; التعاون التركي الروسي الإيراني بسورية.. هل يستمر؟ | مجلة المجتمع

العنوان التعاون التركي الروسي الإيراني بسورية.. هل يستمر؟

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-2019

مشاهدات 67

نشر في العدد 2127

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-يناير-2019

ما زالت تركيا مختلفة مع روسيا وإيران في الرؤية الرئيسة للأزمة السورية وسبل حلها

عام 2017م شهد 10 جولات مباحثات لكن عام 2018 شهد 3 جولات فقط دون نتائج ملموسة

تركيا أدركت أن الثقة بالتطورات الميدانية مجازفات غير محسوبة ولا يمكن الوثوق بوعود الحلفاء الغربيين

المصالح الإستراتيجية تربط بين أنقرة وموسكو كما لم يحدث في أي مرحلة تاريخية سابقة

 

بعد نحو سنتين من بدء مسار التعاون الثلاثي في سورية بين  تركيا وروسيا وإيران، ومع ارتفاع حدة المواقف الأمريكية من إيران على وقع العقوبات المتصاعدة عليها، ومع اقتراب الصراع المسلح في سورية من نهاياته؛ تبرز أسئلة مهمة حول مستقبل هذا الإطار الثلاثي ومدى حرص تركيا على استمراره من جهة، وقدرتها على إدامته من جهة أخرى.

يمكن العودة بالتأريخ لمسار التعاون الثلاثي في سورية إلى نهايات عام 2016م حين أُجلي مسلحو المعارضة السورية وعوائلهم من شرق حلب، كان الأمر عبارة عن تفاهمات أبرمت بين تركيا وروسيا، التي تَوَّجت مسار تطبيع العلاقات بين الطرفين بعد أزمة إسقاط المقاتلة الروسية «سوخوي 24» في نوفمبر 2015م.

بعد اتفاق شرق حلب، تدخلت مليشيات محسوبة على إيران ميدانياً لتعقّد تطبيقه، الأمر الذي أدى إلى فرض إيران نفسها عليه وعلى طرفيه، لينتهي المسار بإطار ثلاثي يجمع بين أنقرة وموسكو وطهران، ومباشرة بعد اتفاق شرق حلب، بدأ مسار أستانا الذي نُظّمَ فيه حتى اليوم 11 جولة مباحثات مستهدفاً تحقيق وقف إطلاق نار شامل في عموم الأراضي السورية تمهيداً للحل السياسي، وبعد نحو سنتين من بدء هذا المسار، يبدو الإطار الثلاثي متماسكاً بشكل كبير، ولربما قدم نفسه -أو قدمته روسيا على الأقل- بديلاً عن مسار جنيف السياسي لحل الأزمة السورية.

في البحث عن أسباب الانعطافة التركية نحو روسيا وإيران، بعد أزمة إسقاط المقاتلة الروسية واحتمالات المواجهة مع موسكو من جهة، والتراشقات الإعلامية والسياسية مع إيران وانتقاد «سياساتها المذهبية والطائفية» في المنطقة عام 2015م من جهة أخرى، يمكن القول: إن ذلك كان نتاج تفاعل عدة أسباب؛ فالتدخل الروسي في خريف 2015م قلب كافة الموازين في الأزمة السورية، ما ساهم في تبدل الموقف الميداني بشكل كبير جداً بالنسبة لقوة ونفوذ ومناطق سيطرة كل من النظام والمعارضة.

كما أن التحديات التركية الداخلية وفي مقدمتها المحاولة الانقلابية الفاشلة والتوترات الخارجية خصوصاً مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية فرضت على أنقرة مراجعة سياستها الخارجية، وبدء مرحلة كان شعارها «تكثير عدد الأصدقاء وتقليل عدد الخصوم» مع حكومة «بن علي يلدريم» في عام 2016م، يضاف لذلك بكل تأكيد تجاهل حلفاء أنقرة الغربيين لمصالحها وتحفظاتها وهواجسها الأمنية في سورية وخصوصاً ما يتعلق بمشروع الفصائل الكردية الانفصالية على حدودها الجنوبية، وكذلك المصالح الاقتصادية الواسعة مع كل من إيران وروسيا لا سيما في مجال الطاقة.

مكاسب تركية

لا يمكن القول: إن مسار التعاون والتفاهم مع روسيا وإيران قد قرب تركيا من وجهة نظرهما في الأزمة السورية، أو العكس، فقد بقيت أنقرة مختلفة معهما في الرؤية الرئيسة للأزمة وسبل حلها، فضلاً بالتأكيد عن الاصطفافات مع/ضد الفواعل المحلية، لكن هذا المسار -رغم هذا الخلاف القائم والمستمر– منح أنقرة عدة مكاسب لا ينبغي الاستهانة بها.

فقد تخلل هذا المسار 11 جولة مباحثات في أستانا وسوتشي وعدة قمم ثلاثية بين الأطراف الضامنة واتفاق سوتشي بخصوص إدلب من جهة، وعمليات عسكرية تركية ناجحة ضد مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في مقدمتها “درع الفرات”، و”غصن الزيتون” من جهة أخرى. 

في محصلة كل ذلك، أمنت تركيا تواجداً عسكرياً مباشراً لها على الأراضي السورية، وكسبت مكانة ودوراً أفضل في القضية السورية، واعتراف مختلف الأطراف بمصالحها ودورها وما يحفظ أمنها القومي وفي مقدمتهم روسيا والولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن تحولها لضامن رئيس في مسار أستانا والفاعل الأهم في الشمال السوري، ما عظّم أوراق قوتها بشكل غير مسبوق خصوصاً إذا ما أضيف لذلك ملف اللاجئين والعلاقات الجيدة مع الفصائل السورية المعارضة السياسية والمسلحة.

على مدى الشهور القليلة الأخيرة، تباطأ مسار أستانا إلى حد كبير، فبعد أن شهد العام 2017م عشر جولات مباحثات، لم يشهد العام 2018م إلا ثلاث جولات فقط آخرها قبل أسابيع قليلة، ودون نتائج ملموسة أو اختراقات حقيقية. 

كما أن تجاوز القضية السورية لفكرة الحل العسكري الحاسم لصالح أحد الطرفين، ولفظ مشروع ما يسمى بـ”تنظيم الدولة” أنفاسه الأخيرة تقريباً في المنطقة، وغيرهما من التطورات المهمة على الساحة السورية، كل ذلك قلل من أهمية التفاهمات على الخطوط العريضة وعظّم من خطورة التفاصيل الخلافية بين مختلف الأطراف، بنتيجة ذلك، مثلاً، ظهرت إدلب كملف خلافي بين أنقرة وموسكو حيث ما زالت الأخيرة ترى في اتفاق سوتشي بخصوصها تهدئة مؤقتة لا تنفي ضرورة عودة سيطرة النظام على المحافظة قريباً.

إعلان الولايات المتحدة عن إستراتيجيتها في سورية التي تتضمن البقاء طويلاً على الأراضي السورية ورفض أي وجود عسكري للقوات الإيرانية هناك، بالإضافة لمسار العقوبات المتصاعدة واللهجة الأمريكية الحادة تجاه طهران؛ يفرضان على أنقرة ضغوطاً تتعلق بعلاقاتها مع الأخيرة، صحيح أن واشنطن قد ضمت تركيا لقائمة الدول المستثناة من المشاركة في العقوبات الاقتصادية على إيران، إلا أن ذلك يُقرأ فقط من زاوية عدم الإضرار بالاقتصاد التركي، وكذلك من زاوية الحرص على علاقات جيدة وتعاون أفضل من أنقرة في المسار العام ضد طهران على حد سواء.

الدفء الذي سرى في أوصال العلاقات التركية - الأمريكية كان قد سبقه تقارب تركي - أوروبي على خلفية الأزمة مع واشنطن وتوافق الرؤى والمواقف من مصير إدلب وملف اللاجئين وبعض الملفات الإقليمية الأخرى؛ وهو ما وضع علامات استفهام حول مستقبل التعاون التركي مع كل من روسيا وإيران في سياق ما يبدو أنه تراجع ملحوظ للأسباب التي دفعت لهذا التعاون ابتداءً.

دروس مستفادة

بيد أن تركيا بدأت تدرك أن الثقة بالتطورات الميدانية الأخيرة تعد من المجازفات غير المحسوبة؛ حيث إن الدرس الأول المستفاد من القضية السورية هو عدم ثبات الأوضاع الميدانية على حال في سياق يبدو كالرمال المتحركة حرفياً، من جهة أخرى، تعلمت أنقرة على مدى السنوات القليلة الأخيرة أنه لا يمكنها الوثوق تماماً بوعود الحلفاء الغربيين، فضلاً عن أن الوجود الإيراني في سورية -ومن باب أولى الروسي بالتأكيد- لا يبدو مؤقتاً ولا عابراً وفق المعطيات الحالية.

أكثر من ذلك، ما زال الشك والريبة السمتين البارزتين في العلاقات التركية - الأمريكية رغم التصريحات الإيجابية وبعض التطورات الميدانية والسياسية المتناغمة، وما زالت المصالح الإستراتيجية تربط بين أنقرة وموسكو كما لم تفعل في أي مرحلة تاريخية سابقة، بدءاً من المشاريع الاقتصادية العملاقة مثل مشروع “السيل التركي” للغاز الطبيعي، ومحطة “أك كويو” للطاقة النووية، وليس انتهاءً بصفقات السلاح الإستراتيجي وفي مقدمتها صفقة “S400” الصاروخية الدفاعية.

يضاف لكل ما سبق، التقاء تركيا مع كل من إيران وروسيا في رفض التواجد الأمريكي العسكري طويل الأمد في مناطق شرق الفرات، حيث تتعاون مع قوات سورية الديمقراطية التي تصنفها أنقرة على قوائم الإرهاب.

وعليه، ما زال خيار تركيا محاولة التوازن قدر الإمكان بين الشرق والغرب، أو بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بل لعله قدرها المفروض عليها فرضاً بسبب موقعها وعلاقاتها والمتغيرات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة ونزوعها نحو استقلالية المواقف، ذلك أن تعدد محاور السياسة الخارجية والعلاقات الجيدة مع مختلف الأطراف يمنحان السياسة الخارجية التركية الكثير من المرونة والاستقلالية وفرص اللعب على وتر الخلافات وفي المساحات الرمادية.

يفرض ذلك على أنقرة ألا تنحاز تماماً إلى أي من الطرفين، وأن تحافظ قدر الإمكان على علاقات متوازنة بينهما، ولذلك نجدها حريصة على ترطيب الأجواء مع واشنطن رغم كل ما سبق، ولذلك أيضاً فمسار تعاونها مع روسيا وإيران في سورية وبدرجة أقل في قضايا إقليمية أخرى مرشح للاستمرار بل وربما التطور والتعمّق أكثر فأكثر حسب تطورات الأحداث.

الرابط المختصر :