العنوان التربية الحركية للقاعدة الصلبة (32) إنما الإسلام يحيا.. لا القبيلة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1973
مشاهدات 34
نشر في العدد 133
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 09-يناير-1973
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أُرسِلتُ إلى الخَلقِ كافةً»(1).
واستمسك المسلمون طوال ثلاثة عشر قرنًا بهذا
المفهوم الواسع، وعاشوا إخوة، فوق القوميات، والقبليات، ويحفظون للعرب فضلهم
وسابقتهم بالإسلام وجهادهم الأول وأستاذيتهم لهم، ويغبطونهم على منقبتهم في بعث
خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم فيهم، فإذا ما تطاول غربي ردوده برفق، أو نعق
شعوبي مارق بكراهية العرب كبتوه، وكان شعارهم: «إنما الإسلام يحيى لا القبيلة(2).
ولكن ما إن مضت سنوات من هذا القرن الرابع عشر؛ حتى
تعالى همسٌ قوميٌ بغيض في شعوب الأمة الإسلامية، واستطاعت الدعاية اليهودية
الخفية، وجهود السفارات الغربية، أن تخفي نغمتها النشاز من أبناء المسلمين،
فانخدعوا، ودخلوا جولة صراع عنيف يقلدون فيه صراع موجة القوميات الأوروبية، حتى
تطور مفهومهم عن القومية إلى ما نراه اليوم من التنكر لأحكام الإسلام، واتباع
الهوى في التشريع، وربما إفراط بعضهم في الحماس للتحلل والإلحاد، وجعل إنكار
الغيبيات من حتميات القومية، وبذلك انتصبت القومية كطاغوت جديد تستمد منه الجاهلية
الحديثة.
ثم تطرقت التصنيفات في اتجاه آخر أيضًا، فلم يكتفِ
بتجزئة الأمة الإسلامية إلى قوميات متناحرة تسيل الدماء أثناء معارك تناحرها، بل
بتجزئة القومية الواحدة إلى وطنيات إقليمية، ودور ضيقة، وتم نصب طاغوت جديد وصنم
ثانٍ سموه الوطنية، وعادت اللات ومناة إلى الحياة، فلم يجد إقبال للتعبير عن حزنه
إلا أن ينشد:
يعشقَ الأصنَامَ عقلُ الأمممِ نَاحَت أو
عَابِدِ للصنم
اسْمُه: لونٌ ودارٌ ونَــسب هُوَ مَن
سَفَّكِ دِمَاء فِي طَرَبِ
وعَلى أقدَامِ هذا الصَّنَمِ ذُبِحَ
الإنسَانُ ذَبحَ الغَنَمِ(3)
ولو قرأت تاريخ الجاسوس الإنجليزي
لورنس وكتابه «أعمدة الحكمة السبعة»؛ لعلمت كم من دماء الأبرياء قد سالت، ولو رجعت
بذاكرتك إلى سنين قلائل لأحصيت كم من العرب والأكراد قد ذبحوا قرابين ونذورًا لصنم
القومية، وها قد فاقت فتنة البنغال وانفصال باكستان الشرقية كل الفتن القومية،
وحدث خلالها ما تقشعر له الأبدان، وصور تجمع البنغاليين في دكا لمشاهدة ذبح
الغربيين تظهرهم في أتم الفرح والطرَب كما قال إقبال، كأن التصفيق والابتسام الذي
تظهره الصور لحفلة عرس، لا لمذبحة إنسانية تحت أقدام صنم القومية.
«إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة
يسمونها: «القوم» ويسمونها: «الوطن»، ويسمونها: «الشعب»، إلى آخر ما يسمون. وهي لا
تعدو أن تكون أصنامًا غير مجسدة كالأصنام السالفة التي كان يقيمها الوثنيون، ولا
تعدو أن تكون آلهة تشارك الله -سبحانه- في خلقه، وينذر إليها الأبناء كما كانوا
ينذرون للآلهة القديمة؛ ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق
واسع»(4).
«إننا نخدع أنفسنا حين نقف
بالوثنية عند الشكل الساذج للأصنام والآلهة القديمة، والشعائر التي كان الناس
يزاولونها في عبادتها واتخاذها شفعاء عند الله.. إن شكل الأصنام والوثنية فقط هو
الذي تغير، كما أن الشعائر هي التي تعقدت، واتخذت لها عنوانات جديدة.. أما طبيعة
الشرك وحقيقته فهي القائمة من وراء الأشكال والشعائر المتغيرة.
