العنوان التطور والثبات في الفقه الإسلامي.. الجزء الثالث والأخير
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979
مشاهدات 81
نشر في العدد 427
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-يناير-1979
6- فهم التابعين للتطور والثبات في الفقه:
التابعون هم تلاميذ الصحابة، وحاملو آرائهم واجتهاداتهم، وإن المتتبع لاجتهاداتهم يجدها لا تخرج عن دائرة تفكير الصحابة، ولذلك فإني سأكتفي بعرض فهم إمام أئمة التابعين في الفقه لمفهوم التطور والثبات في الشريعة الإسلامية، ذلك هو إبراهيم بن يزيد النخعي، حامل علم عبد الله بن مسعود حتى قال عنه سليمان بن مهران الأعمش: إذا رأيت علقمة فلا يضرك ألّا ترى ابن مسعود، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك ألّا ترى علقمة، وكان إبراهيم تلميذ علقمة بن قيس النخعي، وكان علقمة تلميذ ابن مسعود.
ولما مات إبراهيم قال عامر بن شراحيل الشعبي: مات اليوم أفقه الناس، فقيل له: أفقه من الحسن البصري؟ قال: أفقه من الحسن، ومن في الشام ومن في الحجاز.
وسنعرض فهم إبراهيم النخعي للتطور والثبات من خلال نظريته في الإيلاء. يعرّف الفقهاء الإيلاء بقولهم: «الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر»، ونلاحظ أن هذا التعريف يحوي ثلاثة عناصر: الأول: الحلف، والثاني: ترك الوطء، والثالث: المدة.
ونحن لو استقرأنا فقه إبراهيم النخعي[1] متلمسين هذه العناصر الثلاثة فيه لوجدنا أن فهم النخعي لهذه العناصر الثلاثة مرتبط تمام الارتباط بالهدف الذي شرعت من أجله أحكام الإيلاء.
أما العنصر الأول - الحلف:
فإن النخعي لا يشترط فيه أن يكون بالله تعالى، ولا باسم من أسماء الله ولا بصفة من صفاته، بل يكفي أن يحلف بأي يمين يلزمه فيها حق، لتحقيق المنع بهذا اليمين، لما فيه من مشقة القيام بهذا الحق الذي لزمه، وعلى هذا فإنه لو حلف بالطلاق، أو بالعتاق، أو بصوم غير واجب عليه أو بصدقة غير واجبة لكان موليًا؛ لأن المقصود من اليمين حصول المنع به، وقد حصل المنع فعلًا، ولذلك كان مولًيا بهذه الأيمان.
أما العنصر الثاني- ترك الوطء:
فإننا نرى النخعي يتوسع فيه توسعًا كبيرًا، لأنه نظر في الغاية من ترك الوطء، فوجدها «الإضرار بالزوجة» فأخذ هذه الغاية وجعلها المدار الذي يدور الحكم في فلكه، دون الالتفات إلى اللفظ الذي يتلفظ به الرجل، سواء كان ترك الوطء أو غيره، ولذلك يقرر النخعي أنه إذا حلف ليسوء من زوجته، أو لا يكلمها، أو ليغيظها، كان موليًا، لأنه إن كان في ترك الوطء إضرار بالزوجة، فإن في ترك تكليمها ضررًا أكبر، وكذلك في إساءة عشرتها، ونحو ذلك.
أما العنصر الثالث - المدة:
وهي أربعة أشهر، فإن النخعي يفهم هذه المدة في الإيلاء فهمًا ضمن إطار الهدف العام من تشريع أحكام الإيلاء، فلا يشترط ذكر هذه المدة - أربعة أشهر - بل يكفي في ذلك أن يحلف الزوج على ترك الوطء أو الإضرار ، وينفذ ذلك عمليًّا من أجل هذا الحلف، فإن الذي يريد النخعي رفعه إنما هو الأثر وهو ترك الوطء أو الضرر الحاصل بالحلف، ولذلك كان ذكر المدة لا قيمة له عنده، وعلى هذا فإنه لو حلف لا يقربها الليلة، فتركها أربعة أشهر ليمينه كان موليًا.
