العنوان التطبيع المصري - الإيراني.. من المستفيد من عودة العلاقات؟
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 75
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 34
السبت 24-يناير-2004
رغم أن التحسن النسبي في العلاقات المصرية الإيرانية بدأ عام 1991 بتبادل البلدين مكتبي رعاية المصالح بعد قطع للعلاقات استمر أكثر من عشر سنوات، ورغم أن تعاون البلدين ظل في المحافل والمنظمات الدولية منتعشًا، فقد أصبحت مسالة تطبيع وعودة العلاقات الدبلوماسية المصرية - الإيرانية الكاملة أمرًا ملحًا منذ هجمات 11 سبتمبر ۲۰۰۱ في أمريكا وتبني واشنطن سياسة حصار العالمين العربي والإسلامي.
صحيح أن كلا البلدين يحتاج للآخر وسيستفيد من عودة العلاقات، إلا أن شعور الطرفين بتهديدات أكبر تمس أمنه القومي مع تزايد النفوذ الأمريكي والصهيوني في المنطقة الإسلامية. وتأكل أعمدة قوية في نظام الأمن القومي العربي عقب احتلال العراق، وتفكيك قواته، وتنازل ليبيا عن قوتها الاستراتيجية طوعًا أو كرهًا.. كل هذا ساهم في قرار التعجيل بعودة العلاقات كاملة والتخلي عن نقاط الخلافات والمعاكسات الثنائية.
فليس هناك شك في أن هناك حاجة إيرانية للدور المصري في تخفيف حدة التوتر العربي الإيراني خصوصًا أن الإمارات لا تزال تتهم إيران باحتلال ثلاث جزر من أراضيها.
وبالمقابل هناك حاجة مصرية للدور الإيراني ليس فقط بسبب القوة العسكرية وربما النووية الإيرانية التي تعادل التهديد الاستراتيجي الإسرائيلي، ولكن لأهمية إيران كمفتاح إلى جمهوريات أسيا الوسطى وروسيا، ولضمان استقرار منطقة الخليج.
وتتوقع المصادر الدبلوماسية الاتفاق على عودة العلاقات كاملة خلال هذا الشهر «يناير» أو أوائل فبراير على أكثر تقدير كي يتسنى تلبية الرئيس المصري حسني مبارك زيارة إلى طهران الشهر المقبل «فبراير» لحضور قمة الثماني الإسلامية التي دعاه إليها الرئيس خاتمي في لقائهما في جنيف شهر ديسمبر الماضي.
وكانت مصر قد أعلنت أمس رسميًا على لسان وزير الخارجية أحمد ماهر أن الخلاف بين البلدين حول اتفاقية كامب ديفيد أصبح من الماضي. وردت طهران بإعلان تغيير اسم شارع قاتل الرئيس المصري السابق السادات «خالد الإسلامبولي» وهما العقبتان المعلنتان اللتان ظلتا تعرقلان العودة الكاملة للعلاقات بين البلدين.
وتلقت القاهرة بارتياح بالغ قرار موافقة بلدية طهران اليوم الثلاثاء على تغيير اسم شارع خالد الإسلامبولي رسميًا بعد أن اتخذت البلدية هذا القرار منذ سنتين وقررت تسمية هذا الشارع باسم الانتفاضة، ثم تدخلت وزارة الخارجية الإيرانية وقدمت طلبًا لبلدية طهران في هذا الخصوص.
الخطر المشترك عنصر حسم:
ويقول خبراء سياسيون مصريون إن هناك حاجة مصرية وإيرانية ملحة للتعاون بين الطرفين منذ سنوات بسبب التمدد الأمريكي والصهيوني الكبير فيها، وأن هذه الحاجة للتعاون الوثيق زادت في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق الذي أصبح يهدد كلًا من طهران مباشرة والنظام الإقليمي العربي المفترض أن مصر تتزعمه وأن هذا التعاون والتنسيق بين الطرفين زادت الحاجة إليه أكثر في ضوء تنامي القوة الصهيونية التي حققت نجاحات كبيرة بالتخلص من التهديد العراقي وكذلك الليبي وباتت تهدد بضرب إيران علنًا.
ويقول الخبراء إن التعاون المصري الإيراني على صعيد مؤتمر قمة الثماني والقمة الإسلامية وفي مؤتمرات نزع أسلحة الدمار الشامل ستكون له جوانب إيجابية مهمة لمعادلة القوة الصهيونية والأمريكية في المنطقة.
عودة العلاقات.. هل تغضب واشنطن؟
والغريب أن أمريكا دخلت على خط العلاقات بين القاهرة وطهران وتدخلت لدعوة القاهرة للضغط على طهران في قضيتي أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب وكأنها تعارض تحسن العلاقات المصرية الإيرانية حتى قيل إن التردد» أو «التأني» المصري في الرد إيجابيًا على المبادرة - التي أعلنها نائب الرئيس الإيراني محمد على أبطحي، وقال فيها إن طهران والقاهرة تضعان اللمسات الأخيرة على قرار استئناف علاقاتهما الدبلوماسية – يرجع للضغوط الأمريكية على مصر.
وقد ألمحت بالفعل مصادر سياسية أمريكية لقيام الولايات المتحدة الأمريكية بممارسة ضغوط لعرقلة عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين مصر وإيران، حيث أفصح ريتشارد باوتشر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن هذه الضغوط الأمريكية عندما أعلن في مؤتمر صحفي عقده عقب الإعلان الإيراني عن ترتيبات عودة العلاقات عن أمل الولايات المتحدة في قيام مصر بممارسة ضغوط على إيران في قضايا أسلحة الدمار الشامل ودعم بعض المنظمات الإرهابية - على حد وصفه - في حالة عودة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وطهران.
وقال «باوتشر»: إن مسألة عودة العلاقات المصرية - الإيرانية مسألة فرضية ولكنها ليست محسومة حتى الآن. وأضاف في لهجة غريبة: «من المهم بالنسبة لنا كما بالنسبة لمن تتملكهم المخاوف إزاء سلوك إيران أن تكون هذه الرسالة واضحة؟».
تقدم كبير في العلاقات:
وكانت المصادر السياسية في البلدين قد رصدت تغييرًا غير عادي في علاقات البلدين على مستوى القيادة العليا، تمثل تدريجيًا في تهنئة الرئيس مبارك للرئيس خاتمي في أعقاب الانتخابات الرئاسية والانتخابية الأخيرة، ثم قيام القاهرة بتأكيد أن علاقات البلدين سوف تشهد طفرة في القريب العاجل.
ثم قيام مصر بتبني طلب إيراني للانضمام إلى مجموعة الـ ١٥ التي تمثل الدول النامية على غرار مجموعة السبع الصناعية في مؤتمر قمة الـ ١٥ الأخير بالقاهرة في يونيو ۲۰۰۰ بل والدخول في جدل مع دول أمريكا اللاتينية التي انتقدت السعي المصري لضم إيران في حين أن الإكوادور سبق أن تقدمت بطلب جمد.
وقد أعقب قبول إيران ضمن مجموعة الـ ١٥ قيام الرئيس مبارك - لأول مرة - بالاتصال بالرئيس الإيراني محمد خاتمي فور انتهاء القمة وتهنئته على قبول عضوية إيران.
وقد عكست هذه التطورات التي جاءت في أعقاب تطبيع شعبي واقتصادي وثقافي ورياضي وديني «مقرئو القرآن المصريون أحيوا ليالي رمضان الماضي لأول مرة في إيران»، ومعلومات عن اتفاق بين خارجية البلدين على تصفية نقاط الخلاف جديًا نوعًا من التأكيد على أن علاقات البلدين تتجه إلى التطبيع السياسي الذي كان معطلًا بسبب الخلافات التي كانت موجودة بين القيادة السياسية للبلدين.
ومعروف أن العلاقات المصرية – الإيرانية شهدت سلسلة من التطورات الإيجابية في صورة تبادل الوفود الصناعية والاقتصادية وتبادل المشاركة في المعارض الصناعية والثقافية المختلفة منها معرض أقيم بالقاهرة في نوفمبر ۲۰۰۰ للصناعات الإيرانية حضره ۲۰۰ من رجال الأعمال الإيرانيين.
كما شارك وفد من الاقتصاديين المصريين في معرض مشابه بطهران في أكتوبر ۲۰۰۰ ونال جناح الوفد المصري جائزة أحسن جناح في بادرة إيرانية نحو تحسين العلاقات مع مصر، كما ساهمت القاهرة في بناء خمسة مصانع للسكر في إيران كذلك زار وفد برلماني إيراني مصر في يوليو ۲٠٠٠ للمشاركة في اجتماع اتحادات البرلمانات الإسلامية، وعقد لقاءات مكثفة مع المسؤولين المصريين على رأسهم مستشار الرئيس المصري د. أسامة الباز ورئيس البرلمان المصري د. فتحي سرور.
فهل تنطلق علاقات البلدين الإسلاميين نحو الأمام أكثر بعد إعادة إحياء محور طهران. القاهرة، وهل تساعد إعادة العلاقات بينهما في إطفاء حريق الفتن الطائفية التي تشعلها واشنطن في العراق بين السنة والشيعة بحيث تلعب طهران والقاهرة دورًا في الوحدة الدينية بين الطرفين وتفشلان خطط الاحتلال؟