; التضامن مع قضايا الأقليات والشعوب الإسلامية .. ضوابطه وأولوياته | مجلة المجتمع

العنوان التضامن مع قضايا الأقليات والشعوب الإسلامية .. ضوابطه وأولوياته

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002

مشاهدات 81

نشر في العدد 1509

نشر في الصفحة 38

السبت 13-يوليو-2002

في أعقاب أحداث سبتمبر ولدراسة تداعياتها جمعنا حوار في موقع إسلام أون لاين مع بعض الباحثين والدارسين والمراقبين للشؤون الإسلامية والعامة لدراسة آثار الأحداث على الحركات الإسلامية، وقد نشر الموقع ملخصًا لهذا الحوار في حينه.

كان بين الحضور الدكتور محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومدير مكتب الأهرام حاليًّا بواشنطن والخبير في العلاقات الدولية، وكان مما أثاره وقتها أهمية التوقف أمام قضايا الأقليات المسلمة والشعوب الإسلامية المضطهدة في العالم وتزاحم هذه المشكلات في تزامن عجيب مما أثار مسألة التضامن المفروض من الأمة الإسلامية وما يرتبه ذلك التضامن من خصومات وارتباك في علاقات حكومات العالم الإسلامي مع بقية دول العلم، فضلًا عما يثيره ذلك من مسائل تتعلق بالمعاهدات والعلاقات الدولية.

وقد عاد الباحث لطرح هذا الموضوع في صحيفة الأهرام مؤخرًا مضيفًا إليه ما يمثله تشتت المسلمين بين أكثر من قضية لابد من التضامن معها، وأثر ذلك على القضية المركزية للعالم العربي والإسلامي وهي قضية فلسطين.

وقد رأينا كيف جمعت أحداث سبتمبر كل الأطراف الدولية ذات الخصومات مع الحركة الإسلامية أو الحكومات التي تواجه حركات مقاومة في جبهة واحدة تقودها اليوم القوة الكبرى الأولى في العالم الولايات المتحدة، وذلك لمواجهة الحالة الإسلامية متذرعين في ذلك بمحاربة الإرهاب، هذا الإرهاب الذي أصبح ذا لون واحد هو الأخضر وله عقيدة واحدة هي الإسلام ويهدف إلى تحقيق هدف واحد هو التحرر الوطني ودحر الاحتلال ويستدعى ذلك- بالضرورة- التأمل في الطريقة التي تواجه بها الأمة الإسلامية هذه الجبهة العالمية ضد حقوق المسلمين، وأيضًا الموقف الذي يجب أن تتخذه الحركات الإسلامية لدرء الخطر الداهم الذي يهدد حركات المقاومة الإسلامية، كما يستوجب النظر في النصائح التي يمكن توجيهها إلى الحكومات في البلاد الإسلامية للتعامل في الميدان الدولي وخاصة مع الأمم المتحدة وكيفية تفعيل التضامن فيما بينها على المستوى الثنائي وعلى مستوى المنظمات التي تجمعها إقليميًّا وإسلاميًّا.

أهمية التضامن الإسلامي: لاشك أن المسلم لا يكتمل إسلامه إلا بشعوره بأنه جزء من أمة واحدة، ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٩٢) و﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، ولا يكتفي الإسلام بمجرد الشعور بل يحول ذلك إلى سلوك عملي: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:۷۱).

ووحدة الأمة الإسلامية تتجلى في مظاهر عملية وسلوكية قرب المسلمين واحد وقبلتهم واحدة، وكتابهم المقدس واحد، وكعبتهم التي يحجون إليها واحدة 

وقد شعر المسلمون خلال مسيرتهم التاريخية بهذه الوحدة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا ... رغم عدم بسط سلطان الحكم في كل مناطق العالم الإسلامي، ومع انهيار الخلافة العثمانية وتقسيم تركتها على الدول الاستعمارية أصبح المسلمون كالأيتام وافتقدوا الشعور بالوحدة، وهنا أصبح التضامن الإسلامي مسألة ملحة.

واجتهد المسلمون لتحقيق ذلك التضامن عبر وسائل وآليات متعددة، وتكاثرت هموم المسلمين وظهرت مشكلات وقضايا الشعوب المسلمة خاصة الأقليات التي نجمت عن تقسيم بلاد المسلمين. 

وظهرت الحركات الإسلامية عقب انتهاء الخلافة للعودة بالمسلمين إلى تحقيق إسلامهم في الحياة العامة وكان في صلب برامجها استعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية وعودة الوحدة الإسلامية والخلافة كما ذهب إلى ذلك الإخوان المسلمون ، وسارت معظم الحركات الإسلامية الأخرى على دربهم، فمنهم من جعل ذلك في رأس برامجهم كحزب التحرير ومنهم من جعله أولوية ومنهم من سار على نهج التدرج الذي سار عليه الإخوان المسلمون.

وأصبح التضامن الإسلامي أحد أهم محاور عمل ونشاط الحركات الإسلامية معنويًّا وأدبيًّا ثم ماليًّا وماديًّا وكذلك بالجهاد بالرجال والعتاد في نهاية المطاف.

كل ذلك تحقيقًا للحديث الشريف «مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد...»، ومع ذلك لا يخلو التضامن مع المؤمنين من ضوابط تحكمه وأولويات لابد من أخذها في الاعتبار.

ضوابط التضامن والنصرة

تحضرني الآن الآية الكريمة في نهاية سورة الأنفال التي تتحدث عن الموالاة بين المؤمنين. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الانفال:٧٢-٧٣).

فهناك موالاة تامة للمؤمنين المهاجرين وهناك مطالبة للمؤمنين الذين لم يهاجروا بالهجرة والانتقال إلى الدولة المسلمة، وهناك نصرة لهؤلاء الذين لم يحصلوا على جنسية الدولة المسلمة بالمصطلح الحديث لكنها مشروطة بشرطين في الآية الكريمة:

الأول: أن تكون النصرة بسبب الدين وفي الدين وليس لأغراض دنيوية أو مادية "راجع ابن كثير الذي شرط أن يكون القتال دينيًّا". 

الثاني: ألا يكون هناك ميثاق أو عهود بين الدولة المسلمة والدولة الأخرى التي يعيش فيها هؤلاء المؤمنون تمنع من تحقيق هذه النصرة. 

ويمكن إضافة شروط وضوابط أخرى مثل: المقدرة على النصرة، وألا يترتب على تلك النصرة ضرر أكبر يحيق بجماعة المسلمين.

يقول الإمام القرطبي: «إن دعوا هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته».

وقال ابن العربي: «إلا أن يكونوا أسرى مستضعفين، فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم  واجبة، حتى لا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك» انظر إلى قوله: إن كان عددنا يحتمل ذلك.

ويقول الشهيد سيد قطب: ولكن هناك رابطة العقيدة، وهذه لا ترتب وحدها على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد، اللهم إلا أن يعتدى عليهم في دينهم، فيفتنوا مثلًا عن عقيدتهم. فإذا استنفروا المسلمين– في دار الإسلام– في مثل هذا كان على المسلمين أن ينصروهم في هذه وحدها، على شرط الا يخل ذلك بعهد من عهود المسلمين من معسكر آخر، ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود فهذه لها الرعاية أولًا حتى تجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين امنوا» "في ظلال القرآن"

والآن ونحن نعيش في عالم معقد متشابك المصالح ينقسم إلى أكثر من ١٩٠ دولة وتحكمه معاهدات دولية ويعتبر مجرد اعتراف الدول ببعضها وتبادل التمثيل الدبلوماسي عهدًا يجب احترامه ويوجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وفي ظل التصاعد المتزايد المشكلات الأقليات المسلمة في كثير من البلدان بسبب الصحوة الإسلامية المتنامية ومطالبة هذه الأقليات بحقوقها المتساوية التي تم إهدارها على مدار قرون.

وفي ظل التصعيد المتسارع لبعض فصائل الحركة الإسلامية التي تنتهج العمل المسلح ومسارعة أجنحة داخل الأقليات إلى اتخاذ ذلك النهج سبيلًا لتحقيق مصالحها والضغط النيل حقوقها المشروعة.

وفي ظل انفراد قوة واحدة بالهيمنة في العالم وعدم وجود مساحة للمناورة كما كان من قبل.

وفي ظل الحملة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب، وقد جعلته إسلاميًّا وشنت حملة ضد كل الحركات الإسلامية تقريبًا ولم تستثن أحدًا.

ومع اتساع التحالفات المضادة للمسلمين التي شملت حتى الآن أمريكا أوروبا، روسيا، الهند بخلاف الكيان الصهيوني الذي لا يستبعد أن يكون وراء رسم خريطة التحالف ويصرح قادته مثل شارون و نتانياهو وبيريز في العواصم العالمية بأن الإسلام هو الخطر وهو العدو!

أمام ذلك كله ألا يقتضي الموقف العالمي في اللحظة الراهنة وقضايا الأقليات المسلمة بالذات إلى مراجعة وإعادة نظر من أجل: دراسة الملفات وفحصها ووضع التصورات السليمة لنصرة هذه الأقليات ورسم الخطط الكفيلة بدعم قضايا الشعوب المسلمة، وبيان الأولويات التي يجب علينا مراعاتها، فهناك حقوق لابد من القتال من أجلها، وهناك مطالب يمكن التفاوض عليها، وهناك ما بين ذلك، ويمكن ترتيب الأولويات بحيث يتم التركيز على قضية مركزية تكون لها الأولوية «مثلًا فلسطين» أو قضيتين، وأخيرًا من أجل إزالة التناقضات التي قد تقع بسبب تزاحم القضايا وتشابكها. 

ليس من المصلحة أن نسعى لحشد العالم كله ضدنا في لحظة تاريخية معينة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وليس من المصلحة أن نشتت جهودنا في أكثر من مجال، بل في كل اتجاه، فلن نستطيع أن ننجز هدفًا، والمصلحة كل المصلحة أن نسعى التفريق الجبهات المعادية كما فعل الرسول الله في غزوة الأحزاب مع نعيم بن مسعود، ونجحت الخطة وانهزم الأحزاب.

صور التضامن المتعددة

إذا حصرنا أنفسنا في صورة واحدة لنصرة القضايا الإسلامية وهي القتال أو الإمداد بالسلاح فنحن نضيق على أنفسنا واسعًا. 

فهناك الدعم القلبي بالدعاء، وهناك الدعم الإعلامي بالتوعية بقضايا المسلمين إعلاميًّا. وهناك الدعم بالنصح والإرشاد لهذه الأقليات لتعليمها دينها وتعليمها كيف تحصل على حقوقها، وهناك الدعم بالمال اللازم لكل هذه الأنشطة، وهناك الدعم بالتدريب والتوجيه والتخطيط وهناك الإمداد بالعتاد والسلاح، وهناك التطوع للقتال إذا لزم الأمر.

وواجب الأفراد يختلف عن واجب الجماعات والحركات ويتفاوت الأفراد أيضًا في قدراتهم ومواهبهم كما أن واجب الحكومات والدول يختلف عن كل ذلك، وأجهزة الاستخبارات لها دور كبير في ذلك وهناك واجب على البرلمانات والهيئات الشعبية، وهناك واجب على الإعلاميين يختلف.

إعادة النظر في موقفنا من الأمم المتحدة

وأخيرًة يجب على المسلمين أن يعيدوا النظر في ارتباطهم بالأمم المتحدة ومواقفها المنحازة ضد المسلمين، كما يجب إعادة ترتيب العلاقات الدولية خاصة مع زعيمة العالم اليوم "أمريكا" وفق مواقفها من قضايا المسلمين وعلينا أن نفكر بجدية لماذا لا يتم تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامي لتكون مجالًا واسعًا للتفكير الجاد في إيجاد حلول لقضايا الأقليات المسلمة.

التضامن مع الأقليات المسلمة واجب شرعي للتضامن صور متعددة ولا يقتصر على مجال واحد هناك ضوابط تحكم التضامن والنصرة للمسلمين هناك مواثيق وعهود يجب احترامها لابد من تحديد الأولويات وكذلك تعلم فن إدارة الصراع على الساحة العالمية.

هذه دعوة للحوار حول هذه القضية المهمة حتى لا تغرقنا بحور الدماء ونغوص في أوحال المشكلات وتتعقد علينا الأمور والله الموفق والمستعان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8