; التسوية الأردنية الصهيونية والدخول إلى النفق المظلم. | مجلة المجتمع

العنوان التسوية الأردنية الصهيونية والدخول إلى النفق المظلم.

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

    ·   إسرائيل هي الفائز الأكبر من وراء الاتفاق الأردني، ومخاوف كثيرة من أن يصبح الأردن بوابة النفوذ الاقتصادي الصهيوني على دول الخليج

عمان: خاص للمجتمع

يشهد المسار (الأردني الإسرائيلي) تلاحقًا سريعًا في أحداثه وتطوراته، ويبدو واضحًا أن الكيان الصهيوني والأردن يتجهان نحو اتفاقية سلام تتضمن ترسيم الحدود، وتقسيم المياه، وإقامة مشاريع اقتصادية مشتركة بين الطرفين بعد التوقيع على إعلان المبادئ في لقاء الحسين- رابين في البيت الأبيض يوم 25/ 7/ 1994م، ولا شك أن هذا التسارع فاجأ المراقبين السياسيين؛ ذلك أن هذه التطورات جاءت في وقت شهدت العلاقات السورية الأردنية نشاطًا مكثفًا على كل المستويات، وقد كانت توقعات المراقبين تشير إلى توجه أردني سوري لاتخاذ مواقف مشتركة، وعدم الانفراد في توقيع أي اتفاقية مع «إسرائيل» خصوصًا وأن تصريحات أردنية رسمية صدرت بهذا الخصوص، ولكن الأردن فاجأ هؤلاء المراقبين بإعلانه عن تفعيل بنود جدول الأعمال الموقع مع الصهاينة، مبررًا موقفه هذا من منطلق أن الأردن هو البلد الوحيد الذي بقي داخل خانة التنسيق العربي، فمنظمة التحرير انفردت بحل مشكلاتها مع الصهاينة من خلال المفاوضات السرية في أوسلو التي انتهت بتوقيع ما يسمى باتفاق غزة أريحا أولًا، كما أن شكوكًا تراود الأردن في وجود اتصالات سورية صهيونية تجري بعيدًا عن الأضواء.

تبرير غير مقبول

لكن هذا التبرير لا يجد قبولًا لدى المراقبين المحايدين الذين يعزون التوجه الأردني إلى الضغوط الأمريكية التي مورست على الأردن من جهة، والوعود التي قدمتها الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، وتضمنت وعودًا بشطب الديون العسكرية على الأردن البالغة 922 مليون دولار، وبإعادة تسليح وتنظيم الجيش الأردني، إضافة إلى وعود بمساعدة الأردن للخروج من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها، ورفع الحظر نهائيًا عن الميناء الأردني الوحيد (ميناء العقبة).

ويعتقد المراقبون بأن الحسابات الأردنية تشير إلى وجود مخاطر تهدد مستقبل المملكة، ما لم تتحرك لتسوية مشاكلها مع الصهاينة، تلك المخاطر التي تتمثل في احتمال قيام الوطن البديل وضرورة التحرك لإسقاط هذه الفكرة، ولعل هذا التوجه هو ما تحدث عنه الملك الأردني في حديثه لمجموعة من العسكريين في 16/ 7/ 1994م حين قال: «يبدو لي بصراحة، إذا كانت المنظمة والقيادة الفلسطينية لم تحصل على الشيء الذي من المفروض أن تحصل عليه لكان البلد تحت وطأة الضغوط الخارجية قد انهار بشكل أو بآخر، فاحتمالات الوطن البديل قائمة».

سيل من اللقاءات

وقد تلا إعلان الأردن عن رغبته في المضي قدمًا في التسوية مع الصهاينة قبولًا صهيونيًا عامًا؛ إذ رحب المسؤولون الصهاينة بالرغبة الأردنية، فعقدت اجتماعات بين كلا الطرفين وعلى كل المستويات، فبدأت اجتماعات مدينة العقبة الأردنية بين الوفدين الأردني برئاسة فايز الطراونة و«الإسرائيلي» برئاسة إلياكيم روبنشتاين، والذي أسفر عن تشكيل ثلاث لجان عمل، هي:

1- لجنة المياه والحدود.

2- لجنة الأمن والأرض.

3- لجنة الطاقة والبيئة.

ثم تلاه اجتماع رئيس الوزراء الأردني د. عبدالسلام المجالي مع وزير الخارجية شيمون بيريز بمشاركة وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي، وقد عقد الاجتماع في فندق البحر الميت الواقع في الجزء الأردني من البحر الميت في تاريخ 21-22/ 7/ 1994م، وأسفر عن تشكيل ثلاث مجموعات عمل، هي:

1- مجموعة التجارة والبنوك والاقتصاد.

2- مجموعة الطيران المدني.

3- مجموعة المشروعات التعاونية المستقبلية، وهذه المجموعة انبثق عنها ثلاث مجموعات عمل أيضًا، هي:

أ– مجموعة السياحة.

ب- مجموعة الطيران.

ج- مجموعة المتنزهات.

وكانت آخر تلك اللقاءات لقاء القمة الذي عقد في البيت الأبيض بتاريخ 25/ 7/  1994م، بين الملك الأردني، ورئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابين برعاية الرئيس الأمريكي بل كلينتون، وقد أسفرت هذه القمة عن توقيع إعلان مبادئ بين الطرفين نص على إلغاء حالة اللاحرب واللاسلم بين الطرفين، وطالب بالعمل على إقامة «سلام دائم بين الطرفين يقوم على أساس تنمية اقتصادية شاملة، كما نص على اعتراف رسمي كامل بين الطرفين ضمن حدود آمنة ومعترف بها».

موقف المعارضة

وفي الوقت الذي كان فيه صانعو القرار في الأردن يخوضون غمار المفاوضات مع الصهاينة؛ نشط الإعلام الرسمي في محاولة منه لتبرير التسارع الأردني في مسار التسوية مع الصهاينة؛ حيث عزفت وسائل الإعلام الرسمي المسموعة والمرئية نغمة واحدة قوامها أن الأردن كان مضطرًا للدخول في تلك المفاوضات، وأن ثمة ضغوطًا على المملكة اضطرتها للإقدام على التسوية مع الصهاينة، على اعتبار أن الأردن يعاني من عجز مائي بسبب قيام (إسرائيل) باستنزاف مياه نهري اليرموك والأردن والمياه الجوفية في منطقة الأغوار، وكذلك بسبب الزيادة غير الطبيعية في عدد السكان الناجمة عن قدوم حوالي 350 ألف مواطن إبان أزمة الخليج، كما أن للأردن أراضي محتلة تزيد مساحتها عن 380 كيلو متر مربع، وينبغي عليه أن يعمل على استردادها، وقد امتنع الإعلام الرسمي عن إبراز وجهات النظر المخالفة المعارضة للتوجه الرسمي، وكذلك نشطت الرقابة على الصحف والمطبوعات المحلية والخارجية، وكثرت إعلانات التأييد والمؤازرة للخطوات الحكومية، والتي يعتقد البعض أن جهات حكومية كانت وراءها، لكن هذا التوجه الرسمي لا يبدو أنه يلاقي قبولًا لدى كل القوى الفاعلة على الساحة الأردنية، فقد نشطت المعارضة في محاولة منها للاحتجاج على تلك التحركات حيث اعتبرت المعارضة أن كل ما تسوقه الحكومة من مبررات لانسياقها في العملية السلمية لا يعدو عن كونه مجرد أسباب مختلفة، فليست الحدود ولا المياه هي السبب الحقيقي وراء ذلك، فالأرض الأردنية المحتلة لا تزيد مساحتها عن 0.05% من إجمالي مساحة الأردن البالغة حوالي 89 ألف كيلو متر مربع، كما وأن استعادة تلك الأراضي لا يشكل حلًا لمشكلات الأردن السياسية والمائية، فالعجز المائي لن ينتهي باستعادة مياه نهر اليرموك التي يصادر الصهاينة ما يربو على الـ 70% منها.

وتعتقد المعارضة أن التوجه الحكومي يندرج ضمن (النهج الاستسلامي)، وأن ما تطالب به الأردن من حقوق مغتصبة ليست بمنة تمنها عليها دولة مغتصبة، بل هي حقوق شرعية ينبغي أن تستعاد بشتى الوسائل، وتتخوف أوساط المعارضة من جعل الأردن البوابة الكبرى للتطبيع مع الصهاينة كونها الدولة صاحبة الحدود الأطول مع فلسطين المحتلة، وتعتقد أن «إسرائيل» هي المستفيد الأول من سلام كهذا، فهو سلام يقام ما بين قوتين غير متكافئتين، ولذا لابد أن تميل الكفة لصالح الأقوى.

وتعتقد أوساط المعارضة كذلك أن التوجه الحكومي لا يختلف كثيرًا عن توجه الرئيس المصري السابق أنور السادات الذي انطلق من ذات المنطلقات فوعد شعبه بالرخاء والازدهار وبالتنمية الشاملة إذا ما وقعت معاهدة سلام مع «إسرائيل»، فكانت النتيجة زيادة في تدهور الاقتصاد المصري واستفحالًا لمشاكل مصر السياسية والاقتصادية، بل والاجتماعية.

وتبرز في قائمة المعارضة جماعة الإخوان المسلمين التي أصدرت بيانات أدانت فيها توجه الحكومة، وعبرت عن رفضها لمبدأ المفاوضات ونتائجها انطلاقًا من الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وفهم طبيعة العدو الصهيوني، وأبعاد الصراع معه، كما أكدت البيانات على رفض المفاوضات، وما ينتج عنها من آثار، وطالبت الجماعة الجماهير بالصمود أمام التطبيع (ورفض دعوات التركيع والاستسلام)، وقد اعتبرت أن ما يجري من مفاوضات لا تؤدي إلا إلى الاعتراف بشرعية وجود الصهاينة على أرض فلسطين، وأعلنت الجماعة رفضها لأن يكون استرجاع بضع كيلو مترات من الأراضي ثمنًا لبيع فلسطين والاعتراف بشرعية وجود الصهاينة عليها، وأقامت الجماعة مهرجانًا خطابيًا واعتصامات في كل أنحاء المملكة احتجاجًا على ما قامت به الحكومة.

وأصدرت جبهة العمل الإسلامي بيانًا وضحت فيه رفضها للمفاوضات الجارية مع الصهاينة، واعتبرتها مساوية لاتفاقيات كامب ديفيد ومدريد وأوسلو، وأكدت الجبهة في بيان آخر مشترك مع الأحزاب المعارضة لمسيرة السلام رفضها كل اللقاءات التي تعترف بحق العدو في اغتصاب أرض فلسطين، ثم تأتي الأحزاب القومية واليسارية التي وقفت ذات الموقف مكتفية بإصدار بيانات الشجب، والإدانة لموقف الحكومة.

الرابط المختصر :