وبمضي الأربعة أشهر يقع الطلاق بائنًا دون حاجة إلى تطليق الزوج، لأن الزوج قد يرفض الطلاق، وإن التماسه منه أو إجباره عليه قد يتطلب أيامًا أو شهورًا، وهذا يعني استمرار الإضرار الواقع على الزوجة طيلة هذه المدة، وانطلاقًا من هدف رفع الضرر عن المرأة الذي هو هدف تشريع أحكام الإيلاء. فإن النخعي يرى وقوع الطلاق بمضي المدة دون حاجة إلى تطليق الزوج.
ويقع الطلاق بذلك بائنًا؛ لأن الضرر لا يرفع إلا به، لأن الزوج المُولي- إن لم نقل بوقوع الطلاق بائنًا- يستطع أن يراجعها ما دامت في العدة، وبذلك يعود إلى إضراره لها، وبذلك تكون الشريعة لم تنجح في رفع الظلم الواقع بالمرأة من الإيلاء.
مما تقدم نلاحظ:
أن النخعي كان يجري أحكام الإيلاء متلمسًا روح الشريعة وهدفها العام الذي تهدف إليه من تشريع أحكام الإيلاء، وهو رفع الضرر النازل بالمرأة، وللوصول إلى هذا الهدف كان لا بد من تجاوز بعض الشكليات الفقهية التي تقف حائلًا دون ذلك، والتي تمنع من إمعان السير، وسرعة الوصول إلى الهدف المرسوم.
7 - فهم الأئمة المجتهدين للتطور والثبات في الفقه:
يقول الله تعالى في القرآن العظيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29).
لقد وضعت هذه الآية الكريمة الأساس الأول في المعاملات التجارية، وذلك أنه إذا ما تم التراضي بين المتبايعين وانتفى الضرر فليبع الإنسان لمن شاء، وليشترِ ممن شاء وبالسعر الذي يشاء.
وكأن الإمام مالك - رضي الله عنه - نظر إلى هذه الآية الكريمة فوجد أن الهدف منها هو: تحقيق مصالح المسلمين بمنحهم تلك الحرية في التعاقد، ولكن إذا ما انقلبت هذه الحرية إلى وسيلة للإضرار بالمسلمين في نوع معين من أنواع التعامل التجاري وجب تقييد هذه الحرية في ذلك النوع من التعامل.
لقد وجد الإمام مالك - رضي الله عنه - ما يلعبه التاجر الوسيط- وهو الذي يدخل بين المنتج والمستهلك دون أن يكون له أي أثر في السلعة تصنيعًا أو تحسينا أو نقلًا إلى بلد آخر- من رفع أسعار السلع على المستهلك، مثلًا:
أنتج أحدهم قمحًا، فأتى به السوق فاشتراه منه تاجر بألف، ثم لم يلبث أن باعه كما هو إلى تاجر آخر في نفس البلدة بألف ومائة، ثم لم يلبث التاجر الثالث أن باعه كما هو إلى تاجر رابع في البلدة نفسها بألف ومائتين، ثم باعه التاجر الرابع كما هو إلى المستهلكين بألف وثلاثمائة.
إن هؤلاء التجار الوسطاء بين المنتج والمستهلك لم يكن لهم أي أثر في القمح، فهم لم يطحنوه، ولم يعزلوا صغار حبه عن كباره، وكانوا سببًا في رفع السعر على المستهلك دون أن تتداوله أيديهم، ولو أنه انتقل من المنتج إلى المستهلك دون وسطاء لوصل إليه بسعر ألف ومائة بدلًا من أن يصل إليه بألف وثلاثمائة.
ولمّا كان للتاجر الوسيط هذا الدور أحيانًا في إغلاء السعر فقد رأى الإمام مالك -رضي الله عنه - منع التاجر الوسيط من ممارسة دوره في إغلاء السعر على المستهلك، وعلى الدولة الإسلامية أن تشرف على تنفيذ ذلك.
