; إحياء فقه الدعوة (35) التربية الحركية للقاعدة الصلبة | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة (35) التربية الحركية للقاعدة الصلبة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973

مشاهدات 14

نشر في العدد 136

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-فبراير-1973

هو صفاء الابتداء

كل ممارس للعمل التربوي الإسلامي الحركي يذوق ولا بد ظاهرة سقوط البعض وتراجعهم.. فأنت ترى داعية سالكًا مع السالكين، وتظن أنه سيفيد ويصل -إن شاء الله- مع الواصلين، ولكنه يغيب عليك أثناء الطريق، بل تصيبه ردة أو ريبة، أو يستأسر لنداء نفس وهوى، فيفتر، ويستولي عليه التيه إدلالا وامتنانا، فيصيبه الفتور.

وربما استعصى تحليل مثل هذه الظاهرة حينًا، ولكن تفرسنا في أنفسنا، والتنقيب عن الفقه التربوي في آثار رجال التربية الأقدمين، بدأ يرينا ملامح من التفسير لها، إن وعيت حق وعيها لكان فيها -بإذن الله- ثبات القلوب، ولوقينا زلل الأقدام بعد ثبوتها.

فأما الشاعر فيشير إشارة عامة إلى تفسير مثل هذه الظاهرة ويقول:

وكل امرئ -والله بالناس عالم-                     له عادة قامت عليها شمائله

تعودها فيما مضى من شبابه                     كذلك يدعو كل أمر أوائله(1)

والشاهد فيه الشطر الأخير، فكل أمر تغلب عليه الصفة التي بدأ بها.

ولكن أساتذة التربية الأوائل قربوا أدنى من الشاعر، فاتضح وانكشف لنا مذهبهم بما فصلوا وعينوا من معنى أوائل الأمور، منهم: أبو إسحاق الرقي، في حروفه القليلة الشاملة إذ يقول: «الفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء»(2). ويريد بالفترة: الفتور.

فهو الابتداء إذن، أي الخطوات الأولى للداعية المريد في طريق الدعوة الموصل إلى الله، تكون صحيحة، فيرتقي بلا فتور ونكوص، وإن فتر فبمقدار لا يتعدى أدنى ما أثر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون معيبة هذه الخطوات، أو فاسدة -في تعبير الرقي هذا- فيفتر وينكص عن الارتقاء.

ومن أين يعترض الداعية الفتور إذا دفعه مربوه بقوة أول مرة، واستلم العهد بحزم؟

 وكيف لا يتسارع في يومه وغده سير الذي قربه وأدناه وقطع به أمسه مرحلة إلى غايته؟ ومن أيقن أنه يتبع رسولًا من أولي العزم، صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يستمد من عزمه؟

فهي الخطوات الأولى إذن.. من أتقناه إياها ثبتت بعدُ قدمُه بما يشاء الله، ومن تركناه يضطرب فيها فقد أمسكنا شيطانه المقص يقطع به حبل ما بيننا وبينه، يتربص لذلك غفلة. فإن لم يظفر الشيطان بالمقص، وفاتته المفاجأة، فإنه يقنع بأن نمسكه طرف الحبل يفل خيوطه بتدريج، ويلقي في نفس من اعوجت بدايته الدعاوى، ورؤية قليل خبرة كثيرًا، فيدعي ويدعي، حتى يستولي عليه الغرور والتطاول، فيرتكس هالكًا.

وهذه العقدة الثانية للشيطان أبصرها أبو عمرو السلمي ووصفها يحذرنا، فقال: «إنما ترتد الدعاوى من فساد الابتداء، فمن صحت بدايته: صحت نهايته، ومن فسدت بدايته: قريبًا هلك»(3).

بل يهلك في الأغلب، فإن مبنى البداية على التجرد، وإذا حرم من صفائه في الأول فإن بنيانه يظل قلقًا مهما شمخ عاليًا، بل الخطر كل الخطر عليه في الحقيقة إذا شمخ، فإنه يسرع إلى التمايل عند كل نداء ببدعة أو دعوة لمغنم؛ لأن من شأن الشيطان أن يزين البدعة ويجملها، وإن من شأنه أن يستغل وقت الحاجة ليغري، ولئن تردد السلمي فذكر مجرد الاحتمال واستعمل كلمة (ربما)، ولئن ترددنا فاقتصرنا على (الأغلب)، فإن علي بن سهل الأصبهاني قد جزم بذلك فقال: «من لم يصح في مبادئ إرادته: لا يسلم في منتصف عاقبته»(4).

وما هو بنسيان منه لمشيئة الله تهدى وتثبت من شاء، ولكنه يتحدث عن تجربته في التربية، ويقدم تقريره عن نتائج تفتيشه واستقراء أحوال من عرفهم.

وهكذا تكون عنايتنا بالابتداء خطًّا بارزًا ظاهرًا في فننا التربوي الحركي.

وهي النية الساحرة

وإنما يعنون بصفاء الابتداء معنيين يتتابعان في توال: النية الصالحة، والهمة العالية، لخصهما البحتري في شطر بيت، وسماهما:

«نفس تضيء وهِمة تَتَوَقَّد»(5)

والنفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية، فهي تنير بما يكون لها من هذا الصفاء، وهي: «النية الحرة» التي ذكرها البحتري أيضًا في بيت آخر(6)، فأحسن الوصف وأجاد، فكأنها حرة مما يقيد غيرها، من الأهواء والأطماع والمصالح، لم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى، ولم تكن رقيقًا لمنصب أو شهوة.

فالداعية لا يصدر قط عن شهوة، ولا طلب مصلحة، وإنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر، وكذلك كان الصالحون.

وبهذا الوصف وصف هشام بن عبدالملك ابن عمه عمر بن عبدالعزيز الأموي -رحمه الله- فقال: «ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية»(7).

ولذلك قوم عمر في أقل من سنتين اعوجاج جيلين، وعلى داعية الإسلام اليوم ألا يستكبر عظم الانحراف الذي عم بلاد الإسلام، فإنه -إن قرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس- سيهزم حزبين -بإذن الله- في أقل من سنتين.

ويتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبدالعزيز لما تجرد سليمان بن عبدالملك -رحمه الله- محض التجرد لله حين عقد له واستخلفه وقال: «لأعقدن عقدًا لا يكون للشيطان فيه نصيب»(8). ولا تنتصر الدعوة إلا حين لا يكون في عقود الدعاة معها ومع ربها للشيطان نصيب.

بل العمل الصغير بالنية يعظم، كما يشير عبدالله بن المبارك في قوله: «رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية»(9).

ومعقود اللسان من الدعاة يصبح بالنية ناثرًا من فيه جواهر البلاغة الآسرة للناس، كما ينص على ذلك طب عبدالقادر الكيلاني في قوله: «كن صحيحًا في السر، تكن فصيحًا في العلانية»(10).

وأما المخلط في نيته، فيخلط عليه في أموره وسيرته، كان ذلك في التاريخ على أهل التخليط حتمًا مقضيًّا، وهو المعنى الذي كشفه التابعي الجليل مطرف بن الصحابي الجليل عبدالله بن الشخير العامري في قوله: «صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية، ومن صفا: صُفي له، ومن خلط: خُلط عليه»(11).

ونتيجة التخليط أن يضطرب القلب في فوضى تعدم السكينة، و«إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك»(12)، كما يقول مصطفى صادق الرافعي(12).

هذا إذا كان الإنسان وهذه الفوضى وحدهما وجهًا لوجه، فكيف إذن وهذه الفوضى محصاة عليه بجاسوسين على كتفيه يسجلان؟

إن «أكبر أغراض الإسلام هو أن يجعل من خشية الله تعالى قانون وجود الإنسان على الأرض، فمن أي عطفيه التفت هذا الإنسان وجد على يمنته ويسرته ملكين من ملائكة الله يكتبان أعماله بخيرها وشرها، فهو كالمتهم المستراب في سياسة النفس، لا يمشي خطوة إلا بين جاسوسين يحصيان عليه حتى أسباب النية، ويجمعان منه حتى نزوات الكبد، ويترجمان عنه حتى معاني النظر»(13).

فاعرف سياسة النفس هذه أيها الداعية، وأتقن ولوجها قبل ولوج سياسة الحكم، وإتقانها قد أوجزه لك المكي أبو طالب في جملة واحدة حاسمة فقال: «فرض على العامل أن يعرف النية من الأمنية»(14). فهناك نية، وهناك أمنية، والأمر كما قال يحيى بن معاذ: «لا يزال العبد مقرونًا بالتواني، ما دام مقيمًا على وعد الأماني»(15).

وما اختار الأماني أحد تقوده إلا كان أثقل ما يكون خطوًا، ووجد ثَمَّ السراب الخادع، وعدم الماء وقت العطش، وأما مضيء النفس ومن لا أمنية له من الدعاة فإنك تجده سباقًا إلى كل خير أبدًا، وتجده على ري دومًا، فإنه إن كان ذا مرة وقوة: استقى لنفسه أو استسقى فيجيبه الله بهطل من السماء، وإن كان مستضعفًا: وجد وريثًا لموسى عليه السلام، يسقي له ويزاحم الرعاع.

وهو قدم الهول

والهمة قرينة النية، فلا شيء بعد النية قبلها، وكل الإتقان بعدها، ومن أكسبها من المربين تلاميذه عند خطواتهم الأولى فقد ضمن لهم -إن أراد الله تعالى- الاستمرار، وهذه وصايا الأوائل بحفظها تكمل تلك الوصايا. وأول من يطلع علينا: ممشاد الدينوري، أحد من ختم الله بهم القرون الفاضلة الثلاثة الأولى، فيقول: «همتك احفظها، فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها: صلح له ما وراء ذلك من الأعمال»(16).

ويمثل لها ابن القيم بمثل لطيف، فيقول: «مثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل: احتوشته الآفات»(17).

فكما أن الاستعلاء بالهمة يبقي القلب نظيفًا بريئًا من المعنى الخسيس مشغولًا بالعظام، فإنه أيضًا يقي القلب الآفات والأمراض وسهام الشيطان، كما تقي نهضة الجناحين الطائر سهام الصياد، ومهمة المربي المسلم أن يعلم الناشئ هذه النهضة العالية في مبادئ محاولاته.

ونهضة الجناحين هي بدورها كناية عن النفس التي احتوت تصميمًا على حمل أثقال الدعوة إلى الله، فإن الجديد في سلك الدعوة إن فهم الدعوة في الأول مجرد تزكية نفس، وصحبة أخيار، وبث أشواق، وفرصة تكافل، فإنه يحجم عن إنكار المنكر على الظالم، ويستعصي عليه فهم معادلة ابن يزدانيار في الفراسة، والتي فهمها من قبله الرجال، ويرجع عن الزحف يوم الزحف وقائمة أعذاره تحت أحد إبطيه، أولها: أنه لم ينذر بمثل هذا من قبل ولا يحتوي هذا الشرط عقده، ولذلك حرص رجال التربية على أن تكون أول خطوة للسالك: «خطوة هول»، كخطوة السبعين من قدماء الأنصار ساعة بيعة العقبة حين أخذوا على أنفسهم أن يمنعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأموالهم، فقال أبو بكر البارزي: «إذا سلك المريد الهول في أول قدم فلا يبالي، فإنه لن يلقاه بعد ذلك إلا راحة»(18).

وهو الهول الذي تربى الجنيد على مثله في صورة انقطاع تام عن شهوات الدنيا، فظل يذكره ويقول: «لا أزال أحسن إلى بدء إرادتي وجدة سعيي وركوبي للأهوال طمعًا في الوصول، وها أنا في أيام الفترة أتلهف على أوقاتي الماضية»(19).

ومصدر كل ذلك واحد، هول الإنكار، أو هول التجافي عن دار الغرور ذات الشهوات والانغماس في العبادة، وليست الدعوة بأقل احتياجًا للهول الثاني من الهول الأول.

وكما سموه: الهول، سماه جعفر الخلدي: شرف الهمة، فقال: «كن شريف الهمة، فإن الهمم تبلغ بالرجل، لا المجاهدات»(20). ويعني: أن تكون عالي الهمة على استعداد دومًا، فإن هذا العلو هو الذي يضمن لك أن تستجيب للنداء، لا ما ابتدعوه من إرهاق النفس والعري. وضده: ما دعاه البعض بخساسة الهمة، وأنها من قلة المعرفة بالله(21).

وعن مثل هذا الجيل الأول أخذها الجيل الأوسط، فنادى بها منهم: عبدالقادر الكيلاني، أن: «يا غلام: لا يكن همك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع، فأين هم القلب؟! همك ما أهمك، فليكن همك ربك -عز وجل- وما عنده»(22).

فإن أحب الدنيا فإنما يحبها كحب محمد بن أحمد، المعروف بابن رزقويه، ذلك الحب الذي يكشف عن همة عالية وراءه، والذي ترجمه بقوله مخاطبًا تلامذته: «والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة، ولكن لذكر الله، وقراءتي عليكم الحديث»(23). وإنما ذكر الحديث والذكر كمثل لجنس الصالحات التي يجب على الداعية أن يحب الدنيا لأجلها لا لغيرها.

وعن الجيلين من السلف أخذها جيل المجددين في هذا القرن، ففهم الإمام حسن البنا أن الداعية الهمام: «يبذل كل ماله، وكل دمه، وكل نفسه، في سبيل عقيدته التي آمن بها وعاش من أجلها»(24).

وإنما يجمع مذاهب الأولين والآخرين في ذلك قول إبراهيم بن شيبان إن: «من تحقق في عبودية ربه: صار حرًّا مما سواه»(25).

فهذا هو مفتاح الحرية، ومداد قلم العبد المكاتب مع ربه، ورأس ماله الذي يفدي نفسه به، إنه التحقق في عبودية الله -عز وجل- سبيل الحرية مما سواه.

ضاعف عبوديتك: تكن الحر.

الهوامش

1- الأغاني 12/ 311

2، 3، 4- طبقات الشعراني 1/ 19، 80، 103

5، 6- ديوان البحتري 1/ 40، 629

7، 8- سيرة عمر لابن عبد الحكم 29، 30

9- طبقات الشعراني 1/ 51

10- الفتح الرباني/ 64

11- علم القلوب للمكي/ 181

12، 13- وحي القلم 2/ 6، 44

14- علم القلوب 1/ 88

15- تاريخ بغداد 5/ 184

16- طبقات الشعراني 1/ 88

17- الجواب الكافي/ 70

18- اللمع للطوسي/ 207

19- حلية الأولياء 10/ 214

20- تاريخ بغداد 7/ 229

21- التعرف/ 82

22- الفتح الرباني/ 8 مع حذف قليل

23- تاريخ بغداد 1/ 352

24- مذكرات الدعوة والداعية/ 223

25- علم القلوب/ 159

الرابط المختصر :