العنوان التسويات.. لماذا تكون ضد حقوق الأمة وثوابتها؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 25-يناير-2000
المتأمل لتاريخنا الحديث يجد أن هناك علاقة طردية بين حالة دخول بعض الدول في مفاوضات مع العدو وحالة تأزم العلاقة بين الحكومات والشعوب وما يواكبها من حملات اعتقال وسجن وتكميم للأفواه ومصادرة للحريات وتوتر للعلاقة بين الحكومات وفصائل من القوى السياسية الرئيسة وبصفة خاصة مع الإسلاميين، ونستطيع أن نرصد تكرارًا لتلك الحالات منذ ما يزيد على نصف القرن الماضي.
فقد حدث أن أخذ المجاهدون المسلمون في مصر من ساحات القتال ضد العدو الصهيوني إلى السجون والمعتقلات، حتى يتم إقرار اتفاقية رودس للهدنة بين العرب والكيان الصهيوني الذي كان لا يزال في طور النشوء.
وتكرر الشيء نفسه في مصر أيضًا عام 1954م، حيث جرى اعتقال الآلاف من الإخوان المسلمين وأعدم عدد من قياداتهم قبل إقرار ما عرف باسم اتفاقية الجلاء بين حكومة العسكر في مصر والاستعمار البريطاني.
وغني عن البيان أن الإخوان المسلمين كان لهم موقف معارض لأي اتفاقيات تفاوضية استسلامية مع اليهود، وجنَّدوا الكتائب الجهادية لحربهم على أرض فلسطين ونالوا من اليهود الشيء الكثير قبل أن تتدخل الحكومة المصرية لاقتياد الإخوان من ساحات الجهاد إلى السجون والمعتقلات، كما كان للإخوان موقف معارض لاتفاقية الجلاء، وكانوا قد اعتمدوا قبل ذلك أسلوب المقاومة المسلحة على ضفاف قناة السويس، والتي نالت من الاستعمار البريطاني أيضًا ما دعاه إلى القبول بالخروج من مصر.
وحين لجأ الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى التفاوض مع الكيان الصهيوني، واتسعت دائرة المعارضة الشعبية، آثر السادات السير في طريق التسوية والاستسلام على التصالح والتوافق مع القوى السياسية الإسلامية والوطنية، فكانت قرارات سبتمبر 1981م الشهيرة، والتي اعتقل بموجبها أكثر من ألف من الشخصيات السياسية، وكانت بحق مذبحة أخرى للحريات في مصر.
وحدث مثل ذلك حين ذهبت مصر إلى مؤتمر مدريد، حيث اعتقل العشرات من الإسلاميين في مصر.
وتكرر المشهد ذاته حين دخل ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، متاهة التسوية الاستسلامية عبر بوابة أوسلو والقاهرة ووادي ريفر وشرم الشيخ.. ولم تصبح مهمة السلطة الفلسطينية اعتقال المجاهدين في فلسطين فحسب، وإنما أصبحت مهمتها محاولة القضاء على جذوة الجهاد في فلسطين وتحقيق الأمن والأمان للعدو.
وها هو الشيء نفسه يتكرر في سوريا، حيث ذكرت الأنباء مؤخرًا اعتقال المئات من أبناء الشعب السوري المسلم، وتواكب ذلك مع عقد المحادثات السورية الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة في شيبردوزتاون.
ولا نخالف الحقيقة إذا قلنا إن موقف القوى الإسلامية وبعض القوى الوطنية المخلصة خلال تلك الحوادث كان هو الموقف الصحيح النابع من المعرفة الصادقة بقواعد الحق والعدالة، البعيد عن زيغ السياسات التي تعليها الأهواء وتخضع للضغوط الأجنبية.
فمن الناحية الشرعية، هناك إجماع لدى الفقهاء على أنه إذا دیست أرض الإسلام، ووطئ العدو ديار المسلمين، وجب الجهاد على كل مسلم ومسلمة، وقد تعددت الفتاوى في ذلك الشأن.. بل وقد سعى بعض الحكام لاستصدار مثل تلك الفتاوى لتدعيم مواقفهم في لحظات تاريخية معينة، ثم إذا ما بدلوا آراءهم وانساقوا في متاهة التسوية تجاهلوا تلك الفتاوى وكأنها صدرت لفترة زمنية معينة، ولم تعد صالحة لما بعدها.. على الرغم من أن حكمها باقٍ لم يتغير.
ومن الناحية القانونية والتاريخية، فإن منهجية التفاوض بشكل عام والتي تأخذ بها معظم الأنظمة التي دخلت في تسويات مع العدو الإسرائيلي جرى تطويرها في أعقاب الحروب التي كانت تقع بين دولة وأخرى.. ولا لا ينطبق على الكيان الصهيوني لأنه لم يكن له دولة من الأساس وليس له حق الجلوس إلى مائدة المفاوضات.
ومن ناحية أخرى، فإن المفاوضات بين الدول المنتصرة وتلك المنهزمة لم تكن تتناول بأي حال من الأحوال التنازل عن أراضي الدول المنهزمة لصالح الدول المنتصرة.. لقد هُزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، كما هُزمت ومعها إيطاليا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ولكن المفاوضات في أعقاب الحربين لم تمس شبرًا من أراضي ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، وكل ما تناولته المفاوضات هو أن يتنازل المنهزم عن بعض مناطق نفوذه أو الأراضي التي كان يحتلها في المستعمرات أو مناطق أخرى من العالم خارج دياره.
أما المفاوضات التي تُجرى مع بعض بلداننا، فإنها تشترط بشكل أساسي التنازل عن أراضٍ من فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها، والاعتراف للمعتدي بعدوانه، والتسليم بحقه في تطبيع العلاقات سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، والسماح له باختراق حصوننا وقلاع دفاعنا.
ومن ناحية ثالثة، وبالنظر إلى دور الولايات المتحدة، فإن نظريات التفاوض التي وضعها خبراء العلاقات الدولية وفيهم خبراء أمريكيون، تقربان نموذج التفاوض الذي يكون فيه دور الطرف ثالث هو من أسوأ نماذج التفاوض المعروفة، إذ تكون احتمالات الانحياز لأحد الأطراف عالية جدًا، إذ لا بد لكي يتم التوصل إلى اتفاق أن يجتمع رأيا طرفين ضمن طرف ثالث، ومن البداهة أنه لن يجتمع رأي الطرف العربي مع الطرف الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة، كما أنه من البداهة والمعروف من واقع التجربة المتكررة في أكثر من مجال أن الرأي الأمريكي منحاز دائمًا للطرف الإسرائيلي، وهكذا يجد الطرف العربي نفسه دائمًا معزولًا محاصرًا واقعًا تحت الضغوط التي تقوده في النهاية إلى التسليم الذليل بالتنازلات المطلوبة.
ومن المهم هنا أن نقرر أنه سواء بالنسبة للمفاوضات السورية - الإسرائيلية أو الفلسطينية - الإسرائيلية أو غيرها، فإنه لا مجال البتة للتفاوض حول الحقوق الثابتة للعرب والمسلمين في ديارهم، ولا مجال للحديث عن التنازلات المتبادلة، وإنما فقط أنه يجب على المحتل الغاصب أن يحمل عصاه ويرحل.. فإذا لم يقبل فليس للأمة بديل سوى سلوك سبيل الجهاد لإجبار الغاصب على ذلك، كما أنه من المهم أن تذكر بعض الأنظمة أنه ليس من مصلحة الأمة، بل ليس من مصلحة تلك الأنظمة نفسها، إماتة الجهاد من نفوس المسلمين، لأن في ذلك إماتة للأمة نفسها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به الأمة ولا يقبل به مخلص من أبنائها.
ولتدرك الحكومات العربية والإسلامية أن الأمانة عظيمة وأن التاريخ سيسجل ما يفعلونه، إما تخليد للذكرى أو لعنة مدى الدهر، كما أنهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة في موقف تشيب لهوله الولدان، فليتق كل مسؤول ربه، وليرع الأمانة التي في عنقه، ولا يفرط في حقوق الأمة وثوابتها.
نسال الله أن يوفق الجميع لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (سورة التوبة آية 38)، ﴿ ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ (سورة التوبة آية 41).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل