العنوان التطور والثبات في الفقه الإسلامي
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الاثنين 25-ديسمبر-1978
مشاهدات 126
نشر في العدد 425
نشر في الصفحة 38
الاثنين 25-ديسمبر-1978
1- الحياة حامل، ولكنها حامل من نوع خاص، إنها تلد في كل ساعة مولودًا جديدًا، وهذا المولود الجديد قد يشابه أحد أجداده الذين ولدتهم الحياة قديمًا، وقد يكون متميز الخلق، لا يشابه أحدًا من أسلافه، فمواليد الحياة لا تتناهى.
وبدهي أن أعني بتلك المواليد «الحوادث» وبدهي أيضًا أن أعني بما ضربته من مثال: أن الحياة الإنسانية لا تستقر على حال، بل هي في تبدل دائم، أعني: في تطور دائم.. تطور في العلاقات الاجتماعية وتطور في العلاقات السياسية، وتطور في الفاعليات الاقتصادية، وتطور في العادات والأعراف.. وتلك مسلمة لا جدال فيها.
2- نزلت شريعة الله تعالى «الإسلام» على قلب محمد صلى الله عليه وسلم في نصوص، سواء كانت هذه النصوص آيات قرآنية كريمة، أو سُنّة مطهرة شريفة، وهذه النصوص هي نصوص معدودة –قلت أو كثرت، ونصوص الأحكام لا تتجاوز في أحسن أحوالها ثمانمائة نص، وإذا كانت النصوص معدودة، فالأحكام التي تحملها تلك النصوص هي أحكام معدودة محدودة حتمًا.. وهذه مسلمة لا جدال فيها أيضًا..
2- والسؤال الآن: إذا كانت النصوص معدودة محدودة والحوادث التي تتمخض عنها الحياة غير محدودة، فكيف تستوعب تلك النصوص حوادث الحياة غير المحدودة؟
إن هذه النصوص الثابتة لا بد وأن تحمل في كيانها روح التطور الذي يجعلها مواكبة لمسيرة الحياة، ومتطورة بتطورها، تمدها بالأحكام اللازمة لها، ولا تضيق أو تضعف عن استيعاب أي مولود جديد –أعني: حادثة جديدة- بأحكامها.
وطبيعي أني لا أعني بهذا الاستيعاب «الموافقة الحتمية» بل أعني به «إيجاد الحكم الملائم» الذي يحقق مصلحة الجماعة.
والحق أن الفقه الإسلامي لم يقف حتى الآن، ولن يقف في المستقبل مكتوف الأيدي أمام أية حادثة جديدة مهما كان نوعها، بل لا بد وأن يكون له فيها حكم، ولو فرضنا جدلًا أن ذلك قد حدث، فإن العذر في ذلك ليس في الفقه ذاته، بل في القائمين عليه، فهم إما أنهم قد قصر علمهم عن الإحاطة بالنصوص الشرعية، وإما أنهم لم يدركوا الأهداف التي ترمي إليها هذه النصوص.
4- وأعود فأسأل ثانيًا: كيف يتم هذا التطور في تلك النصوص الثابتة؟
أ- لو رجعنا إلى آيات القرآن الكريم لوجدناها تنص على مبادئ تشريعية عامة، دون أن تخوض في التفصيليات، فمثلًا:
يقول الله جل شأنه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ (البقرة:282).
ولكن: من هم الذين نرضاهم من الشهداء؟ إن القرآن الكريم لم يبينهم، وبينت السنة طائفة منهم، وأضافت مدرسة الحياة التي يمثلها فقهاء المسلمين طائفة أخرى ممن لا ترضى شهادتهم، لاستهتارهم بالقيم الاجتماعية، مثلًا.
وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199) ولكن ما هو هذا العفو، وما هي حدوده، وما هو العرف الذي يأمر به؟ كل ذلك متروك للحياة، تطور مفهومه بشكل يواكب مسيرتها، ولا يقف في وجه تقدمها الخبر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل:90) ولكن ما هي الطرق التي تحقق العدل؟ لقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة منها، ولكنه ترك الكثير للحياة، تستحدث من السبل ما يضمن إقامة العدل بين الناس.
مما تقدم نرى أن القرآن الكريم قد نص على المبادئ العامة دون أن يخوض في التفصيليات، وبذلك يكون القرآن العظيم قد أوجد في نصوصه مرونة خاصة تجعلها قابلة للتطور.
والحق أن القرآن الكريم لم يفصل القول إلا في الميراث، وقد أتى فيه ما هو قبلة أنظار المشرعين في أنحاء العالم ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:82)
ب- إن هدف كل الشرائع السماوية عامة، وهدف الشريعة الإسلامية خاصة تحقيق مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وما نزلت الأوامر والنواهي الإلهية إلا لتحقيق هذه المصالح، ولذلك فإن الأوامر والنواهي الإلهية تمثل المسار الحقيقي والأكيد لمصلحة الناس جميعًا.
وقد تظهر للبعض دون البعض، حسب الاستعداد الفكري والروحي الذي يتمتع به الناظر، وقد لا تظهر لأحد، وعدم ظهورها لأحد لا يعني أنها قد انعدمت بل يعني أنها قد دق مأخذها حتى أصبحت فوق مستوى فهم الإنسان، ولكنها موجودة ولا بد، وعلى المؤمن أن لا يشك في وجودها، ثقة منه بالله جل شأنه، لأن الشريعة بجملتها صادرة عن الله سبحانه، والله جل شأنه –يجل عن العبث كالمريض يتجرع الدواء وهو يجهل تفاعله في الجسم، ومع ذلك فهو يتجرعه إيمانًا منه بفائدته، ومصدر هذا الإيمان الثقة بالطبيب الذي وصفه.
ولما كانت العبادة لا تقبل التطور، كانت الأحكام بها غير معقولة المعنى: أعني أنها لا يظهر وجه المصلحة للناس فيها، فما المصلحة من جعل صلاة العصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات؟ لماذا يجب الوضوء من خروج البول، والغسل من خروج المني؟ ولماذا نقرأ الفاتحة مع السورة في الركعتين الأوليين من الفرض، ولا نقرأ إلا الفاتحة وحدها في الركعتين الأخيرتين؟ كل ذلك لا جواب عليه إلا تمحلًا لمن تكلف الجواب.
والحكمة من عدم إدراك المصلحة:
في ذلك هي إبراز الجانب الإيماني المفصح عن الثقة المطلقة بالله عز وجل، لأنه لو ظهرت المصلحة للإنسان في كل شيء لكان امتثاله للأمر الإلهي هو امتثال للفكر –في الحقيقة- لا لله، أو قل هو امتثال لله مشوب بامتثال الفكر، ولكن عندما يتحقق الامتثال للأمر الإلهي رغم غياب وجه المصلحة في هذا الأمر فهو امتثال تمحض لله تعالى.
ومن هنا كان ثواب العبادة لا يعادله ثواب آخر، ومن هنا أيضًا كان إصرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصه على العبادة.
أمّا أحكام المعاملات:
كالبيع والرهن، والإجارة، والزينة، و.. فإنها خاضعة للتطور بتطور الحياة، ولذلك قال الفقهاء: إن أحكامها معقولة المعنى، وبعبارة أخرى اتفق الفقهاء –إلا من شذ منهم- على أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة الخاصة بالعبادات فإنها غير معللة، وأما النصوص الشرعية الخاصة بالمعاملات فإنها معللة، وكان لهذا الكلام نتائج على غاية من الأهمية، ذلك أن النص الشرعي لم يعد حكمًا شرعيًا لحادثة معينة، بل أصبح قاعدة فقهية يقاس عليها ما لا يحصى من الحوادث إذا اتحدت علتها مع علة الحكم في هذا النص.
وبذلك أصبح يلازم كل نص في المعاملات أمران: هدف وعلة، ولا بد من أن تتحقق المناسبة بين الهدف والعلة، فإذا ما خرجت العلة عن انسجامها مع الهدف، أو خدمتها له: اعتبرت علة باطلة، ولا يجوز إدارة الحكم معها، وإذا ما خرج تطبيق حكم النص الشرعي عن تحقيق هدف لأمر ما وجب تعديل الحكم بشكل يحقق الهدف الذي شرع الحكم من أجله، أو إيقاف العمل به إلى أن تزول الظروف التي أدت إلى إخراج حكم النص عن دائرة هدفه.
وهذا ما يرى فيه بعض أدعياء الفقاهة خروجًا على حكم النص، ويرى فيه فوارس الفقهاء عملًا بروح النص وهدفه، وكما أن الهدف يكون سببًا لإيقاف العمل بالنص، أو لتعديل الحكم الوارد فيه لظروف معينة، يكون أداة لتخريج كثير من الأحكام لكثير من الحوادث الجديدة عليه، كما تكون العلة أداة لقياس كثير من الأحكام على النص الذي توفرت فيه.
وهذا قد أعطى للشريعة الإسلامية قابلية للتطور ضمن نصوصها لا يقف عند حد، أقول: نعم... لا يقف عند حد.. لا يقف عند حد...
وهذا ما يروق لي أن أسميه «تطور الشريعة ضمن نصوصها». ولم تتضح لدى كثير من الباحثين ومدعي الاجتهاد زورًا، فكرة أهداف النص، بل لم تتضح لمن كان أضيق منهم نظرًا لفكرة تعليل النص.
ج- لقد قلنا في مطلع الفقرة السابقة: إن هدف الشرائع السماوية عامة، وهدف الشريعة الإسلامية خاصة تحقيق مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وما نزلت الأوامر والنواهي الإلهية إلا لتحقيق تلك المصالح حتى قال ابن القيم: «أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله».
وانطلاقًا من فكرة «الهدف» هذه كان لا بد وأن تولد في الفقه الإسلامي نظرية الاستحسان التي تعالج تخلف الأحكام عن أهدافها، ونظرية الاستصلاح التي يتم بها ترتيب أحكام على مصالح جماعية حقيقية لم يرد فيها نص في الشريعة، ونظرية العرف التي يتم بها ترتيب وتعديل كثير من الأحكام على ضوء الأعراف، حتى قال الفقهاء: «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا» وقالوا: «التقيد بالعرف كالتقيد بالنص» واعتبار كل من الاستحسان والاستصلاح والعُرف مصادر فرعية للتشريع، على اعتبار أن نصوص القرآن أو السنة قد نوهت بها، ويروق لي أن أسمي ذلك «تطور الشريعة خارج نصوصها».
وخلاصة القول:
إن الشريعة الإسلامية ثابتة بأهدافها التي رسمتها نصوصها من قرآن كريم وسُنّة مطهرة، ولكنها متطورة في حركية هذه النصوص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل