; التربية عند الحركات الإسلامية هي حجر الزاوية في بناء الشخصية المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان التربية عند الحركات الإسلامية هي حجر الزاوية في بناء الشخصية المسلمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 06-يناير-1998

د. عبد الله قاسم الوشلي «رئيس دائرة التنظيم والتأهيل في التجمع اليمني للإصلاح» لـ«المجتمع»:

صنعاء: المجتمع

* «الأصول العشرون» صححت الفوضى التي سادت مجتمعات المسلمين.

انتقلت الحركة الإسلامية في اليمن منذ سبع سنوات إلى العلنية، واستكملت ظهورها العلني عام 1994م بعقد أول مؤتمر علني لها.

وخلال السنوات التالية لعقد المؤتمر الأول تولى د. عبد الله قاسم الوشلي مسؤولية دائرة التنظيم والتأهيل في الأمانة العامة للإصلاح.

ود. «الوشلي» تربى في أحضان الحركة الإسلامية منذ شبابه، وهو متخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وعمل في سلك التعليم والتوجيه ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة البنجاب الباكستانية، ودرجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بأم درمان السودانية، وهو حاليًا رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة صنعاء.

من أبرز مؤلفاته المنشورة:

- سلسلة إحياء دور المسجد «3 أجزاء منشورة والرابع غير مطبوع».

- النهج المبين شرح الأصول العشرين.

- البيعة: أحكام مضامين.

- الرحلات والدعوات وأثرها الدعوي والتعليمي والتربوي.

- الإعلام الإسلامي في مواجهة الإعلام المعاصر.

ومن مؤلفاته غير المطبوعة:

- عنصر القوة في تحقيق ركن الأخوة.

- علم الحديث في اليمن والعناية التهامية بصحيح البخاري وتراجم رجال إسناده.

- الفقه ومجهود علماء تهامة اليمن في تدوينه وتصنيف علومه «مجلدان».

«المجتمع» التقت د. عبد الله الوشلي وكان معه هذا الحوار حول قضايا التربية في الحركة الإسلامية:

التربية في الحركات الإسلامية:

* اعتمدت الحركة الإسلامية الكبرى طريقة «التربية» لإعداد كوادرها، وإعادة تربيتهم على مفاهيم الإسلام، كيف تقيمون هذا الأسلوب من حيث إيجابياته وسلبياته، أو نقاط القوة ونقاط الضعف فيه؟

* التربية في نظر الإسلام هي أساس بناء الشخصية المسلمة، وتحقيق تكاملها لتقوم بالغاية من وجودها في هذه الحياة، وهي العبودية الخالصة لله- عز وجل- ومهمتها في هذه الأرض الخلافة والعمارة، ولذلك كانت التربية لمن استجاب لهذا الدين من أوائل ما كلف به رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وألزم بتحقيقه في الأمة الإسلامية لتقوم بدورها في هذه الحياة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

ولهذه الأهمية للتربية في القرآن الكريم، اعتمدت الحركة الإسلامية الكبرى طريقة «التربية» لكل من استجاب لدعوتها، وانتمى إلى جماعتها، ودخل في صفها، واعتبرته أسلوبًا مهمًا يحقق في أفرادها التكامل في بناء الشخصية المسلمة القادرة على القيام بأعباء الدعوة وتكاليفها في هذا العصر للوقوف في وجه التحديات التي تواجه أمة الإسلام في مختلف جوانب الحياة العصرية.

ومما لا شك فيه، أن هذا الأسلوب هو الذي أكسب هذه الحركة البقاء والثبات والاستمرار في ممارسة الدعوة دون كلل أو ملل أو خوف من لوم لائم، أو تحد من مكابر جاحد، بالتربية استطاعت الحركة أن تحيي الجهاد بجميع أنواعه: تربويًا، وتعليميًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا.

والتربية تمثل حجر الزاوية الذي لا يمكن أن يستقيم البناء إلا عليه، ولذلك اعتمدتها لتحقيق أهدافها في إعداد الفرد، والأسرة والمجتمع، واعتبرتها طريقًا للوصول إلى الدولة المستقيمة على منهج الله.

و«التربية» تعد إيجابية لا سلبية فيها، وإنما السلبية قد تكون في الأساليب والوسائل والطرق التي تعتمد لتحقيق عملية التربية في المستهدفين بها.

ومما لا شكَّ فيه أن الوسائل التربوية وأساليبها التي تنهجها الحركة الإسلامية المعاصرة اليوم بحاجة إلى تطوير وتجديد وتنويع بما يتناسب مع المرحلة التي تعيشها والظروف التي تحيط بها، حتى يكون أفرادها على مستوى تحمل الأعباء والمسؤولية والقدرة على التعامل مع الواقع المتجدد والظروف المتغيرة.

شبهة الصفوة

* يتحفظ بعض الآراء على «طريق التربية» الذي تعتمده الحركات الإسلامية بحجة أنه يوجد «صفوة» منعزلة عن المجتمع الذي تعيش فيه... ما رأيكم في ذلك؟

* هذه الدعوى تحتاج إلى دليل وبرهان... ولو كان الأمر كما يدعون لكانت الحركة الإسلامية قد توقفت منذ زمن بعيد، ولكان أفرادها منبوذين من المجتمع، ولكانت أهدافها في حكم الخيال....  وليس الأمر كذلك.... كما أن المناوئين لها لا يحتاجون إلى تكليف أنفسهم بمواجهتها، لأنها ستكون قد حملت في أحشائها عوالم الفناء... والواقع غير ذلك.

ولذا فإني أدعو أصحاب هذا الرأي إلى مراجعة آرائهم ودراسة أثر الحركة الإسلامية في الواقع وتوسعها وانتشارها في كثير من بقاع الأرض، رغم تكالب أعدائها ووقوفهم أمامها، ووضع العراقيل الكثيرة، والمثبطات المتنوعة والمكر والكيد الذي لا يتوقف لحظة من الزمن، ولو كان ذلك كله موجهًا إلى غيرها لما ثبت ولا أيامًا، وما بقي لها صوت يدوي في المعمورة ولا في البشر، وفي المقابل فإن برامج الحركة الإسلامية تحقق كثيرًا من الأهداف في كل المجالات الحياتية والواقع يشهد بذلك وما ذاك إلا لأن التربية مثمرة وطرقها وأساليبها سليمة، وإن كانت بحاجة إلى تجديد وتنويع وتطوير، فذلك شيء آخر من أجل مزيد من الأثر والتأثير وتوسيع دائرة الانتشار والاستيعاب.

الكوادر الإسلامية من ثمار التربية

* من الاتهامات الموجهة لطريق التربية أنه يقتصر على الجوانب الفكرية والفقهية والسلوكية، بينما المشروع الإسلامي يحتاج إلى كوادر في مجالات الحياة الأخرى في الإدارة والعلوم... إلخ كيف ترون إمكانية تحقيق ذلك؟

* نعم... إن الاهتمام الفكري والسلوكي وتحقيق صورة الفقه في الدين في المنتمين إلى الحركة الإسلامية من الأولويات التي تستهدفها عمليات التربية والتعليم وبرامجها، لكن لا يعني هذا أن الحركة ليس لها اهتمام بالأمور الثقافية الأخرى والمعارف المتنوعة التي تحقق بها سنة الله- عز وجل- في عمارة الأرض وإقامة الخلافة فيها... بل إن الحركة الإسلامية تعطي ذلك أولوية وترعاه بالاهتمام، وتوجه للحصول على تلك المعارف خيار أبنائها.

وفي صفوف الحركة الإسلامية الكثير من رجال الإدارة والسياسة والاقتصاد وفي العديد من علوم الحياة... ولولا الحرب المسعورة ضد أبنائها: سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا من قبل من يخافون قيام المشروع الإسلامي، ولولا الحرص من قبلهم على إقصاء الإسلام من الحياة... لولا ذلك لكان لهم شأن في إصلاح الحياة بصورة غير عادية.

ومن أبسط الأدلة على ذلك قيام أبناء الحركة بأسلمة كثير من المعارف التي جاءت من الغرب وتقريبها وتصحيح ما جاء فيها من أخطاء وبيان ما فيها من مخاطر وأضرار... إلخ، وما يوجد في المكتبة الإسلامية من مصنفات ومؤلفات خير دليل وشاهد، وما يوجد من أبناء الحركة الإسلامية من علماء بارزين في كثير من العلوم والمعارف إلا دليل على إيمان الحركة بأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها... والأصول العشرون توضح منهاج الحركة وتوجهها والثوابت التي تلتزمها في كل العلوم والمعارف، والثقافات... فليرجع إليها.

الأصول العشرون طريق الوحدة

* كانت «الأصول العشرون» هي إحدى الوسائل التي ابتكرتها عبقرية الأستاذ حسن البنا- رحمه الله- للمساعدة على توحيد مواقف المسلمين تجاه عدد من القضايا الفكرية والسلوكية والتعبدية... بكونكم أحد الذين شرحوا هذه «الأصول» ما تقييمكم للأثر الذي خلقته؟ وهل تظنون أنها ما تزال قادرة على أداء مهمتها؟

* الأصول العشرون من أهم الأمور التي طرقها الإمام البنا- رحمه الله- في «رسالة التعاليم» والتي تضمنت أركان العمل الإسلامي الصحيح، حيث وضع القواعد والضوابط والأسس التي يجب أن يلتزم بها الداعية، بل كل مسلم، فيما يتعلق بفهمه للإسلام على وجه صحيح في كل مجال من مجالات الحياة، وقد وفّق الإمام البنا أيما توفيق في وضعها في عصرنا هذا، كما وفق من سبقه من المجددين والمجتهدين في أصول العلوم وقضايا وأعمال اقتضاها الظرف والساعة ومصلحة الحفاظ على الإسلام والفهم الصحيح للمصادر التشريعية على مدار التاريخ منذ زمن الصحابة حتى عصرنا هذا.

وهي أصول عالجت الفوضى الفكرية والعقائدية والتشريعية وغير ذلك من الأمور التي أصيبت بها الأمة من عوامل سابقة موروثة، وأخرى بفعل الأعداء والمتربصين في عصرنا الحاضر، حتى بلغت هذه الفوضى حدًا جعل من هذه الأمة أمماً وشيعًا وأحزابًا في أمر الدين، مما أفسد عليهم دينهم ودنياهم... فهؤلاء أناس كفروا بالإسلام، وآخرون قصروه على بعض شؤون الحياة، وآخرون اعتقدوا للقرآن باطنًا يخالف الظاهر، وآخرون انطلقوا من خلال مفهوم للولاية كادوا به أن يستغنوا عن هذه النبوة، وهؤلاء ظنوا أن الدين يخالف العلم أو العقل... وآخرون فهموا أن الإسلام هو كل ما هو شديد... وآخرون تسرعوا في الكفر والتكفير... وآخرون تساهلوا في كل شيء.. وأكثر المسلمين استسلموا لإبعاد الإسلام عن مجالات الحكم والتقنين... إلخ... فكان ذلك كله يحتاج إلى علاج، وكان هذا العلاج في هذه الأصول العشرين التي أريد لها أن تقضي على الفهم الخاطئ في كل ذلك.

وقد كان لهذه الأصول الأثر البالغ في تقويم فهم الدعاة إلى الله- عز وجل- والعاملين للإسلام من خلال انضباطهم بها في ممارستهم للدعوة والتزامهم بنهجها... كما كان لها الأثر البالغ في تصحيح هذه الفوضى الفكرية في كثير من العامة الذين وصلت إليهم هذه الدعوة وهذه التعاليم، كما أنها أثمرت في إيجاد التوازن من الملتزمين بالإسلام في التعامل السليم مع هذه الظروف والأوضاع وسائر جوانب الحياة في وقتنا المعاصر على مقتضى مراد الإسلام.

ومما لا شك فيه أن هذه الأصول ما تزال قادرة- إذا استطاع العاملون أن يوسعوا قاعدة لنشرها- على معالجة الكثير من الاختلالات التي تعيشها الأمة، ومن الفوضى التي لا يزال يسبح فيها الكثير.

وأقول إن أشد الناس حاجة إلى هذه الأصول هي الجماعات الإسلامية في الساحة التي أخذت على عاتقها التبشير بالإسلام والدعوة إليه، لكي توحد فهمها وتجمع كلمتها ولا سيما أن هذه الأصول قد تضمنت المتفق عليه بين أهل السنة والجماعة في الجملة مثل قضايا العقيدة والسلوك والاجتماع والسياسة وأسلوب الدعوة.

إسلاميو اليمن: من السرية إلى العلنية

* انتقلت الحركة الإسلامية في اليمن من مرحلة «السرية» إلى «العلنية» بعد التطورات السياسية التي شهدتها اليمن منذ 1990م.. كيف تعاملتم مع هذه النقلة الكبيرة على مستوى برامج التربية؟

* الحركة الإسلامية في اليمن، منذ أول يوم تأسست فيه وبدأ الدعاة يمارسون عملهم الدعوى، لم يكن لها في إطار التربية والتفقيه والدعوة مرحلة يطلق عليها «سر» لأنها كانت تمارس ذلك علنيًا من خلال الدروس المسجدية والتعليم في المؤسسات التربوية، والقوافل الدعوية والحملات الإرشادية والأنشطة التربوية المختلفة مثل الرحلات والمخيمات والدورات التفقيهية.... إلخ.

وكانت هذه الأنشطة تمارس علانية، ويشترك فيها كل من يرغب في ذلك من المنتمين إلى الحركة، ومن غيرهم... لذلك ما وجدت مشكلة عند تحول الوضع السياسي إلى التعددية السياسية وإعلان الأحزاب عن نفسها، فالحركة استمرت على نهجها، واستخدمت هذا الهامش الديمقراطي للمزيد من توسيع دائرة التواصل مع كل شرائح الأمة في تطبيق منهجها التربوي والثقافي، وتطويره بما ستناسب مع هذا التوسع والانفتاح.... ولذا ما كانت هناك مرحلة سرية وأخرى علنية في مجال التربوية والتفقيه للحركة الإسلامية، والإسلام نزل لكل البشرية، ويجب أن يتربى به كل مسلم وأن يفقهه كل مسلم، وهذا هو هدف الحركة الإسلامية.... وكل أنشتطها توجه لتحقيق ذلك.

البيعة ووحدة الأمة

* نلاحظ اهتمامكم بموضوع «البيعة» وقد صنفتم كتابًا فيها... ما دواعي هذا الاهتمام؟

هناك عدة أمور كانت من دواعي اهتمامي بموضوع «البيعة» والدافع لي للكتابة فيها... ومنها:

1- التخبط وعدم الرشاد الذي لمسته وشاهدته في الجماعات والفرق والأحزاب المعاصرة في موضوع البيعة، فأضاعت أوقاتها بين أخذ ورد، وتساهل وتشديد، وإفراط وتفريط... مع كثرة ما ورد فيها من نصوص قرآنية تبين مقتضياتها، وآثار نبوية توضح صيغتها وتبين أهلها وذويها وتفاصيل الأمور التي يشرع العقد بها، ومن سلوك وتطبيق السلف الصالح، وبالأخص القرون المفضلة.

2- التذكير لهذه البشرية بالبيعة الأولى التي عقدتها مع ربها وهي لا زالت في عالم الذر حين خاطبها ربها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف: 172).

3- أن نعلم ونفقه مضامين المواثيق والعهود التي كانت تؤخذ على الأمم السابقة من الله للأنبياء والمرسلين منذ آدم- عليه السلام- إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم، وهي كلها تدور حول غاية واحدة وهدف واحد: العبودية لله- عز وجل- بالتزام الدين والشرائع ونصرة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم والجهاد معهم لإعلاء كلمة الله- عز وجل- وعمارة هذه الحياة طبق أوامر وشرع من استخلفهم فيها.

4- لنأخذ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القدوة في أخذ البيعة والعهود والمواثيق على أصحابه الكرام في أحرج الموافق والأحوال والظروف المقتضية لذلك، والتي لا تخرج مضامينها عما أخذه الله على أنبيائه ورسله السابقين.

5- أن نعرف كيف طبق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك العهود والمواثيق وكيف فهموها ونفذوا مقتضياتها فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.

6- أن تجد الجماعات والفرق والأحزاب الأخرى التي مزقت جسم الأمة طريقًا تهتدي به إلى معرفة من هو صاحب هذا الحق فتجمع شعثها به وتتوحد المفاهيم عليه فتزول الفرقة وتتحقق الوحدة.

الرابط المختصر :