العنوان التربية الإسلامية
الكاتب محمد أبو سيدو
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1320
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
التربية الإسلامية عملية بناء وتنشئة، ليس مجرد حشو معلومات فحشو المعلومات لا يؤدي إلى تربية الإنسان والارتقاء به في مدارج الكمال، بل الأمر يحتاج إلى مخالطة ومعايشة وتوفير الظروف الملائمة ليتعود الإنسان الالتزام بما يتلقى من توجيه وإرشاد.
والقرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل مفرقًا لتركيز العقيدة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (الإسراء:106).
وإذا كان هدف التربية الإسلامية، كما نستشفه من القرآن الكريم هو بناء الإنسان المؤمن الذي يحقق في نفسه العبودية لله وحده، ويقيم البناء الاجتماعي على أساس الخضوع لله سبحانه وتعالى، فلابد لهذا الإنسان، أن يتحقق في جسمه وعقله وروحه ذلك الترابط.
وقد حث القرآن الكريم على تنمية الملكات العقلية، بدعوته الإنسان إلى التدير والتفكر في ملكوت الله قال تعالي: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:196)
فأولوا الألباب يتفكرون ويستخدمون قواهم الواعية في تدبر آيات الله في الكون، وهذا يفتح لهم آفاقًا رحبة في العلم والإيمان.
والقرآن الكريم يشير إلى أولئك الذين يعطلون حواسهم فتعطل بصيرتهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:179).
ما أحوجنا أن نستفيد في أيامنا هذه التي نعيش فيها في جمال الخديعة أن نستفيد من الأساليب التربوية الإسلامية في بناء الأجيال المسلمة التي يتحقق معها الترابط والانسجام بين مختلف الجوانب العقلية والجسمية والنفسية، والتربية بالقدوة تتجلى في شخصية الرسول r قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21).
وعندما سئلت السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن خلقه r فقالت: كان خلقه القرآن وهذه القدوة على مر العصور، والآية آية متجددة في واقع الناس، يمكن للمربي أن يستشف منها الكثير في كل زمان ومكان، والتربية بالموعظة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان والتربية تكون بوصف ثواب الطاعة وعقوبة المعصية، وفي وصف نعيم الجنة وعذاب النار.
فالأمة التي قامت من شتات متناثرة لا تكاد تلتقي إلا على الصراع والحرب صارت أمة متماسكة لا مثيل لها في التاريخ تفتح وتعمر وتبني وتقيم مثلًا أخلاقية، وإنسانية، وتنشر الهدى.. والتربية تحمي الثقافة والتراث وتخلص المجتمع من جوانب الضعف وتحسن أوضاعه وتوجد التجانس والألفة والمحبة بين أفراد الأمة.
ومن مصطلحات العلماء في التربية هي إصلاح الشيء، والقيام عليه، وتبليغ الشيء إلى كماله.
ومن الأهداف الحقيقية لهذه التربية هي: العبودية المطلقة لله وحده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات:56-57).
ثم يأتي بعد ذلك تحرير الإنسان من الرق الفكري: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).
ثم يأتي بعد ذلك التركيز على عدم غرور الإنسان بقوته أو سلطانه أو ماله بعد تكريم الله له والاعتماد على الله، والالتجاء إليه في الشدائد، فهو يفرج الكروب، ويمد المؤمنين المستضعفين بقوته التي لا تقهر، وسلطانه الذي لا يغلب: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق:3). ذكر الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب قال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني: إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينيك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء ولا تتكلن على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك.
وروی ابن خلدون من مقدمته، أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ، ويألفه، وقومه ما استطعت بالضرب والملاينة، فإن إياهما فعليك بالشدة والغلظة.
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى مثل هذه القواعد التربوية حيث إن البيوت والمدارس، يقع على عاتقها المسؤولية الكبرى لتكون قدوة صالحة، فجدير بكل معلم وبكل والد ووالدة أن يكون قدوة لأولاده وصدق الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا *** على ما كان عوده أبوه
فواجب الآباء أن يكونوا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يهينوا لهم الصحبة الصالحة، خصوصًا في زمن اختلطت فيه الأمور، وأصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
قال رسول الله r: «من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه»، وصدق الشاعر:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا *** وليس أخو علم كما هو جاهل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل