; التشريع الإسلامي والمجتمع المتطور | مجلة المجتمع

العنوان التشريع الإسلامي والمجتمع المتطور

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1974

مشاهدات 207

نشر في العدد 196

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 16-أبريل-1974

مساء الاثنين الماضي ألقى الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور؛ رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق – جامعة القاهرة. والأستاذ المعار لجامعة الكويت – ألقى محاضرة قيمة موضوعها «التشريعي الإسلامي والمجتمع المتطور». 

وذلك بقاعة المحاضرات بالمقر المركزي لجمعية الإصلاح الاجتماعي في منطقة الروضة. وتعميمًا للفائدة تنشر «المجتمع» فيما يلي محاضرة الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور.

 

الاحتفال بمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا ينبغي أن يكون قاصرًا على مجرد الذكريات الطيبة وسرد التاريخ الحافل بالأمجاد إنما ينبغي أن نتخذ فيه من ماضينا وحاضرنا العظات والعبر، وأن نتخذ من هذه الذكرى شعلة حماس توجهنا إلى إصلاح نفوسنا وتقويم كل شئوننا بمقاييس الإسلام ونظمه. 

فبمولد محمد -صلى الله عليه وسلم، انبثق النور من أعماق الجزيرة العربية رحمة لا تعرف التفرقة بين الأجناس، وهدى لا يدين إلا بالحق في عصر كانت البشرية غارقة فيه في ظلام كثيف صفيق وظلم غليظ راسخ، تصطنع للظلم فلسفة، وللضلال شريعة ومبادئ. 

جاء محمد -صلوات الله عليه- يدعو إلى الإيمان بإله واحد، ويتخذ من هذا الإيمان حجر الأساس لتوجيه الناس إلى دعوة الحق الهادفة إلى الإصلاح والتقويم، والدافقة إلى العلم والكفاح والعمل المثمر، وبدعوة الإسلام غرس النبي الكريم في نفوس المؤمنين معاني الفضيلة والخلق الكريم، فشاعت فيهم خصال الخير، وأخذوا يتعاملون بالمكارم، ويتمسكون بالفضائل، ويؤثرون التعاون، حتى صار المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وحتى صار الإيثار خلقًا يتنافسون فيه حبًّا فيه، ويهربون من الشر بغضًا فيه، شعارهم: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. 

وبهذا استحقت الأمة الإسلامية التي تعمل بهذه القيم أن تكون خير أمة أخرجت للناس مادامت تجاهد في سبيل الحق، وتعمل بتعاليم الإسلام وكان من الآثار الهامة لهذا الخلق الإسلامي أن قوى المجتمع الإسلامي قوة ناهز بها جميع الأمم المعادية واستولى على نواصي الجبابرة حتى فتحت لهم الآفاق وانساحوا في الأرض يبشرون بدعوة الحق وينظرون في كل تصرفاتهم إلى عين الله الساهرة، ويبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون بحكم الدين نصيبهم من الحياة الدنيا، وما فيها من متع مشروعة تتفق مع إيمانهم بالله وابتغاء مرضاته وما يجعل مجتمعهم قائمًا على الحب والوفاء الروحي والتعاون الصادق. فالحياة في ضوء الإسلام نظام خلقي يقوم على إشاعة الفضيلة بين أفراد المجتمع، ونظام سياسي أساسه إقامة العدل، ونظام اجتماعي نواته الأولي الأسرة الصالحة، وركيزته التكافل والتراحم، ونظام اقتصادي لحمته الإنتاج والعمل، وصدق الله العظيم ﴿إن هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء: 9). 

 

  • ركائز التشريع الإسلامي

فتشريع الإسلام عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وهو فوق كونه دينًا يتعبد به، فقد جاء وافيًا بحاجات الناس أفرادًا وجماعات عادلًا سهلًا من غير إفراط ولا تفريط، لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق، لم يفصل بين الدين والدنيا، وإنما جمع بين الروحانيات والماديات، وجعل الأولى طريقًا للثانية فرسالة الإسلام جاءت بأحكام الدين والدنيا في عدالة مطلقة، وقوة منصفة، وأقيمت على أسس من عقيدة صلبة وإيمان كامل، ثم أرست فوق هذا الأساس صرح الأخلاق التي اكتمل بناؤها على أساس من التقوى. 

وعلى هذا الأساس الصلب من عقيدة راسخة وخلق جاد مستقیم، أقام محمد -صلوات الله عليه- دولة الإسلام قوية بالحق، فياضة بالعدل محمية بسلاح الإيمان، فخرجت إلى الملأ صرخة واعية قوية في وجه الظلم والطغيان، فانهارت أمامها كثير من النظم والعادات وذابت فيها الفوارق والماديات. فاجتاح المسلمون الأولون باحتكامهم إلى الإسلام كل فساد في الأرض حتى نشر الإسلام رواقه على كل من حوله وامتدت حضارته ونفوذه إلى كل البقاع. 

ولا عجب فقد أسس هذا التشريع على مبدأ التوحيد والاتصال المباشر بالله دون واسطة أو سيطرة روحية، وعلى إحاطة العقيدة بسياج من الأخلاق الفاضلة المهذبة للنفس، وعلى المؤاخاة بين الدين والدنيا، وجعل العلاقة بين الأفراد والجماعات أساسها المساواة والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتسامح في عزه دون أن يعطى هذا التسامح سلطانًا لظالم أو ولاية لدخيل. كما ارتكز هذا التشريع على أسس ودعائم قوية وكلما كان الأساس قويًا كان البناء قويًّا كما هو معلوم، ومن أبرز هذه الأسس التي قام عليها هذا التشريع الحنيف: 

 

  • الحنيفية السمحاء ترفع الحرج

إنه لا يوقع العاملين به في ضيق وحرج اذ جاءت التكاليف فيه في حدود الاستطاعة، يقول الله سبحانه وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ (سورة الحج: الآية 78). ويقول ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ (سورة البقرة: 286) ويقول الرسول الكريم «إنما بعثت بالحنيفية السمحاء» ومع هذا فقد شرع الله لعباده رخصًا دفعًا للمشقة في بعض الظروف ولبعض الأفراد، كما جعل للضرورة حكمًا يختلف عنه وقت السعة والاختيار، كما اقتصر غالبًا على النص على الحكم الإجمالي حتى تتسع الأحكام المستنبطة بعد ذلك لمصالح الناس. 

 

  • مراعاة المصالح

فمراعاة المصالح من عمد التشريع الإسلامي بدليل توسع الشارع في بيان العلل التي بنيت عليها الأحكام وخاصة في أمور المعاملات وشؤون الحياة العامة التي كثيرًا ما تتأثر باختلاف المكان وتغير الزمان. ولذا فإن القرآن لم يتناول بالتفصيل أحكام المعاملات المالية والأحكام الجنائية وما يتعلق بالقضاء والعلاقات الدولية وما شابه ذلك مما يتغير بتطور البيئة، وإنما دل عليها بوجه عام حتى يكون ولاة الأمر في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها بما يساير مصالح الناس في حدود أسس القرآن، وفي نطاق القواعد العامة دون أن يتقيدوا بنص جزئي قاطع. يقول الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول: إن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدًا للتوسيع على المكلفين. 

 

  • إن الحكم الا لله

والواقع أن المبدأ الأساسي في الإسلام أن التشريع لله خاصة لا يشاركه فيه أحد، وقد ألزم الله رسوله الأمين بذلك في قوله: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ (سورة المائدة: 49) ويقول الله تعالى ﴿إن ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ (سورة يوسف: 40)

ويقول ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ أن ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ﴾ (آل عمران: 154) ويقول في الإلزام بحكم الله ووجوب تطبيقه ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (المائدة: 45) وهل يستساغ لمن آمن بالله واتبع الهدى الذي جاء به الرسول أن يحتكم لغير حكم الله؟!. ومن أحسن من الله حكمًا». ما دمنا نؤمن بالله ونصدق برسالته فالتشريع في الدولة الإسلامية لله وحده، وما يقوم به المجتهدون في كل عصر من استنباط لبعض الاحكام ما هو الا اظهار لحكم الله حسب ظنه، وحكم الله أولى بالاتباع ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ (التين: 8) «6»؟

 

 

 

  • طبيعة الإسلام: دين ودولة

حضرات...

يصعب على أي باحث منصف أن يفرق في الإسلام بين الدين والدولة، فكل منهما يرتبط في الواقع بالآخر ارتباطًا وثيقًا، فالدولة كما يعرفها أساتذة القانون الدولي والقانون الدستوري: جماعة من الناس تقيم على وجه الدوام في إقليم معين، وتقوم فيهم سلطة حاکمة تتولى تنظيم شؤونهم وتدبير أمرهم في الداخل والخارج. فالأركان التي يتحقق بها وجود الدولة وقيامها هي: شعب وإقليم وسلطة حاكمة. وإذا ما استكملت الدولة هذه العناصر حق لها أن تختار النظام الذي يلائمها. 

فالدولة تنشأ أولًا ثم يدور البحث في تكييف ما يلائمها من نظم. 

أما الدولة الإسلامية فإنها تنشأ طبقًا لمبادئ القانون الإسلامي، وتقوم الحكومة فيها على هدى من وحي هذه المبادئ. فالنظام الحاكم للدولة الإسلامية والمبادئ التي يجب أن تسير عليها هذه الدولة أسبق وجودًا منها. 

فالدولة الإسلامية تعتمد على قواعد أساسية ومبادئ ثابتة لا تختلف في جوهرها بين زمن وزمن ولا بين مكان ومكان، ولكنها في أسلوبها التطبيقي قد تختلف بما يلائم الظروف ويحقق الهدف من التشريع، وليس للمجتهدين إلغاء الأحكام الاجتهادية والعدول عنها أو التعديل فيها إلا إذا ظهر لهم من واقع النصوص أو القواعد العامة أن الصواب في غير ما انتهوا إليه. 

وهذا يختلف عن التشريع في القوانين الوضعية فإن السلطة التشريعية لها سلطة إنشاء القوانين وتشريع الأحكام الملزمة، ولها حرية التعديل فيها والإلغاء حسب ما تتطلبه المصلحة أو ما يبتغيه الهوى أحيانًا. والدولة التي تقوم على أساس الدين تقدم فرضًا للسعادة والرفاهية أعظم بكثير من الفرص التي تمنحها دولة يقوم كيانها السياسي على العلمانية. 

فالدين يربط بين أفراد المجتمع ربطًا محكمًا، وحرية الأفراد في الدولة الإسلامية وإن كانت كاملة إلا أنها مقيدة بمراعاة حقوق الآخرين، وتقديم حق الجماعة على حق الفرد عند التعارض كما جاءت الأحكام كلها مرتبطة بالمفاهيم الخلقية فلا توجد قاعدة تشريعية في الاسلام إلا وهي مرتبطة بمبدأ أخلاقي يعود على المجتمع بالنفع وجاءت الأحكام فيها شاملة لكل ما يصلح العقيدة ويهذب الخلق، وينظم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأسرية وسائر الشؤون والعلاقات. ومن هنا التحمت السياسة بالدين التحامًا وثيقًا. فكل ما يتعلق بالعقائد والعبادات دين، وكل ما يتعلق بالخلق والسلوك دين، وكل ما يتعلق بالمعاملات وعلاقات الأفراد والجماعات دين. فلا يمكن في الحقيقة تصور دولة إسلامية بلا دين، كما لا يمكن أن نتصور الدين الإسلامي منفصلًا عن الدولة. 

 

  • الهجرة وأثرها في إظهار سلطات الدولة

وما الفهم الصحيح إلا أن الإسلام دين ودولة. وفكرة الدولة الإسلامية مرتبطة بهجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم، وبما نشأ عن التمهيد لهذه الهجرة، وما أعقبها من معاهدات واتفاقات. ومن المعلوم أن نفاذ الأحكام لا يتأتى بدون سلطة وأن بقاء الجماعة وعزتها لا تكون بدون حكومة. 

ومن هنا كان التلازم في الإسلام بين الدعوة إلى الدين وقيام الدولة. فوظيفة الدولة حماية نشر الدعوة والإشراف على تنفيذ الأحكام. 

يقول أحد علماء الانكليز «إنه لم يحدث بالهجرة انقلاب في تصور محمد لمهمته. فمن الوجهة الشكلية ظهرت الحركة الإسلامية بصورة جديدة وأدت إلى إيجاد مجتمع قائم بذاته ومنظم على قواعد أساسية تحت قيادة رئيس واحد. لكن هذا لم يكن مجرد إظهار للواقع. فالشيء الجديد الذي حدث بالمدينة هو أن الجماعة الإسلامية قد انتقلت من المرحلة النظرية إلى المرحلة العملية. 

ففكرة الدولة ملازمة للدعوة الإسلامية، لازمة لحمايتها باعتبارها خاتمة الأديان السماوية وأنها جاءت للناس كافة وفي كل عصر، وقد عمل الرسول عليه السلام على تحقيقها بالهجرة إلى المكان الذي رأى أنه المناسب ليكون نواة الدولة الإسلامية لتمتد منه إلى مختلف البقاع. 

وإذا كان بعض المغرضين استباح لنفسه القول بالفصل بين الدين والدولة، فإن كثيرًا من الباحثين ومن غير المسلمين في كثير من بلاد العالم انتهت بهم بحوثهم إلى أن الإسلام دين ودولة بكل ما تحمله كلمة دولة من دلالة. يقول «شاخت»: أن الإسلام يعني أكثر من دين، إنه يمثل أيضًا نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول أنه نظام متكامل يشمل الدين والدولة معًا». 

ويقول آخر«د. فتزاجرالد» ليس الإسلام دينًا فحسب، ولكنه نظام سیاسي أيضًا وإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بنى على أساس أن الجانبين متلازمان لا يمكن أن ينفصل أحدهما عن الآخر» ويقول جيب «صار واضحًا أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه وأنظمته الخاصة. .

 

  • حدود مجال التطور في الإسلام

وما قاله المغرضون أصحاب الأهواء: أن نظم الدولة تخضع لعوامل التطور والتبدل بما لا يتفق مع إخضاع ذلك لأحكام النصوص. 

وللرد على هذا نقول: أن النصوص التشريعية وقفت فيما يتعلق بشؤون الدولة وتعامل الناس عند القواعد الرئيسية حتى يكون ولاة الأمر والمجتهدون في سعة من تطبيق النظم التي تساير مصالح الناس دون اصطدام بنص جزئي خاص على ما ذكرنا. ولذا فإن الفقهاء يقولون بتغير بعض الأحكام تبعًا لتغيير المصلحة. والذي يقصد بتغير الأحكام هنا: الانتقال من حكم غير تعبدي ولا من المقدرات كان معمولًا به إلى حكم آخر مغاير له يحقق مصلحة طارئة تقتضي القول به والعدول إليه، أما الأحكام التعبدية وما الحق بها فإن الفقهاء مجمعون على أنها لا تقبل تبديلًا ولا تغييرًا بحال لأنها أحكام توقيفية حتى مع ذكر حكمة مشروعيتها، وهي تختلف مع أحكام المعاملات ونموها مما هو مبني على مصالح العباد وحاجاتهم، فإن الأحكام بالنسبة لها مرتبطة بالمعاني والآثار التي انبنت عليها ولذا جاءت النصوص فيها مجملة وعامة، فكانت خاضعة للمصالح ومرتبطة بها تتغير تبعًا لها، حتى غالى بعض الفقهاء وذهب إلى جواز تبديل أحكامها وإن وجدت نصوص مخالفة لها أو وجد إجماع يختلف في الظاهر مع هذا، لأن الحكم فيها يدور مع العلة والمقصود وجودًا وعدمًا، فأفتوا ببعض أحكام تخالف منطوق النص. 

 

 

 

  • تغير الأحوال والبيئات والعادات وأثرها على التشريع للمصلحة

لكن جمهرة الفقهاء يخصون التبديل بالأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع صحيح. وهذا ابن القيم الفقيه الحنبلي يقول: أن تغير الفتوى بحسب الأمكنة والأحوال والبيئات والعوايد معنى عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة ما يعلم أن الشريعة لا يعقل أن تأتي به». 

ولا بد فيما نرى لتبدل الأحكام المبنية على المصلحة الملائمة لمقصود الشارع، وإن كان لا يشهد لها أصل خاص باعتبارها أو عدم اعتبارها وليس لها أصل تقاس عليه. 

 

  • دليل من الكتاب

ونحن لا نستطيع أن ننكر أن للمصلحة في الدين اعتبارها وأهميتها القصوى، ويدل على اعتبار المصلحة التي لا يشهد لها نص ولا تتعارض مع نص ما في القرآن الكريم من آيات تدل على قواعد عامة تتناول تقدير المصلحة بصفة عامة واعتبارها، كالأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، كما فيه الكثير مما يدل على أن الشريعة جاءت رحمة بالعباد، ومحققة لمصالحهم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) ولا يكون الرسول برسالته رحمة إلا إذا كانت شريعته محققة للمصالح مسايرة لها. ومن ذلك ايضا قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ (سورة الحج: 78)

 

  • دليل من السنة

ومن نظر في السنة النبوية وجدها حافلة بالتعليلات وبالقواعد المختلفة كحديث «لا ضرر ولا ضرار» وحديث «أحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعباده» وحديث «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في أثناء المستقي» وقوله «إن كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث.. فإن ذلك يحزنه» كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يهم بالأمر فيمنعه من تنفيذه ما يخشى من ترتب ضرر كما في حديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وحديث «لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل» ومن ذلك ما قاله -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله عن البر «استفت قلبك، البر ما تطمئن إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك». 

 

  • فعل الصحابة

كما أن الصحابة أجمعوا على كثير من الفتاوى التي أساسها المصلحة ولا يشهد لها نص خاص وليس لها أصل تقاس عليه. بل ربما كان بعضها يخالف ظواهر النصوص، ومن ذلك منع عمر سهم المؤلفة قلوبهم الثابت بالنص ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ. ..﴾ (التوبة: 60) ومنه حرق عثمان لما عدا المصحف الإمام من الصحف الأخرى، ومنها ما فعله أبو بكر من جمع القرآن في مصحف واحد بعد مناقشة عمر له في ذلك وإقناعه بأن ذلك خير. والخير هو المصلحة إلى غير ذلك من الأحكام التي يتمثل فيها الأنبياء على المصلحة التي تساير اتجاهات الدين وقواعده وهي كثيرة كثرة فائقة مبعثرة في مختلف كتب المذاهب ومثبتة في مختلف موضوعات العادات والمعاملات خاصة ومن ذلك

أ - حجر على الصحابة أن يخرجوا من المدينة إلا بإذن إلى أجل حرصًا منه على أن يظلوا على أوضاع الإسلام الأولى وأن يتمكن من الرجوع إليهم في كل ما يعرض له. ولما جاء عهد عثمان ورأى المصلحة في أن يخرجوا إلى المدن الأخرى ليتعرفوا على ما فيها من نظم وأحوال ليكونوا على بينة منها، ويقفوا على ما يدور حولهم أباح لهم الخروج ورفع الحظر السابق. 

وهذا العمل من الخليفتين أساسه في نظر كل منهما مصلحة لم يشهد لها نص، وقد تغير وجه المصلحة في عهد عثمان ونظره عنها في عهد عمر ونظره؛ فتغير الحكم تبعًا لها - 

ب - ومن ذلك منع عمر تزوج المسلم بالكتابية مع أن عموم النص يجيزه - يقول الله تعالى «1» ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ (المائدة: 5) -

 جـ - وفرق عمر بين طلحة وحذيفة وزوجتيهما الكتابيتين وقال: أنا لا أحرمه ولكن أخشى الإعراض عن الزواج بالمسلمات. وهذا هو وجه المصلحة. فعمر حمل النص على إباحة التزوج منهن عند عدم خوف الفتنة والضرر وقدم منافاته مع الصالح العام إعمالًا لحديث «لا ضرر ولا ضرار» -

 د - ومن ذلك ما روي أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري سئل عن ضالة الإبل: هل يلتقطها من يراها؟ فنهى عن التقاطها لأنه لا يخشى عليها وأمر بتركها ترد الماء وترعى الكلأ، وكان الحكم على ذلك حتى خلافة عثمان فلما رأى الناس قد دب إليهم الفساد وامتدت أيديهم إلى الحرام بدل الحكم. وهو في الحقيقة لم يترك النص ولم يبطله تقديمًا للمصلحة، وإنما بنى الحكم على مقصود النص وفسره في ضوء المصلحة ومنع الضرر والضرار. 

هـ - كما أن عليًّا حكم بتضمين الصناع لما يهلك في أيديهم من أموال الناس، مع أن ما في يد الصانع يكون أمانة، ويد الأمين غير ضامنة، وقد كان الحكم على ذلك لكنه -رضى الله عنه- لما رأى تغير الأحوال أراد أن يحمل الصناع على المحافظة على ما في أيديهم فقضى بما قضى وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. 

وهكذا من يتتبع تصرفات الصحابة يجدهم قد بنوا الكثير من الأحكام على المصلحة، وهم الذين تلمسوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- الترخيص بما يتمتعون به فيرخص لهم بمقتضى الوحي، ولذا فإنه شرع بعض الأحكام ثم أبطلها. والنسخ وإن كان انتهي بانتهاء الوحي فإن الشارع علل كثيرًا من الأحكام ليرشدنا إلى أن الحكم يتبع ملته ويتغير بتغيرها مسايرة لمصالح الناس. وكل ذلك ينبه إلى مقاصد الشريعة، وأن حكم الله حيث المصلحة والخير. وإلى جانب كل هذا فإن المصالح الدنيوية لا يمكن حصرها وهي تتجدد بتجدد الزمن، وقد قال الفقهاء «النصوص متناهية والوقائع غير متناهية ولا يمكن أن يحكم المتناهي غير المتناهي فلا بد من عدم الوقوف عند النصوص، أو ما كان له أصل يقاس عليه، وإلا لكانت الشريعة قاصرة ولما كانت صالحة للتطبيق في كل عصر مع أنها في الواقع عامة وصالحة دون أن توقع الناس في الضيق والحرج فلزم اعتبار المصالح

 

  • إفتاء التابعين

وقد درج المتابعون على اعتبار المصلحة فأفتوا بجواز التسعير، وقضوا برد شهادة الآباء للأبناء وأحد الزوجين للآخر مع تجويز هذه الشهادة قبل ذلك. ثم جاء الأئمة المجتهدون بعد ذلك فدرجوا عليه وساروا في نهجه، فأفتى أبو حنيفة ومالك بجواز دفع الزكاة لفقراء بني هاشم، وفسروا النص الذي جاء بتحريم دفع الزكاة إليهم بما يحتمله من تأويل يحقق المصلحة. ثم جاء بعض تلاميذ الأئمة فأفتوا في كثير من المسائل الفقهية بعكس ما أفتى به أئمتهم وقالوا: إنه اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. على أن تغير الزمان المقتضى لتغير بعض الأحكام قد يكون ناشئًا عن فساد الأخلاق كما يكون ناشئًا من حدوث أوضاع تنظيمية اقتضتها أساليب الحياة. 

 

  • والعقل أيضًا

على أن العقل يقضي بأن الله –سبحانه- اعتبر مصالح عباده منذ خلقهم، فمن المحال أن يحرمهم تلك الرحمة في أحكامه في وقت هم أحوج ما يكونون إلى تلمسها والنظر فيها. 

فإهمال المصلحة قد يدع بعض الأعمال معطلة على ما فيه من مخالفة المنطق السليم، وما يستتبعه من إيقاع الناس في الضيق والحرج، مع أن الدين يسر، والرسول -صلى الله عليه وسلم- دعا إلى اليسر ونفر من العسر بقوله فيما رواه البخاري «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» كما أن الدولة الإسلامية في عصورها الزاهية، وحينها كانت القوانين الإسلامية تحكم رقعة كبيرة من الأرض الآهلة بالسكان ووجد الفقهاء أنفسهم أمام أمور جدت عليهم لم يسبق لها مثيل يقاس عليها وليس فيها نص يخصها. واجهوا كل ما جد في عصورهم واستنبطوا حكم الله فيه بعين البصيرة وإعمال الرأي. والرأي أمانة، وهو عند الاقتضاء قضاء. والقضاء في الأمور العامة أخطر إلى حد بعيد وبخاصة إذا كان في أمر يتعلق بالتشريع وإظهار حكم الله، وفي الأمور الجديدة التي لم تعرف من قبل والناس في حاجة إليها. بهذا استطاعوا أن يواجهوا هذا التوسع الكبير وأن يكون عصرهم أزهى العصور وكان الفقه الإسلامي مسايرًا للحياة.

ثم تخلف الفقه الإسلامي حقبة من الزمن ليست بالقصيرة، وتغيرت شخصية الفقهاء، وماتت في نفوسهم تدريجيًّا روح الاستقلال الفكري، وأصبح الفقيه يلتزم مذهبًا دون أن يشغل نفسه بالاجتهاد، ولا باتخاذ وسائله حتى أصبح فقه المعاملات والعادات نظريًّا بعيدًا عن واقع الحياة، واضطر الناس للتحايل على الأحكام الشرعية أو الخروج على ما يحكى لهم على أنه حكم الدين، وتطلع الحكام إلى استيراد القوانين الأجنبية متذرعين بذلك. 

 

«البقية في العدد القادم»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

544

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

الشورى أم الاستبداد؟

نشر في العدد 236

130

الثلاثاء 11-فبراير-1975

يا حكام الخليج اتحدوا