقنوات الفضائية، فيعود من حيث أتى إلى جوار الصندوق يتحسر على الدور الذي أراد القضاة أن يحققوه لمصلحة المواطن ولصالح الوطن فإذا بهم يستخدمونه أداة لتزوير إرادة الناخبين!

إذن ما الذي تريده لتكون هذه خطوة مهمة صغيرة - ولكن على طريق الإصلاح الطويل نحن نرحب بها - بحيث لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين أو ثلاث مرات؟!

نريد من الرئيس أن يبدأ أولًا بتهيئة المناخ للإصلاح وللانتخابات بإنهاء حالة الطوارئ.. فكيف يأمن مرشح على نفسه إذا أراد الترشيح من الاعتقال أو المنع من السفر أو يضمن لنفسه حرية الاتصال بالناس وهم آمنون على أنفسهم؟! 

نريد من الرئيس أن يسمح بإلغاء قانون الأحزاب الحالي وأن يكتفي فقط بتسجيل الأحزاب في لجنة خاصة لا تملك حق المنح أو المنع، حينئذ يكون مفهومًا أن ترشح الأحزاب مرشحيها للتنافس على الرئاسة، وإلا إذا كان الرئيس الحالي يملك - عبر لجنة منع الأحزاب - حق الترخيص للأحزاب أو منعها، فهو بالتالي يملك تسمية من ينافسه في الترشيح، هل هذا إصلاح جاد وحقيقى؟!!

نريد من الرئيس أن يعيد النظر في حالة الإعلام المصري المملوك مائة بالمائة للدولة، فهل هناك حرية لمرشح للرئاسة أن يشرح للناس برنامجه حتى في ظل القيود الحالية على الحق في الترشيح، وهو الإعلام الذي ينطق بلسان الحزب الحاكم 23 ساعة ويسمح للمعارضة كل عام بساعة واحدة لتخاطب الشعب أثناء الانتخابات البرلمانية ويسمح للرسميين فقط ويحجب عن الشعب بقية المعارضة الحقيقية؟ 

الآن أمام هذا التطور المهم يتساءل الناس عن نية الرئيس في الترشيح أم أنه سيدفع بنجله «جمال» للترشيح مدعومًا منه متنافسًا مع نكرات لا وزن لها ولا قيمة ليحقق نجاحًا ساحقًا فيطبل الإعلام ويهلل لأول رئيس مصري يأتي عبر الانتخاب الحر المباشر وفي منافسة حامية شديدة في ظل الجمهورية؟

ويتساءل الشعب عن قدرة المعارضة الرسمية شبه الحكومية على مواجهة التحدي الرئاسي بعد أن فشلت في التحدي البرلماني؟

هل يمكن أن تتفق أحزاب المعارضة مع القوى الشعبية الجادة والحقيقية على الخروج من أسر النظام؟

ولا بد من الإشارة إلى خطورة أن يتم التمييز بين المصريين دون ضوابط موضوعية وحقيقية بخصوص الحق في الترشيح الموقع الرئاسة بحيث يكون للأحزاب الحق في تسمية مرشحها دون الحصول على توقيعات أو تزكية من النواب، بينما يحرم بقية الأفراد من هذا الحق وبذلك يطعن في دستورية الرئيس بسبب عدم تكافؤ الفرص، والمخرج من ذلك أن يتمكن كل من يحصل على توقيعات 25 – 50 ألف مواطن لهم حق الانتخاب من 10 محافظات مثلًا على نفس الحق، وبضمان ألا يتعرض هو ومن يعاونونه لأي ضغوط أو ملاحقات ومطاردات من الأمن، وذلك يعيدنا إلى ضرورة إنهاء حالة الطوارئ قبل الحديث عن أي تعديل دستوری.

لقد أثارت هذه الخطوة الصغيرة المهمة كل هذه التساؤلات وستكشف الأيام المقبلة عن النوايا الحقيقية للرئيس والنظام.

المتوقع أن تستمر الضغوط: خارجيًا وداخليًا لإجراء الإصلاح الشامل والكامل وليخرج المصريون من أسر نظام يوليو على نظام جديد يبنونه بأيديهم وجهادهم.

(*) منسق عام المؤتمر القومي الإسلامي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل