; التطرف الديني.. الوجه الآخر | مجلة المجتمع

العنوان التطرف الديني.. الوجه الآخر

الكاتب د. محمد علي حامد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

مشاهدات 65

نشر في العدد 591

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 19-أكتوبر-1982

اشتركت كثير من الأقلام في الكتابة حول موضوع قضية التطرف الديني.. وكانت أغلب هذه الأقلام تتخذ جانب الأنظمة ضد الشباب المتدين عمومًا.. بينما برزت قمم شوامخ تكتب بموضوعية هادفة مثل كتابة الدكتور يوسف القرضاوي وكتابات الشيخ محمد الغزالي.

 ويبدو لي أن التركيز كان مشددًا على جانب الشباب بصورة خاصة، واتهامه بالتطرف، ولم يتعرض للأنظمة المحاربة للإسلام إلا القليل من الكتاب وبصورة مبتورة. ولا شك أن كثيرًا من الأنظمة في البلاد العربية والإسلامية تقف من الإسلام وشريعته موقفًا عدائيًا صارخًا، بل مغرقة في التطرف.. فمعظم هذه الأنظمة لا تكتفي بمحاربة الشريعة الإسلامية وفرض القوانين الوضعية الكافرة على الشعوب المسلمة، بل تجابه كل من تسول له نفسه بانتقاد هذه القوانين بأحكام السجن والسحل والقتل.. بل إن حرب إبادة كاملة لمدن إسلامية قد نقلتها وكالات الأنباء وعرفها العالم أجمع.. حطمت فيها المساجد على من فيها.. وبلغت بشاعة الأنظمة البوليسية والقهرية أن كانت تبقر بطون الجرحى، ثم يأخذ الجنود أكباد هؤلاء الدعاة إلى الله.

القوانين الوضعية تكرث الفساد وتحض عليه

 وأذكر حلقة تليفزيونية في عهد عبد الناصر قبل حرب ١٩٦٧.. وكان موضوع الحلقة هو الزواج بواحدة فقط «ووضع قوانين لمنع الزواج بأكثر من واحدة»، وكان من ضيوف الحلقة الشيخ محمد الغزالي، فلما جاء دوره في الكلام قال: أنا أحب أن أسأل قبل أن نخوض في منع الزواج بأكثر من واحدة، لماذا يبيح القانون المصري الزنا؟ وهنا انفعل مقدم البرنامج انفعالًا شديدًا وشتم الغزالي، وأقفلت الشاشة فورًا واستبدلت بأغنية لأم كلثوم، وأخذ الشيخ محمد الغزالي إلى السجن، لأن هذه الأنظمة لا تريد أن يعرف الناس أن القانون المصري لا يعاقب على الزنا ولا على اللواط، إذا كان بين عاقلين بالغين دون إكراه.

 وليس القانون المصري وحده هو الذي يبيح الزنا، بل إن القوانين الوضعية في معظم البلاد العربية والإسلامية ابتداءً بتركيا، ومرورًا بتونس وبلاد المغرب العربي وسوريا ولبنان والصومال، واليمن الجنوبي وباكستان إلى عهد بوتو وإندونيسيا إلى الوقت الحاضر، كلها جميعًا تبيح الزنا إذا كان بين عاقلين بالغين دون إكراه.

 وبعض هذه الدول لا يبيح الزنا فقط وإنما يبيح البغاء أيضًا، وتقوم الدولة بالإشراف على البغايا وإعطائهن تراخيص، كما يشرف عليهن أطباء من الدولة، ومن هذه الدول التي تسمح بالبغاء العلني: تركيا وتونس ولبنان وسوريا وإيران الشاه وباكستان بوتو.

 ليس هذا فقط ولكن الأنظمة الوضعية ومنها النظام الوضعي في مصر، لا يعاقب الزوج إذا زنى في خارج منزل الزوجية، ولا يحق لأحد أن يشكوه سوى زوجته لأنها هي المتضررة من ذلك «إذا زنى الزوج في منزل الزوجة».. كما أن القانون كذلك يجعل حق الشكوى من زنا الزوجة للزوج فقط، فإذا عاشرها يسقط حقه في الدعوى.. وإذا أثبت أن الزوج زنا في منزل الزوجية، فيحق للزوجة عندئذ أن تزني أيضًا في منزل الزوجية أو خارجه!!

 وتعترف هذه القوانين الوضعية بالتبني الذي ألغاه الإسلام.. كما أن بعض هذه الأنظمة مثل تلك الموجودة في تركيا وفي تونس واليمن الجنوبي، تمنع الزواج بأكثر من واحدة في الوقت الذي تسمح فيه بالمخاللة!!

 وتبيح القوانين الوضعية شرب الخمور بأنواعها ما عدا في حالات محددة مثل سياقة السيارات التي تمنعها أيضًا الدول الغربية.. كما أن معظم الدول العربية والإسلامية تقوم بصنع الخمور، فهناك مصانع للدولة تقوم بصنع الخمور في تركيا وفي مصر وفي اليمن الجنوبية، وفي سوريا وفي تونس وفي غيرها من البلاد. ورغم انشغال العراق بالحرب العراقية الإيرانية، إلا أن ذلك لم يمنع العراق من بناء أضخم مصنع للخمور في الشرق الأوسط، ولعل ذلك تعويض عن المفاعل النووي الذي دكته إسرائيل.

 وتبيح الأنظمة الوضعية في البلاد العربية والإسلامية الربا والنشاط البنكي الربوي موجود في جميع البلاد العربية والإسلامية بلا استثناء..

 وهناك المئات من القوانين الوضعية التي تصادم الشريعة مصادمة واضحة!! والحدود في معظم البلاد العربية والإسلامية معطلة وملغاة، بل إن من يطالب بتنفيذها يعتبر مجرمًا ويودع في غياهب السجون!!

 وتفرض كثير من الأنظمة السفور على النساء فرضًا، فالمدارس في تركيا وتونس واليمن الجنوبية تفرض الاختلاط بين الطلبة والطالبات، كما تمنع الطالبات منعًا باتًا من أي لبس محتشم، ولو كانت الطالبة كاشفة الوجه إذ لا بد أن تنزع عنها منديل الرأس أيضًا.

ممالأة القوانين الوضعية جريمة في نظر الإسلام

 وجميع القوانين الوضعية لا تلتفت إلى مصادمتها للشريعة مصادمة واضحة في كثير من النقاط فحسب، بل تتجاهل هذه القوانين الوضعية الشريعة الإسلامية تجاهلًا تامًا.. ويقوم الحكام بمحاربة من يدعو إلى تنفيذ الشريعة واتهامه بالرجعية والتطرف والعمالة والإمبريالية... إلى آخر الأسطوانة الممجوجة.

 فهل تعتبر هذه الأنظمة التي تتبنى القوانين الوضعية المصادمة للشريعة الإسلامية أنظمة إسلامية؟ وهل يعتبر الإنكار على هذه الأنظمة جريمة، أم أن السكوت على هذه القوانين الوضعية وممالأتها هو الجرم في نظر الإسلام؟

 إن هذه الأنظمة القسرية والجبرية هي المتطرفة في محاربة الإسلام والمتطرفة في إلغاء حريات الشعوب والأفراد.. حتى إننا نجد أن كثيرًا من دعاة الإسلام يفرون إلى أوروبا وأمريكا حيث يجدون نوعًا من الحرية لا توجد في أوطانهم العربية والإسلامية!!

 ولابد أن نطالب بإلغاء تطرف هذه الأنظمة قبل أن نطالب بمنع التطرف الديني، ذلك لأن التطرف الديني ليس إلا نتيجة لهذه الأوضاع الشاذة الغريبة التي تعيشها الأمة الإسلامية، حيث تنفصل الدولة عن الشعب انفصالًا تامًا يؤدي إلى ما يشبه الفصام السيكولجي أو الشيزوفرينا.. فالأنظمة في واد وشعوبها في واد آخر.

 ولابد من إزالة هذا الفصام النكد ودعوة الأنظمة إلى شريعة الله.. فهذه الأنظمة بصورتها الحالية المحاربة لشريعة الله، إنما تؤدي حتمًا إلى إفراز حركات جهادية يتسم بعضها بالتطرف والغلو.

 ولا شيء يقضي على دعوات التطرف مثل الانفتاح وحرية القول، والسماح للشعوب المسلمة بأن تحكم بواسطة شريعتها التي أنزلها الله من فوق سبع سموات.

الرابط المختصر :