; التربية والتعليم.. ولعبة الأمم | مجلة المجتمع

العنوان التربية والتعليم.. ولعبة الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 21-فبراير-1995

قرأت كثيرًا في تاريخ أمتنا المعاصرة، وأحوال شعوبنا الحاضرة، فوجدت أن طبيعة هذا التاريخ وأعماق أحوال الأمة نفسها، تدعو إلى منقذ، وتتلفت إلى مُخلص، وتنادي إلى ثورة، لأن كل شؤونها تسير في اتجاهات عكسية، وتنحدر إلى أعماق سفلية بسرعة مخيفة، يصاحب ذلك لهو سدنتها، وعمى ريادتها، وسأحاول أن أضرب مثلًا واحدًا أو مثلين من ملايين الأمثلة الدالة على ذلك، ففي التربية والتعليم مثلًا، وهي قضية جذعة اليوم نرى أن بعض المسلطين والمشبوهين يذهبون بالأمة إلى كارثة، ويسيرون بها إلى قارعة ليمزقوها عن طريق التعليم، وليخربوها بوسائل التربية، متناسين ومتغابين كل معاني التربية والتعليم التي قد تؤدي إلى بعض النفع، أو إلى بصيص من إنقاذ، وقد نستشهد بأقوال بعض علماء الغرب الذين عرفوا التربية والتعليم ووضحوا معالمها، ولا نستشهد بأقوال علمائنا وهي واضحة جلية حتى لا نتهم بالتي واللتيا.

يقول الخبير البريطاني المعروف «Sir, Rercy Neinn» الخبير في مجال التربية والتعليم في مقال له كتبه لدائرة المعارف البريطانية: «لقد سلك الناس مسالك مختلفة في التعريف بالتربية والتعليم، ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعًا أن التربية هي الجهد الذي يقوم به آباء شعبٍ ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها، إن وظيفة المدرسة أن تمنح للقوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ، تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكن من الاحتفاظ بحياة الأمة ولتمديدها إلى الأمام».

هذا كلام علماء التربية وخبرائها، فما بالنا إذا كانت عقيدتنا خير العقائد، وأنها جاءت عن وحي السماء، وعن النبوة والرسالة، وسلمت من الأخطاء والأباطيل، وصنعت أمة سامقة على مدار التاريخ كانت فخرًا للبشرية والإنسانية، فإنه يتضاعف بذلك تمسكنا بها والتربية عليها، وتتضاعف بذلك المسؤولية وتتضخم، خاصة إذا علمنا أن طبيعة الدين الإسلامي تؤكد على العلم، بل تجعله فريضة، والرسالة الأولى التي وجهت إلى البشرية تأمر بالقراءة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: 1)، فإذا جاز لنا أن نسأل الحكماء والعلماء والفلاسفة في جميع البلاد والبقاع عن افتتاحية رسالة إلى البشرية تأتيها من ربها لتنقذها ما كان لهم أن يتصوروا إلا هذه الرسالة التي تبدأ بكلمة «اقرأ»، ذلك أنه لم يبدأ حتى بكلمة «العلم»، وإنما بالقراءة، والقراءة تتضمن الكتابة والقلم والورق، بينما العلم قد يكون وهبيًا لا يحتاج إلى القلم والقراءة والكتابة والورق، وقد قرنت تلك الرسالة العلم بالعمل، وجعلت العلم بغير عمل بطلانًا وبوارًا ومضيعة للوقت وهلاكًا للطاقة كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ثم ربطته بنفع البشرية، وحفظته بدستور أخلاقي وقيمي حتى لا تنفلت الطاقات وتدمر كل شيء بسلطان العلم، اتباعًا للأهواء والنوازع والأحقاد وحثت هذه الرسالة على النظر في كل شيء في الكون وفي البحث في أسراره ومكوناته (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) (يونس: 101)، رسالة بهذا العلم الذي يجاوز الأرض إلى السماء ليقتنص النجوم والكواكب، ويخوض في العوالم ويسبح مع الأفلاك تعادى أو تُترك أو يتناساها أناس عندهم مسكة من عقل، أو بصيص من توجه إلى نهضة أو ريادة، وقد تعجب إذ ترى حجم هذا العداء وزخمه قد فاق الحدود والتوقعات، وتولاه دهاقنة وريادات وقيادات، بل مشاريع لأمم، بل أصبح مخططات ودراسات وتوصيات وقراءات، بل أصبح لذلك قصص وروايات محزنة ومفجعة تدمع الأعين وتدمي القلوب.

أمسك بقلبك أن يطير مفزعًا                       وتول عن دنياك حتى حين

فالهول عات والحقائق مُرة                           تسمو على التصوير والتبيين

والخطب ليس بخطب مصر وحدها          بل خطب هذا المشرق المسكين

حسبوا الزمان أصم أعمى عنهم                   قد نوموه بضجة وطنين

ويراعة التاريخ تسخر منهمو                          وتقوم بالتسجيل والتدوين

فمن زمن ليس بالقريب بدأ الاستعمار تغيير المناهج الإسلامية وتربية الناشئة على التغريب في العادات والتقاليد وإضعاف الهويات والنزوع إلى الغرب لا في التقنيات والصناعات والتكنولوجيات، بل في البعد عن كل ما يربط الأمة بتراث أو خلق أو عقيدة، وجاءت بعد ذلك بعض الأنظمة فأعلنت الحرب صراحة وبغير مواربة على التدين وعلى التعليم الديني، أو ارتباط التعليم بالإسلام، واتخذت لذلك القرارات المختلفة والتي كان منها:

1- إبعاد الناشئة عن التاريخ الإسلامي في المدارس لأنه تبين أن تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس يربط السياسة بالدين في لاشعور أكثر التلاميذ منذ الصغر.

2- العمل على إبعاد كل سمة للنزعة الدينية عن الناشئة لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة فكر التطرف الديني.

3- إبعاد فكرة الطهارة وأوهامها عن الشباب لأن ذلك سيبعدهم عن الحياة الحديثة.

4- تغيير مناهج تدريس الدين الإسلامي في المدارس والعمل على ربطها بالمناهج المادية مع إبراز مفاسد الخلافة الإسلامية.

5- تضييق فرص العمل أمام المتدينين، ووضع العراقيل في سبيل ذلك.

6- اتباع سياسة تجفيف المنابع بإبعاد أي فكر إسلامي أو قيمة إسلامية عن طرق الشباب بكل الوسائل حتى تهتز المثل والأفكار الإسلامية في نفوسهم.

7- الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه معارضة هذه السياسة أو الوقوف في طريقها.

8- تسخير الصحافة وأجهزة الإعلام لتنفيذ هذه السياسة والعمل على ترسيخها في وسط الأمة، إلى غير ذلك من القرارات والتوصيات التي أعدت على أعلى المستويات والقيادات.

فهل هذه الأمة تريد تربية وتعليمًا حقًّا، أم أنها تلعب مع شعوبها لعبة التهميش والتلطيش والتركيع؟

وأخيرًا...

فلكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.. وإنا لله وإنا إليه راجعون!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

134

الثلاثاء 21-أبريل-1970

خصائص المجتمع المسلم - عدد 6

نشر في العدد 16

949

الثلاثاء 30-يونيو-1970

الامتحانات ونسب النجاح

نشر في العدد 17

146

الثلاثاء 07-يوليو-1970

إعادة النظر في مناهج التعليم