العنوان دائرة المعارف الإسلامية.. أو سر المنزل رقم ١٤ (٢)- التصدي لأخطاء المستشرقين
الكاتب معتز محمود شكري
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1597
نشر في الصفحة 52
السبت 17-أبريل-2004
لا شك أن ترجمة عمل استشراقي ضخم يثير إشكالية ما يقع فيه المستشرقون من أخطاء في كثير من الأحيان، سواء عن جهل أو عن خبث متعمد وسوء نية، مما هو معروف وله نماذج كثيرة في أعمالهم، ولكن الأستاذ خورشيد يوضح- وهو يروي قصة هذا المشروع الكبير- أنه ورفاقه كانوا منتبهين تمامًا لهذا الجانب, ولذلك فقد قرروا أن يأخذ المشروع الفوائد المتمثلة في المادة العلمية المرتبة بمنهج علمي مبسط, ويتجنب المضار المتمثلة في ترديد أخطاء المستشرقين أو ترويج نظرتهم المشوهة أحيانًا للإسلام وعلومه وما يتصل به, فيقول: «سرنا في منهجنا الذي اتبعناه في هذه الدائرة أن نعهد بالمقالات والبحوث, خاصة الدينية إلى أستاذ من علمائنا في الدين؛ للرد على ما قد يشوهها من انحراف في النظرة أو القياس في فهم حقيقة ديننا وشريعتنا».
وهكذا، عندما صدرت الموسوعة كان القارئ يجد ما كتبه المستشرق, ثم يجد بعده مباشرة ردًا وتفنيدًا بقلم أحد كبار العلماء المسلمين المتخصصين في الموضوع.
ولأهمية هذه النقطة من المهم أن نتوقف عندها لأنها لا تزال موضعًا لسوء فهم لدى البعض حتى الآن، فهناك من يرفض التعامل مع النتاج الاستشراقي برمته وبأية صورة من الصور، باعتباره في الأصل وبحكم نشأته كان- وربما لا يزال في جانب منه- يرمي لمحاربة الإسلام وتشويه صورته السمحة والنيل منه, وتنفير غير المسلمين من الدخول فيه، ومساعدة المستعمرين الأوروبيين على استغلال الشعوب المسلمة، وكذلك لأن طليعة الذين قاموا بالاستشراق كانوا من المنصرين ورجال الدين الغربيين الناقمين على الإسلام.
ومع الإقرار بذلك كله، إلا أننا يجب أن نفرق بين أمرين: أن نتقبل ما يكتبونه عنا كما هو, ونروج له بيننا مهما كان فيه من ضلال وقبح... وأن نترجمه وننقله من باب معرفة ما يقولون عنا؛ حتى نتمكن من أمن مكرهم والتصدي لإفكهم وتحذير الناس من أوهامهم, وتصحيح زلاتهم وأخطائهم.. وفي كتابنا العزيز قوله عز وعلا: ﴿وفيكم سَمَّاعُون لهم﴾ ( التوبة: ٤٧)، وفي الأثر: «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم».
وإذًا, فإن ما كان يمكن أن يكون مأخذة كبيرة وخطيرة على هذه الموسوعة أن يترك مترجموها أمثال تلك الأخطاء كما هي دون رد أو تفنيد.. وقد كان بمقدورهم أن يكتفوا بالترجمة تاركين للعلماء في أرجاء العالم الإسلامي أن يردوا ويفندوا بعد أن صارت المادة متاحة بالعربية، ولكنهم أبوا إلا أن يحملوا أنفسهم أيضًا مئونة استكتاب العلماء المسلمين للقيام بمهمة الرد والتصحيح والتفنيد والدفاع عن دين الله القويم.
هذا من جانب، ومن جانب آخر, يتعين علينا أن نعترف- مهما كان ذلك يؤلم غرورنا- أننا- أبناء الأمة الإسلامية, قصرنا كثيرًا في العصور المتأخرة في إصدار مراجع علمية موسوعية من وجهة نظرنا، في الوقت الذي عكف فيه هؤلاء على دراسة ديننا ولغتنا وحضارتنا؛ لإخراج هذه الأعمال الموسوعية الضخمة، وهكذا لم يجد الباحثون في العصر الحديث أمامهم سوى مثل تلك الأعمال للنهل منها.
ولأن ديننا أيضًا يحثنا على أن نعطي كل ذي حق حقه, ولا يجرمنا شنآن قوم على ألا نعدل, وعلى أن ننشد الحكمة والعلم النافع في أي مكان وأيا كان مصدره، فقد امتازت دراسات المستشرقين الحديثة على ما فيها من علل بالإتقان وسد الثغرات في كثير من موضوعات البحوث الإسلامية، لدرجة أن الأستاذ خورشيد قال عنها: إنها عمل جاد جدًا.. ومهم جدًا.. ولم يكتب مثلها في اللغة العربية، ويكفي أنه عندما ترجمنا مادة أفغانستان، رجعت إلى عالم من علماء أفغانستان هو الشيخ صادق المحمدي, فقال لنا بعد أن قرأ المادة: «والله يا أبنائي إن هذا المستشرق يعرف عن بلدي أشياء لا أعرفها».
وفي هذا الصدد، أذكر أن الأستاذ خورشيد كثيرًا ما كان يستشهد معي ومع غيري بعبارة قالها الأستاذ الراحل أمين الخولي في ندوة عقدت بالإذاعة المصرية حول التراث, وكان خورشيد مشاركًا فيها، وهي قوله: «إن موقفنا من التراث العربي والإسلامي أشبه ما يكون بموقف الوارث السفيه؛ لأن الوارث الرشيد يبدأ أولًا بحصر التركة ونحن لم نحصر التركة حتى الآن!».
الموسوعة الأصلية
تجدر الإشارة إلى أن دائرة المعارف الإسلامية- التي شارك في كتابتها وتحريرها ما يربو على خمسمائة باحث متخصص, كل يكتب مادة مركزة يودعها خلاصة تخصصه الذي عكف عليه طوال حياته العلمية- بدأ العمل فيها أواخر القرن التاسع عشر، ثم نشرت في عدة طبعات متلاحقة فيما بين عامي ١٩١٣ و١٩٣٦, وجاءت في ثلاث طبعات باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وكانت أجزاؤها تصدر تباعًا.
وحتى قبل أن تستكمل مجلدات طبعة ١٩٣٦ التي صدرت في أربعة مجلدات وملحق للفنون, كانت قد نبعت في مصر وبجهود فردية تمامًا كما أوضحنا فكرة نقلها إلى العربية.
للأسف، ولضخامة المشروع وجهود أصحابه الفردية المحدودة, وعدم تفرغهم الكامل له لاضطرارهم للانشغال بأعمال أخرى يرتزقون منها، توقف الإصدار العربي الأول «الذي استمر ما بين ۱۹۳۳ و 1965» عند حرف الطاء. وعندما شرعت في عام ١٩٥٤ لجنة من المستشرقين المحدثين بإشراف جيب وبرنارد لويس وغيرهما في إخراج طبعة جديدة باللغات الثلاث الإنجليزية والفرنسية والألمانية، في إطار استكمال وتحديث وتنقيح مواد الموسوعة، عاد روادنا الأوائل وعلى رأسهم الأستاذ إبراهيم زكي خورشيد إلى العمل من جديد سعيًّا وراء إخراج طبعة ثانية من المواد المترجمة، مضافًا إليها المواد المستحدثة في الطبعة الثانية الأصلية، وهذه هي المحاولة الشاقة التي استمرت بخطى بطيئة ومتثاقلة لقلة الإمكانيات, منذ عام ١٩٦٩ حتى وفاة خورشيد أوائل عام ۱۹۸۷، متوقفة هذه المرة عند نهاية مادة «الخزف» في صفحة ٣١٧، وهي آخر صفحات المجلد السابع عشر والأخير.
طبعة جديدة طموح ....
وأخيرًا، وقبل بضعة أعوام، جاءت أحدث محاولة لاستكمال الموسوعة في ثوبها العربي, بمبادرة من كل من مصر والشارقة؛ لإحياء العمل واستكماله في آن واحد, وصدرت هذه الطبعة الجديدة كثمرة من ثمار التعاون بين الهيئة المصرية العامة للكتاب ومركز الشارقة للإبداع الفكري، وكان صاحب المبادرة في فترة التسعينيات من القرن الماضي هو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي أنشأ هذا المركز- كما هو معروف- بهدف طبع ونشر الموسوعات وأمهات الكتب الإسلامية والتراثية.
وكان في منظور القائمين على هذا المشروع الجديد أن «دائرة المعارف الإسلامية» تعد حاليًّا العمل الموسوعي الوحيد المكتمل عن الإسلام «مترجمًا»، إلى أن يتهيأ للأمة المسلمة أن تضع مؤلفها الموسوعي الخاص بها .
وقد حشدت هيئة الكتاب المصرية فريقًا من نخبة العلماء والمترجمين والمتخصصين؛ لإنجاز هذا العمل الموسوعي الضخم، بهدف استكمال ترجمة جميع المواد التي لم يتح للفريق القديم من الرواد ومساعديهم إنجازها لقلة الإمكانيات.