فقد سئل - رحمه الله تعالى - عن الطحانين يشترون الطعام- الحنطة- يغلون بذلك أسعار الناس؟
فقال: أرى أن كل ما أضر بالناس في أسعارهم أن يمنعه الناس، فإن أضر ذلك التعامل بالناس منعوا منه.
قال ابن رشد موضحًا رأي الإمام مالك رضي الله عنه: أما شراء أهل الحوانيت الدقيق من الجلاب- المنتجين- وبيعه على أيديهم من الناس، وشراء الطعام وبيعه على أيديهم غير مطحون - فلا وجه من الفرق في ذلك لعامة الناس- فينبغي أن يمنع من ذلك إن كان فيه تغلية للأسعار، ويباح إذا لم يضر ذلك بالأسعار.[2]
أقول: وهذا هو المعنى الذي قصده رسول الله بقوله «ولا يبيع حاضر لباد» قيل لابن عباس: ما قوله «لا يبيع حاضر لباد»؟ قال: لا يكون له سمسارًا[3] لأن في ذلك رفع تكاليف المبيع، وفي ذلك ما فيه من رفع السعر على المستهلك.
8 - فهم الفقهاء المتأخرين للتطور والثبات في الفقه:
سنعرض عليك فهم فقيه يعتبر بحق خاتمة الفقهاء المتأخرين ذلك هو الفقيه الحنفي محمد أمين بن عابدين، صاحب حاشية رد المختار على الدر المختار التي اعتبرها العلماء نافذة الفقه الحنفي، حيث جمع فيها فأوعى، وحرر ونقح، جزاه الله خيرًا.
ولنأخذ مثلًا على ذلك نظرته إلى آلات اللهو التي ورد النهي عنها على لسان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في طائفة من الأحاديث الشريفة، وإن هذه الأحاديث وإن كانت لا تخلو من مقال، إلا أن بعضها يعضد بعضًا، فيطمئن القلب إليها.
إن ابن عابدين لا ينظر إلى آلات اللهو والموسيقى على أنها قطع من الخشب أو المعدن صنعت بشكل معين، ولكنه ينظر إليها كأداة يجتمع عليها الفساق، فيشغلون بها عن أداء الواجبات، أو اقتحام الموبقات، وما كان هذا شأنه فهو نهى عنه، ورد له ذكر في النصوص الشرعية أو لم يرد، وما لم يكن كذلك فلا نهى عنه، قال ابن عابدين: «أقول هذا يفيد أن آلة اللهو ليست محرمة لعينها، بل لقصد اللهو منها، إما من سامعها أو من المشتغل بها، وبه تشعر بالإضافة- أي إضافة الآلات إلى اللهو- ألا ترى أن ضرب تلك الآلة بعينها حل تارة وحرام أخرى باختلاف النية؟ والأمور بمقاصدها».[4]
8 - وصفوة ما أريد أن أقوله في نهاية المطاف:
إن الأهداف التي رسمتها الشريعة الإسلامية للأحكام تتركز في المصلحة العليا للأمة والأحكام الفرعية تعتبر صحيحة ما حققت هذه الأهداف، فإذا ما حدث ظرف ما، وفشلت الأحكام في تحقيق الأهداف، يجري تطويرها ضمن أصول الشريعة ومناهجها في البحث بشكل يحقق هذه الأهداف.
وقد رأينا كيف أن الصحابة والتابعين والفقهاء قد فهموا أحكام الشريعة على هذا الأساس.
وبذلك نقول لرجال السياسة والقانون: تحرروا من رواسب خلفتها في بلاد المسلمين ظروف معينة، وافتحوا صدوركم للشريعة الإسلامية، ومدوا أيديكم إليها، فإنها الكفيلة بتحقيق المصالح العليا لأمتنا إذا صفت النفوس، وخلصت النيات لله عز وجل.
[1] انظر كتابنا «موسوعة فقه إبراهيم النخعي» مادة: إيلاء.
[2] تحفة الناظر ص 129.
[3] الحديث متفق عليه، أخرجاه في كتاب البيوع، باب يبيع الحاضر البادي.
[4] حاشية ابن عابدين 5/223
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل