; التربية والمرأة: من تخصصات المرأة.. اقتصاد المنزل والأسرة (القسم الثالث) | مجلة المجتمع

العنوان التربية والمرأة: من تخصصات المرأة.. اقتصاد المنزل والأسرة (القسم الثالث)

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

مشاهدات 64

نشر في العدد 783

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

على المرأة أن تعرف معنى الحياة وهدف المسلم منها وتقرير القيم الثابتة والحقائق الخالدة.

الإحساس ببشريتنا يجب أن يبقى حيًا رطبًا لا يفارقنا في يقظة أو منام.

علينا أن نؤمن أن الحياة تجربة سوف نلقى نتيجتها عند الله وأن الآخرة هي دار القرار.

ومن موضوعات التخصص التي يمكن أن تستقل بها المرأة في تعليمها وتتوسع فيه (اقتصاد المنزل والأسرة)،
وهذا الموضوع يتفق مع طبيعة العصر القائم على التخطيط والبرامج، والإحصائيات المختلفة، وهو يؤثر بشكل غير مباشر على استقرار الأسرة اجتماعيًا، وعلى نجاحها في مواجهة متطلبات الحياة المتزايدة، وحين تتولى المرأة هذا الجانب، تعين الرجل في حمل المسؤولية، وتشاركه في التخطيط للمستقبل شريطة الحفاظ المبدئي على حق الرجل في المسؤولية، والطاعة، واتخاذ القرار.

وهذا الموضوع (اقتصاد المنزل والأسرة) مهم، لأن المرأة هي التي تميل -في الغالب- إلى كثرة النفقات والإسراف في اقتناء الأشياء وملاحقة الأزياء والمظاهر المختلفة وهي حين تحرص على هذا الأمر تتأثر بالعادات السائدة، والأوساط التي تختلط بها، وكلما كانت خالية من المشاغل النافعة، والأعمال الجادة مالت إلى تعبئة الفراغ بالمظاهر والملابس، وارتياد الأسواق.

فمن أول فقرات هذا الموضوع معرفة المرأة لمعنى الحياة ولهدف المسلم في هذه الحياة ولتقرير القيم الثابتة، والحقائق الخالدة مع التفريق بينها وبين المظاهر الطارئة والعادات السائدة، والأحداث المستجدة.

لابد من معرفة الثوابت الدائمة التي تقوم عليها الحياة عامة والمسؤولية الخاصة للإنسان في هذه الحياة، ولابد من معرفة الثوابت الحقيقية في فطرة المرأة والعناصر الأساسية التي تقوم عليها حياتها ومسؤوليتها في الحياة.

ولابد من معرفة الأسرة المسلمة، ما هي شروطها؟ وما هي عناصرها الأساسية؟ وما هي مهماتها الأساسية أيضا؟
على ضوء هذه الأساسيات يبدأ تفكير المرأة باقتصاديات الأسرة والمنزل، وعلى ضوء الحضور الدائم لمعنى العبودية لله عز وجل بمعناها الشامل، وعلى ضوء الحضور الدائم لمعنى السعي الدائم للفوز بمرضاة الله عز وجل في الدنيا والآخرة، على ضوء هذا تبدأ المرأة المسلمة فهم الحياة، وفهم الأسرة، وفهم الموضوع الذي تريده.

إن الإحساس ببشريتنا.. الإحساس بأننا مخلوقون وأن لنا ربًا خالقًا قادرًا عليمًا بصيرًا وإليه المصير، إن هذا الإحساس جدير بأن يبقى حيًا رطبًا، لا يفارقنا في يقظة أو منام ولا ننساه في فرح أو ترح لأنه يعيننا على التماس الرشد في كل تصرفاتنا وسلوكنا وتفكيرنا.

لذلك فإن اقتصاد المنزل والأسرة لن يكون -إذا سار على ضوء تلك الملاحظات- اقتصاد مادة وأرقام ومشاريع بناء وتوسع وإنما سيكون تخطيطًا سليمًا لقيام أسرة مسلمة بمسؤوليتها نحو أبنائها، ونحو مجتمعها، ونحو أمتها الإسلامية كلها

وتخطيط هذا الأمر يقتضي معرفة الأساسيات التي تحتاجها الأسرة لتكون أسرة مسلمة، هناك أمور تتعلق بعقيدتها وتحتاج إلى الرعاية المستمرة ليبقى الزوجان وينشأ الأولاد على الطريق السوي والتوحيد الخالص، ولن يتأتى ذلك عن طريق الاكتفاء بالموروثات عن ذلك من الآباء، أو المجتمع، لابد من الاطلاع والوعي والمدارسة، والبحث المستمر عند أي طارئ أو جديد.

وهناك أمور تتعلق بعبادتها لتكون عبادة صحيحة وتامة وهذا يحتاج إلى رعاية مستمرة وحساب في اقتصاديات الأسرة وهناك أمور تتعلق بتربية الأولاد من جميع النواحي لينشأوا مسلمين حقًا بوعي واختيار، بالتصور الاعتقادي والسلوك العملي، بالبنية الجسدية الصحيحة، والخلق الإسلامي المتين.

ولن يتحقق هذا إلا بالتخطيط السليم الذي يوفر للزوجين الفهم الصحيح، والمسؤولية المنوطة بهما، والإمكانيات الضرورية لهذا الغرض هناك الرعاية الصحية التي تحتاج إلى نفقات كافية، هناك الرعاية الخلقية التي تحتاج إلى برامج واعية، ومخططة تنفذ ليعيش الطفل حياة إسلامية صحيحة، وينشأ في جو إسلامي صحيح. هناك الرعاية النفسية التي تجعله مرتبطًا بخالقه، لا يحب أحدًا كما يحب ربه عز وجل، ولا يؤثر على مرضاة الله شيئًا، ولا يغادر إحساسه مراقبة الله له، ولا ينسى لحظة أنه برعاية رب قادر علیم كريم، ولن يتحقق ذلك إلا ببرنامج أسري مخطط، قائم على تصور إسلامي صحيح، يوفر الجو النفسي الملائم، الذي يتنفس من خلاله عبير الحياة الإسلامية، وينشأ معه وفي دمه حب الله والسعي لمرضاته، والاستسلام لقضائه، والعيش في ظلال شريعته.

وهناك الرعاية العلمية التي تحتاجها المرأة والرجل -كزوجين- أولًا وبالقدر الذي يمكنهما من فهم الأمور المهمة في حياتهما، والقيام بالرعاية الصحيحة لأولادهما.

وهناك الأمور المتعلقة بالنفقات الأساسية للأسرة والتي تكفل لها حياة مطمئنة هانئة هادئة، تتوفر فيها الضرورات الأساسية من أطعمة وملابس وفرش وغيرها. ولابد أن يكون هناك ارتباط واضح بين الأهداف الحقيقية للأسرة المسلمة في الحياة وبين النفقات، بحيث لا يكون الطعام والشراب مثلا غاية بحد ذاته، ولا تنقلب الحاجة الضرورية للغذاء لاستمرار الحياة، ونمو الجسد وبنائه ليكون قادرًا على حمل أعباء العبادة بمعناها الشامل أقول: لا تنقلب هذه الحاجة إلى شهوة المعدة التي لا تنتهي، ولا تمتلئ، حتى تفرغ وتطلب المزيد «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب».

وهذا لا يتنافى مع التذوق للطيب من الطعام، والاختيار للشهي المناسب ولا يتعارض أبدًا مع الإحساس الجمالي لمذاق الطعام، أو ترتيبه أو تهيئته، شريطة أن لا (۱) يفرق البيت في هذا الشأن، وأن لا تنسى الواجبات أو تغفل الضرورات بشأن هذه الأمور.
وكذلك يكون شأن اللباس، وشأن الفراش وشأن الوسائل التي تلزم لحاجات الأسرة وتكون من مقتنيات الأسرة. ولعل من أهم الأمور التي يمكن أن تعالج ضمن هذا الموضوع الغرق في المادة الذي أصاب الناس في هذا العصر ولم يسلم منه بيت حتى أصبح الإسراف عادة مقبولة، والتبذير حاجة جمالية ولم يعد مستغربًا أن تجد الأسر الفقيرة وتنفق على أمور تافهة باسم الترفيه، ما يسيء إلى سمتها الإسلامي.

والخطر في هذا ليس النفقة ذاتها فقط، وإنما ذلك الإحساس الذي يرافقها، بعد أن ترسخ في أذهان الرجل والمرأة أن مثل هذه النفقات ضرورة من الضرورات، وأن التنويع والترفيه الذي لا ضابط له مهم لراحة الأبناء وطمأنينة الأسرة، لأن العصر الحاضر مليء بالمنغصات وكثير الأزمات مما زاد الضغوط والقلق على نفوس المسلمين، ويلزمهم لذلك نوع من التنفيس، والتفريج، وفي هذا تحقيق العلاج.

إن هذا الإحساس وهذا التفكير أخطر من الإسراف ذاته وأكبر ضررًا من التبذير الشائن لأنه يتنافى مع أبسط مفاهيم الإيمان، ومع أبسط مفاهيم التوكل على الله والرضاء بقضائه، واللجوء إليه وطلب الثواب منه.

ماذا يبقى لنا من الثواب إن لم نفهم الحياة على أنها تجربة سوف نلقى نتيجتها عند الله، وأن الآخرة هي دار القرار، وهي الحياة الحقيقية؟ ماذا يبقى لنا إذا كان سلوكنا يومئ إلى أن دنيانا هي كل شيء، وأن ما نريده من طيب وثواب وسعادة نلتمسه في هذه الدنيا وأننا حين نفقد شيئًا طلبناه وحرصنا عليه أو عز علينا تحقيق هدف سعينا إليه أو نالنا بؤس لأجل غاية هدفنا إليها؟ ماذا يبقى لنا إذا كان شعورنا حين يحدث شيء من هذا شعور السخط، والخسارة التي لا تعوض؟

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: 14-17).

هذه زينة أغرت الناس في الدنيا، بهذه التفصيلات التي دلت عليها الآية ولكن الله عز وجل يرشدنا إلى الحق، إلى الطريق الأقوم لأن المآب إليه، وعنده حسن المآب، وهذا الطريق يقوم على التقوى في العبادة والسلوك والنفقة لنظفر بالحياة عنده سبحانه وتعالى في جنات تجري من تحتها الأنهار، ولنظفر بالطيبات الحقيقية ثم دلنا على الشروط التي توصلنا إلى هذه الطيبات.
ولذا فالتخطيط الاقتصادي للأسرة ينبغي أن يقوم على هذه الحسابات البعيدة والاعتبارات الإيمانية الأساسية لأنه اقتصاد يربط بين الدنيا والآخرة، ويضع في أهدافه الأساسية الوصول إلى الطيبات الباقية والنجاة من الإفلاس والبوار والنار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6).

وسيكون في هذه الموضوعات ما يربي الأبناء على حفظ النعمة وشكرها أيًا كانت هذه النعمة، وعدم الاستهانة بالحبة الصغيرة، ولا بغيرها مما أنعم الله به علينا، وهذا بالتالي سيؤدي إلى حماية الثروة من العبث والفساد ثروة البيت، وثروة المجتمع كله، وسيجعل الناس يربطون بين ما ينعمون به من أشياء وبين الله عز وجل الخالق الرازق المنعم، فلا يبطرون، ولا ينسون فضل الله عليهم، فيظلون على الجادة، ويسلمون من الوقوع في السفاهة التي استشرت بين الناس.

وكذلك لابد من دراسة ما افترضه الله على المسلم من زكاة في الأموال والزروع وما ندبنا إليه من تعاون وصدقات وإحسان، وما أوجبه علينا من حقوق نحو الآباء والأمهات ونحو الأصول من بر ونفقة ومعاملة حسنة.

كل هذا لترسيخ الفهم الصحيح لوظيفة المال في الحياة، ولترسيخ فكرة الحقوق الواجبة والتعاون الضروري والإحسان الطيب والإحساس بالروابط التي جعلها الله بين الناس، واقتضت أن يكون بينهم من التعاون ما يبرهن على هذه الأواصر، ويغرس في نفوس الأجيال هذه المعاني، فينشأون وهم يرون فيما ينفقون في سبيل الله أحب إليهم مما يبقى في أيديهم أو ينفقونه على أنفسهم، فيتخلصون من الأنانية والأثرة، وغلظة الإحساس ويتربون على الإيثار والسخاء والتعاون والبر وحب الخير والإحسان إلى الآخرين عن كرم في الطبيعة، وأصالة في النفوس.

إضافة لما سبق، فإن اقتصاد الأسرة والمنزل سيهتم بتنظيم أمور الأسرة على ضوء القواعد الأساسية لبنائها، والأهداف الرئيسية لها، وبالتالي سيكون توزيع نشاطاتها واهتماماتها مكافئًا لأهدافها، وسيتجدد عمل كل فرد فيها ومسؤوليته على ضوء ذلك، فينشأ الابن منذ الصغر وقد تعود حمل المسؤولية، وفهم ما ينبغي أن يفعله في نطاق أسرته ليكون عبدًا لله مطيعًا صالحًا، وليكون مواطنًا في بلده، وفردًا من أمته يقوم بواجبه بدافع الشعور بالمسؤولية والوعي بالمهمة، لا بدافع الخوف من العقوبة، والخشية من القانون.

وقد يلحق بهذا الموضوع الكبير أمور كثيرة تؤدي إلى زيادة دخل الأسرة وتحمل كثيرًا من الأعباء التي باتت ترهق الكثيرين، وتساهم أيضا في القضاء على الفراغ والتخلص من الملل الذي يقود إلى كثير من الإسراف من هذه الأمور قيام صناعات منزلية تعتمد على جهود النساء ولا بأس من اشتراك عدد من الأسر في ذلك إذا اقتضى الأمر ذلك، ولكن مثل هذا الأمر يحتاج إلى إعداد مسبق وتدريب جاد لتستطيع المرأة القيام بهذا.

ولنتساءل معا: لماذا تدرس الفتاة مواد الفيزياء والكيمياء والأحياء كما يدرسها الرجل؟

لماذا لا تأخذ أساسيات هذه المواد وقوانينها، ثم ينصب الاهتمام على الجوانب التي تتعلق بحياة المرأة أو تستطيع أن تستفيد منها في الحياة العملية.

لربما كان كثير من الصناعات البسيطة يعتمد على مثل هذه المعلومات ولكنها لا تدرس ولا تشرح لأنه ليس من أهداف المادة أن تتحول إلى التطبيق والاستفادة من إمكانات المرأة ومن هذا يمكن أن نتصور منهجًا خاصًا لتعليم المرأة يقوم على فهم أساسيات المادة، ولكنه يهتم بالأمور التطبيقية التي تستفيد منها المرأة في البيت مثل أمور الصيانة، والوقاية، وحفظ الأغذية، وصنع كثير من الأغذية المحفوظة، أو الملبوسات وغيرها.
وبالختام، فإنه لابد من التخلص من هيمنة المناهج الغربية وفلسفتها على مناهجنا، ولابد من التخلص من عقدة النقص التي تلازم كثيرًا منا، مما يؤدي إلى متابعة الغرب في كل أموره وأفكاره ومناهجه على الرغم من أن كثيرًا منها يخالف عقيدتنا ولا يتفق مع عاداتنا.

إن مشكلات كثيرة يعاني منها المجتمع الإسلامي في أقطاره المختلفة نتيجة لاتباع المناهج العربية وأولها البطالة التي تنشأ من مزاحمة المرأة للرجل في كثير من الوظائف والأعمال، ثم زيادة العمالة التي تنشأ من الحاجة إلى الخادمات والمربيات.. لانشغال المرأة في مجالات كثيرة وإهمالها أمور البيت.

إن تفكيرًا موضوعيًا سيؤدي إلى وضع الأمور في نصابها والاستفادة من جهود الرجل والمرأة بشكل يتلاءم مع فطرة كل منهما، ويحافظ على التوازن المطلوب في ظل المنهج الإسلامي الشامل.

_____________
(1) رغم أن الكلمة تكتب مدغمة ألا، ولكن أفضل إرجاعها للأصل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

172

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة