العنوان التردي العربي مَن سببه الأنظمة أًم الجماهير؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 61
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
حالة التردي التي تعيشها الأمة يعود معظم أسبابها للأنظمة الثورية.
● الأنظمة العربية الثورية عطلت دور الجماهير ومؤسساتها التعبيرية.
● المؤسسات العسكرية تحولت في ظل الأنظمة الثورية من حماية الوطن إلى حماية النظام.
● الجماهير تتحمل جزءًا من المسؤولية في عدم تصديها لممارسات الأنظمة الثورية.
● حُكم الفرد الذي ورثه الثوريون سبب أساسي في المأساة.
● إرهاب الأنظمة الثورية تصاعد في نموذج حماة من أجل أن ينسى المواطن العربي كلمة «لا».
شهدت المنطقة العربية في الأسبوعين الماضيين عدة أحداث استحوذت على المقام الأول في التغطية الإعلامية لمختلف وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون.. وتضمنت هذه التغطية الإعلامية لقاءات مع من يسمون «نجوم» السياسة والفكر في الوطن العربي، حيث أدلى كل منهم بدلوه في تلك الأحداث معطيًا تفسيره لهذا الحدث ورأيه في دوافع الحدث الآخر وموقفه من الحدث الثالث.. وهكذا، ولم تنسَ الوسائل الإعلامية أن تبرز هذا السياسي وذاك المُفكر والثوري!! وتصورهم في أوضاع وتعبيرات تظهر مدى اهتمامهم بتلك الأحداث، ومدى أهمية تلك الآراء والتفسيرات التي نقلوها عبر هذه الوسائل الإعلامية إلى الجماهير، التي كانت تعيش حالة مأساوية لا يعلم مداها إلا الله.
المسلسل المأساوي:
لقد عاشت هذه الجماهير خلال الأسبوعين الماضيين أحداثًا مأساوية زادت من حجم التردي الذي تعيشه هذه الأمة، وزادت من شعور المذلة الذي يحيط بها منذ فترة طويلة.. فمن الغارة الإسرائيلية على مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.. إلى حادث السفينة الإيطالية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها.. إلى حادث اختطاف الطائرة المصرية من قِبَل المقاتلات الأمريكية.. إلى الموقف البريطاني من الوفد الأردني الفلسطيني الذي كان يزور لندن.. إلى موقف الأمم المتحدة السلبي مع القضية العربية إلى.. إلى...
هذا المسلسل المأساوي الذي عاشته الجماهير العربية خلال الأسبوعين الماضيين لم يكُن سببًا لحالة التردي الذي تعيشه الأمة العربية؛ لكون هذا المسلسل لا يُشكل سوى حيز بسيط جدًّا في حجم المسلسلات العربية التي أسقطت هذه الأمة في هوة عميقة من الذل المأساوي، الذي ما نظن أنها عاشته في أية مرحلة من مراحل تاريخها.. فمن خلال استعراض سريع لهذه المسلسلات يتبين لنا حجم التردي والمذلة اللتين خلفتهما هذه المسلسلات:
● مسلسل الانقلابات العسكرية التي كانت في معظمها تخدم القوى المتآمرة على هذه الأمة.. حيث كانت الحرية السياسية تصادر مع أول بيان يصدره الانقلابيون.
● الحرب المشبوهة في فلسطين عام ١٩٤٨، والتي كانت تسير حسب رغبة القوى الدولية للوصول إلى إقامة الكيان اليهودي على أرض فلسطين.
● زرع الأحزاب العلمانية والاشتراكية، المتناقضة مع عقيدة الأمة في محاولة لخلخلة صفوفها لصالح القوى الدولية المتآمرة على الأمة شرقية كانت أَم غربية.
● انقلاب عبد الناصر عام ١٩٥٢ واحتواء الحركة الجماهيرية في مصر والتي كانت تهدد باقتلاع جذور الفساد الذي كان يحيط بالحياة السياسية والاجتماعية في مصر.
● ظهور الدكتاتوريات الفردية التي أسهمت في تعطيل دور الجماهير وأبرزت نظرية الزعيم الأوحد التي لم تكن تألفها الجماهير.. وكانت دكتاتورية عبد الناصر المغلفة بهذه النظرية بداية الظهور للدكتاتوريات العربية الأخرى التي اعتمدت نفس المنهج الناصري.. وهذا ما كان واضحًا في كثير من البلدان العربية كعراق قاسم وجزائر بومدين وسودان النميري وفي سوريا والصومال وليبيا.. إلخ.
● الهجمة الإرهابية التي رافقت ظهور هذه الدكتاتوريات، ومعاناة الجماهير من تعسف الأنظمة الدكتاتورية التي عمدت إلى تشكيل التنظيمات الأمنية المتعددة، التي كانت تهدف في مجموعها إلى تأمين حماية النظام الفردي وتسخير أجهزة الدولة لخدمة آراء وطموحات الزعيم الأوحد.
● الانقسام العربي الذي رافق ظهور الزعامات الدكتاتورية التي كانت تبحث عن امتدادات خارج نظامها في محاولة لإرضاء تطلعاتها الشخصية، كما حدث مع عبد الناصر الذي ورط قواته في حرب خاسرة لا مبرر لها على أرض اليمن امتدت لعدة سنوات.
● حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧ والهزيمة العسكرية العربية الثورية، والتي استمرت لسنوات طويلة وهي تصرخ ليلًا ونهارًا متباهية بقوتها وإمكاناتها ومخططاتها التحريرية.. وفي ساعات قليلة فقط سقط كل شيء.
● النتائج المأساوية المترتبة على حرب الأيام الستة، وبخاصة تلك التي تتعلق بسقوط الضفة الغربية وسيناء والجولان بيد العدو الصهيوني، وما ترتب على سقوط الضفة من مآسٍ إنسانية نتيجة التهجير والنزوح.
● قبول الثورية العربية لمبدأ الحلول السلمية من خلال ما سمي بمبادرة روجرز التي وافق عليها عبد الناصر، والتي لا تختلف من حيث المبادئ الأساسية مع اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها أنور السادات.
● حرب التحريك في أكتوبر عام 1973 وما تبعها من اتفاقات عبر اليهودي الأمريكي هنري كيسنجر.
● التآمر على تصفية العمل الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل وكانت بداياته عام 1970م من خلال ما سُمي بمجزرة أيلول.
● المحاولات المستمرة من جانب الأنظمة الثورية لاحتواء العمل الفلسطيني وبخاصة المسلح منه، لمنعه من تأدية دوره على الساحة الفلسطينية.
● محاصرة العمل الفدائي الفلسطيني في لبنان ومجابهته من خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥، وضرب هذا التواجد عام ١٩٧٦ على يد قوات الردع السورية.
● الغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲ لضرب القوى الفلسطينية المسلحة والمتحالفة مع الشارع اللبناني المسلم.
● ضرب بقايا التواجد الفلسطيني المسلح في المخيمات الفلسطينية صبرا وشاتيلا والبداوي وبرج البراجنة، على يد التحالف الصليبي الباطني المتمثل بحركة أمل والقوات المسيحية، والمشاركة المباشرة للقوات النصيرية الحاقدة.
● قيام الأنظمة الثورية بضرب المعارضة الوطنية؛ لتصفيتها وقطع الطريق على أية معارضة منظمة أو غير منظمة لتلك الأنظمة الثورية القائمة على الدكتاتورية الفردية، ولو أدى ذلك إلى تهديم مدن بأكملها.
ما ذكرناه هو استعراض سريع وموجز للمسلسلات المأساوية التي عاشتها المنطقة العربية منذ أكثر من ثلاثين عامًا وحتى الآن، كان من نتيجتها ظهور حالة التردي المُشبع بالذل والتي نلمسها بكل وضوح.
ولكن السؤال الذي يطرح هنا ما هو دور الأنظمة والجماهير في هذه الحالة؟
دور الأنظمة:
نلاحظ من خلال ما استعرضناه من نقاط سابقة حول المسلسلات المأساوية أن معظمها يتعلق مباشرة بالأنظمة.. وهذا يعني أن حالة التردي التي تعيشها الأمة يعود معظم أسبابها للأنظمة.. فمعظم الأنظمة العربية وبخاصة الثورية منها هي التي عطلت دور الجماهير ومؤسساتها التعبيرية من برلمان وصحافة وفكر وفن... وجعلت هذه المؤسسات تدور ضمن الهالة التي أحاطت بها الزعامة الثورية نفسها، فتحول البرلمان إلى مجرد قاعة للتصفيق ومكان يبصم فيه على قرارات الزعيم، ولهذا فقدت الانتخابات النيابية أي معنى لها ولم تعد تقابل من قِبَل الجماهير بأدنى اهتمام... وأحجمت الشخصيات الوطنية عنها أو تم إبعادها بقرارات العزل السياسي التي كان يصدرها النظام. وتقدم إلى عضوية المجلس بعض من حُثالة الأمة وأراذلها ليتصدروا مراكز العمل السياسي فيها.
ومن هنا فإن قرارات هذه المجالس كانت في معظمها وبخاصة السياسية منها تتناقض تمامًا مع تطلعات الأمة وأهدافها.. وكانت في قراراتها تبحث في منهج الزعيم وأطروحاته واهتماماته، أما اهتمامات الأمة ومشاكلها ومنهجها فلا مكان له في البرلمانات الثورية، التي تنافست في إضفاء الطابع الشرعي على هذه الزعامة وتجديد مدة زعامتها لمدى الحياة، وكأن الأمة أصبحت بعده عاقرًا لا تُنجب. ومن مهازل هذه البرلمانات أنها كانت تصادق على قرارات الزعيم ولو كانت تتعلق بوأد الحريات، والحكم بالإعدام على من ينتسب لهذا التنظيم المعارض أو ذاك، بشكل لم نسمع به من قبل باستثناء العهد الستاليني الدموي في روسيا.
ولم يكن حظ الصحافة والنشر والفكر والفنون الإنسانية المختلفة أفضل من حظ البرلمانات؛ فقد شهدت المجتمعات العربية «باستثناء البعض منها» حظرًا يكاد يكون كاملًا على الإبداع الفكري بمختلف أنواعه، فالصحافة على سبيل المثال أصبحت تعبر فقط عن وجهة نظر النظام وتبني له مجدًا زائفًا عبر مئات المقالات التي تدور حول إنجازات النظام وزعيمه الأوحد، وتصوره بأنه القائد المُلهم وأمل الأمة.. وأغفلت كل السلبيات التي كانت تنتشر في طول المجتمع وعرضه، وكان رجال الصحافة وكتابها في ذلك خير معين لهذا النظام وزعيمه في استمرار التدهور الذي كان يلاحظ في جميع الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وموقف الصحافة هذا جعل الأمة تقف منها موقفًا سلبيًّا لا حد له، وما يقال عن اهتمام أبناء الأمة بقراءة صفحات الرياضة والوفيات والعزوف عن الصفحات الأخرى كان حقيقة أكيدة يعرفها رجال الصحافة قبل غيرهم.
ولا ننسى هنا دور المؤسسة العسكرية في هذه الأنظمة فقد عمدت الأنظمة الثورية إلى تحويل دور هذه المؤسسة من حماية الوطن إلى حماية النظام، ورفعت بعض هذه الأنظمة شعار «النظام أولًا» وربطت ضياع الوطن بضياع النظام، وهذا ما ظهر واضحًا عقب هزيمة حزيران ٦٧ حين صرح زعماء بعض هذه الأنظمة الثورية قائلين إنهم انتصروا على إسرائيل لأنها لم تتمكن من ضرب النظام... وكانت القوات الإسرائيلية في ذلك الوقت تمرح داخل الوطن عشرات الكيلومترات وتستولي على أهم النقاط الاستراتيجية فيه، بل وتضع مدافعها على بُعد 40 كيلومترًا فقط من عاصمة النظام.. ولحماية النظام تحولت المؤسسة العسكرية إلى مليشيات متنوعة الأهداف ومتعددة الأسلحة، فمن السرايا إلى الكتائب إلى القوات الخاصة إلى وحدات الصراع.. وأصبح الهدف الوحيد لهذه المليشيات هو رصد القوى المعادية للنظام وحمايته من أي تحرك يستهدفه.. ولهذا فقد عمدت هذه الأنظمة إلى بناء عشرات التنظيمات الأمنية لتتمكن من الانتشار على مجمل الرقعة الجغرافية للوطن، فالأمن السياسي - المخابرات العسكرية - المباحث العامة - الأمن القومي - الأمن المركزي.. وهذا التعدد والتوسع في الأنظمة الأمنية كان بحاجة إلى ميزانية كبيرة لتغطية النفقات، وكان هذا يُشكل عبئًا كبيرًا على الوطن والمواطن.
والحديث عن الأنظمة يحتاج إلى الكثير والكثير من المساحات الورقية لبيان دورها الكبير في حالة التردي التي تعيشها الأمة.. نكتفي بما ذكرناه كأدلة دامغة تُدين هذه الأنظمة وتحملها مسؤولية هذا التردي.
دور الجماهير:
مهما كان دور الأنظمة واضحًا وكبيرًا في حالة التردي العربي فإنه لا يمكننا أبدًا أن نرفع المسؤولية عن عاتق الجماهير.. فهي تتحمل جزءًا من هذه المسؤولية... ومسؤوليتها هنا تكمُن في توقفها عن ممارسة دورها على مسرح الحياة السياسية وترك النظام يوجه دفة البلاد بما يتفق مع هواه وتطلعاته.. «فحين وقف ذلك الأعرابي مقاطعًا حديث أمير المؤمنين عُمر محتجًّا على عدم عدالة التوزيع- حسب ما كان يظن- قائلًا: لا نسمع لك ولا نطيع» كان بهذا يوضح دورًا هامًّا من أدوار الجماهير التي حين رغبت عنها تعطل دورها لتحتويه الأنظمة الحاكمة.. والناظر في هذه القضية يلاحظ انكماش الدور الجماهيري وعدم فاعليته منذ ما يزيد على الربع قرن والملاحظ أيضًا أن هذا الانكماش كان مرافقًا لظهور الأنظمة الثورية.
فبينما كانت هذه الجماهير تحرك الحياة السياسية وتفرض اتجاهاتها كما كان واضحًا على الساحة السورية والمصرية على سبيل المثال قبل أكثر من ثلاثين عامًا مضت، كانت هذه الجماهير نفسها تقبع منزوية بعيدة عن ممارسة دورها بعد ظهور الأنظمة الثورية.. وهذا يعني أن هذه الجماهير فقدت حيويتها وشجاعتها وقدرتها على المواجهة في عهد الأنظمة الثورية. ونحن لا ننكر هنا أن هذه الأنظمة كانت تلجأ للعنف لتوفير الحماية لها إلا أن هذا لا يبرر توقف الجماهير عن ممارسة دورها حتى ولو كان الطريق إلى ذلك هو مواجهة النظام.. وبقدر ما نلوم هنا مُجمل الجماهير إلا أننا نوجه اللوم الأكبر لتلك الفئة من الجماهير التي تشتغل بالفكر والثقافة.. لأن عليهم تقع مسؤولية تحريك هذه الجماهير وتحسيسها بدورها الحقيقي، ولكن للأسف فإن هذه الفئة المثقفة لم تمارس دورها، بل وذهب البعض منها إلى حد مجاملة الأنظمة وتسخير قلمه وفكره في مدحها والتغني بمنجزاتها. وقد أدى هذا الموقف إلى توقف حركة الثقافة العربية وتردي الحركة الفكرية والفنية على كافة المستويات.
إن الجماهير العربية كان بمقدورها أن تقف في وجه كل أشكال التسلط الذي مارسته تلك الأنظمة لو كانت تستند في حركتها إلى عقيدتها وتاريخها وتراثها، فحين تخلت عن هذا كله تمكنت الأنظمة من احتواء دورها وتجميده طوال هذه العشرات من السنين، والتجارب التي عاشتها بعض المجتمعات العربية حين تحركت بعض جماهيرها ضد تلك الأنظمة خير دليل على أن دور الجماهير هو الأساس في توجيه الأمور ضمن خطها السليم.