وصدرت بالفعل هذه الطبعة التي كان الجميع ينتظرونها بشغف في ٣٣ مجلدًا تتضمن أكثر من ٢٥ مليون كلمة وما يزيد عن 9 آلاف مادة مرتبة أبجديًّا وتغطي كافة جوانب الحضارة الإسلامية.
وللأسف، لم تسلم هذه الطبعة أيضًا من المنتقدين، وإن كان الإنصاف يقتضينا أن نصغي لما يقولون, لأنه يجب أن تكون الغاية المشتركة للجميع هي مصلحة العمل نفسه، على سبيل المثال، كتب الكاتب المصري جمال الغيطاني في صحيفة «أخبار الأدب» بتاريخ أول يوليو ٢٠٠١: مؤكدًا أن الأمر في إصدار هذه الطبعة «لم يتم للأسف كما ينبغي، ولم يقتد بما أقدم عليه الأسلاف».
ومضى الغيطاني قائلًا: «إن الأمر لا يحتاج إلى مقارنة النص العربي بالنص الأجنبي, بل يمكن مقارنة النص العربي بالعربي، فقد تم اختصار المواد التي ترجمت من قبل اختصارًا مخلًا، وأزيلت الهوامش، بل إن أول ما يستوقفنا عنوان الترجمة العربية نفسه- مختصر دائرة المعارف الإسلامية... ماذا يعني مختصر دائرة المعارف؟ وهل رصد الدكتور سلطان القاسمي الأموال الطائلة لترجمة المختصر؟ أما الكارثة الأعظم فتبدأ فيما يلي حرف الخاء، فالمترجمون معظمهم لا يعرفهم أحد، وبعضهم طلاب في قسم اللغة الإنجليزية، وبالتالي جاءت الترجمات غير دقيقة، وبالطبع خلت الموسوعة فيما يلي حرف الخاء من أي تعليق يوضح أو يعارض آراء المستشرقين، بل إن هذه الطبعة تخلو تمامًا من ذكر أي معلومات عن دول الخليج على سبيل المثال، لأنها لم تكن استقلت بعد.. وفي مثل هذه الأحوال كان لا بد من إضافات علمية بأقلام متخصصين، كما جرى الأمر في دائرة المعارف العربية التي طبعت في السعودية منذ سنوات».
واختتم الغيطاني مقاله بقوله: «لقد قرأت أسماء محترمة ضمن هيئة التحرير، وكلما استفسرت من أحدهم عن كيفية مشاركته في تلك الفضيحة أفاجأ برد الفعل ومحاولات التنصل، ولا أريد أن أحرج أحدًا، لكني أطالب يطرح موضوع ترجمة هذا العمل المشين للثقافة المصرية لكشف ظروفه وملابساته.. إلخ». ومن جانب كاتب هذه السطور، فقد أتيح له- علاوة على ما قرأه من تعليقات منتقدة لهذه الطبعة- أن يتصفحها بنفسه، ومما لاحظه واستغربه أنها جاءت خالية من الصور والرسوم التوضيحية التي كانت مصاحبة لبعض المواد في الطبعة العربية السابقة.. وهو أمر غريب في موسوعة يفترض فيها أن تأتي مستكملة ومزيدة, لا أن تقتطع بالحذف الصور والخرائط والرسوم مهما كان الدافع لذلك.
أمر مثير للدهشة
الأمر الآخر الذي أثار دهشتي ولم أجد له تفسيرًا، اللهم إلا في ضوء ما أشار إليه الغيطاني عندما رصد على هذه الطبعة عبارة «مختصر»، هو أنني عندما استعرضت البحوث التي سبق لي ترجمتها وتحريرها أثناء عملي مع الأستاذ خورشيد وجدت بعضها محذوفًا بالكامل، ومن ذلك مادة عن «الحيض» وما يتعلق به من أحكام في الشريعة إلخ، فهل مثلًا حذفها القائمون على الطبعة الجديدة؛ لأنها تتحدث عن شيء عيب، وغير لائق من وجهة نظرهم؟!.. أم ماذا كان السبب؟!
المهم ... أن ذلك يدفعنا دفعًا لنتيجة لا مناص منها، وإن تكن مؤسفة بالنسبة لواقعنا العربي في مجال النشر العلمي، وهي أن الجهود الفردية القليلة تثمر أحيانًا مع الإخلاص والتفاني ما لا تثمره الجهود المؤسسية التي يتوافر لها المال والإدارة والدعم وفرق الخبراء وأطقم المشرفين.. وذلك لأسباب كثيرة لا تخفى على ذوي الفطنة، مع أن هذا عكس ما يتم في الغرب.. وإن شئتم فاقرأوا من جديد ما جاء في مقالنا هذا حول «سر المنزل رقم ١٤».. أعاننا الله تعالى على إصلاح واقعنا والاستفادة من دروسه المؤلمة.