وهذا ما ينبغي ألا يخدعنا عن
الحقيقة!
إن الله -سبحانه- يأمر بالعفة
والحشمة والفضيلة، ولكن «الوطن» أو «الإنتاج» يأمر بأن تخرج المرأة وتتبرج وتغري
وتعمل مضيفة في الفنادق، في صور فتيات الجيشا في اليابان الوثنية! فمن الإله الذي
تتبع أوامره؟ أهو الله سبحانه؟ أم الآلهة المدعاة؟
إن الله -سبحانه- يأمر أن تكون
رابطة التجمع هي العقيدة، ولكن «القومية» أو «الوطن» يأمر باستبعاد العقيدة من
قاعدة التجمع، وأن يكون الجنس أو القوم هو القاعدة! فمن هو الإله الذي تتبع
أوامره؟ أهو الله -سبحانه- أم هي الآلهة المدعاة؟
إنها أمثلة لما يجري في الأرض
كلها اليوم»(5).
إنها عبادة الوطن، وعبادة الأرض.
أما المسلم فله أساس من العقيدة مضمر
في قلبه، يضمه إلى إخوانه المسلمين، ولا يعبد إلا الله.
أممٌ قَد عَبَدَت أوطَانَهَا وَبَنت
مِن نَسب بيَانِهَا
أتَرَى الأوطَانَ أصْلَ الأُمَمِ تُعْبَدُ
الأَرضَ بَهَا كَالصَّنَمِ!
هَذِهِ الأَنسَابُ فَخرُ
الـتُّعَسَاءِ حَكَمَهَا
فِي الجِسْمِ، والجِسْمُ هَبَاءُ
ضمّنَا فِي الحَقِّ أُسٌّ آخَرُ هُوَ فِي
الأَلبَابِ منا مضمر(6)
«وإنه إذا رفعت «القومية» شعارًا،
أو رفع «الوطن» شعارًا، أو رفع «الشعب» شعارًا، أو رفعت «الطبقة» شعارًا؛ ثم أُريد
الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله، وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال
والأخلاق والأعراض، بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع
مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه،
ونُفِّذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة
وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله. فالصنم ليس من
الضروري أن يتمثل في حجر أو خشب، ولقد يكون الصنم مذهبًا أو شعارًا!
إن الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم
الأصنام الحجرية والخشبية، ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة من كوكب الرسل
الموصول، ولم تُقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام، لمجرد
تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب.
إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق
الطرق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وبين الدينونة لغيره في كل وضع
وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيدًا أم
شركًا؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام»(7).
إن المسلم وطنه التوحيد، ولا يحده
وطن ولا قومية.
قلبنا الخفاق يأبى موطنًا ريحه العاصف
تأبى مسكنا
ليس من عرب وروم قلبنا ما سوى الإسلام
فيه أرضنا
وإن المسلم يأبى أن تقيده أرض وتشده
إليها، وإنما هو كالحوت الذي يسبح البحار، وكالشمس التي أكسبها مسيرها شرف ما هي
فيه من العلو الخفاق.
وكما أن شذى الورد لا ينعشك حتى يغادر
الورد، فكذلك المسلم لا يعطي الرحمة التي يحملها إلى الإنسانية المعذبة حتى يكسر
القيد الذي يشده إلى الأرض، وحتى يكون كالنسيم الذي يعانق كل أزهار الرياض، وتكون
شعوب الإنسانية كلها كالزهور أمامه، ولا يكون كالعندليب الذي يهيم بحب وردة مفردة.
وذلك قول إقبال:
شرف الشمس مسير مطلق فيه من فوق البرايا
تحقق
لا يقيدك مقام في الورى وكن الحوت
يسبح الأبحرا
كل من حَرَّر من حل الجهات فلكٌ يزهر من كل
الجهات
ترُك الورد شذاه فسرى في فسيح
المرج عطرًا نشرا
يا أسيرًا قد ثوى في روضة عندليبًا
هائمًا في وردة
سيرن نفسك حرًا كالصبا ثم عانق كل
أزهار الربى
احذرن من خدعة العصر الجديد التباس النهج حاذر يا رشيد
قطعوا الأرحام بين الإخوة صيروا الأوطان
أس الأمة(8)
وما تجاوز إقبال الواقع؛ فإن
الأرحام قد قطعت بين أمة الإسلام مذ جعلوا أصنام القوميات والأوطان شعارات التجمع
وأساس البناء.
ولقد «ظهرت هذه الأصنام على مراحل
التاريخ تارة باسم «الشعوبية» وتارة باسم «الجنسية الطورانية» وتارة باسم «القومية
العربية»، وتارة أسماء شتى، تحملها جهات شتى، تتصارع فيما بينها في داخل المجتمع
الإسلامي الواحد القائم على أساس العقيدة، المنظم بأحكام الشريعة، إلى أن وهنت
القاعدة الأساسية تحت المطارق المتوالية، وتحت الأبحاث الخبيثة المسمومة، وإلى أن
أصبحت هذه الأصنام مقدسات يعتبر المنكر لها خارجًا على دين قومه، أو خائنًا لمصالح
بلده!
وأخبث المعسكرات التي عملت وما
زالت تعمل في تخريب القاعدة الصلبة التي كان يقوم عليها التجمع الإسلامي الفريد في
التاريخ، كان هو المعسكر اليهودي الخبيث، الذي جرب سلاح القومية في تحطيم التجمع
المسيحي، وتحويله إلى قوميات سياسية ذات كنائس قومية، وبذلك حطموا الحصار المسيحي
حول الجنس اليهودي، ثم ثنوا بتحطيم الحصار الإسلامي حول ذلك الجنس الكنود.
وكذلك فعل الصليبيون مع المجتمع
الإسلامي؛ بعد جهود قرون كثيرة في إثارة النعرات الجنسية والقومية والوطنية بين
الأجناس الملتحمة في المجتمع الإسلامي، ومن ثم استطاعوا أن يرضوا أحقادهم الصليبية
القديمة على هذا الدين وأهله، كما استطاعوا أن يمزقوهم ويروضوهم على الاستعمار
الأوروبي الصليبي، ولا يزالون، حتى يأذن الله بتحطيم تلك الأصنام الخبيثة
الملعونة، ليقوم التجمع الإسلامي من جديد، على أساسه المتين الفريد»(9).
واستمع إلى شهادة رجل فاضل من أهل
العراق يصف أُخُوّة المسلمين زمن السلطان عبدالحميد، وهو المرحوم عبدالعزيز
القصاب، الذي كان وزيرًا ورئيسًا لمجلس النواب العراقي، ويعدُ في الساسة الذين لم
يفرطوا في مصالح البلاد وله احترام عند الناس، وكان قد قضى أول حياته في إسطنبول،
ويمكنك أن تطلب نص حروف شهادة هذا الرجل في الصفحات الأولى من كتابه: «حياتي»(10)،
وفيها أوضح أنه أثناء دراسته لم يسمع بتاتًا أي كلمة من أحد تكشف عن معنى قومي، لا
من تركي، ولا عربي، ولا كردي، بل لم يكن يدور بخلد أحد أن هناك غير معنى الأخوة
الإسلامية، وكان الحب المتبادل يغمر الجميع، وكانت السعادة نادية على الجميع.
وهذا الوصف مصداق قول إقبال:
إن جعلت الدم ركن الملة صدعت دعواك جمع
الأخوة
ما من الأنساب يقوى وصلنا ليس من رومٍ وعربٍ
أصلُنا
إنما حب الحجازي الحبيب قد حبانا ذاكم الوصل
القريب(11)
فإنه لما جعل الدم العربي أو
التركي أو الكردي هو أصرة التجمع، انصدع ذاك التجمع الأخوي الذي وصفه هذا الثقة،
والذي كان يوجد حب الرسول الحجازي العربي وسنته المطهرة.
ولكن: يا حسرة على العباد، كيف
تخدعهم خطط العدو! وكيف يؤدي بهم جهلهم إلى تصور أننا ندعو بكلامنا هذا إلى هدر
مصالح الأقوام!
أننا لا نحارب القومية بصفتها
الرابطة الجنسية التي يرتبط فيها الإنسان ببني جنسه وقومه ووطنه؛ فالقومية بهذا
الاعتبار حقيقة فطرية قائمة بيننا جميعًا، والإنسان يساق إلى مثل هذه الرابطة بحكم
فطرته وغريزته وجبلته التي فطره الله عليها.
كما أننا لا نحارب القومية بمعنى
أن الإنسان يحب أمته ووطنه، ويتمنى لهما الرقي والتقدم والازدهار والعزة والفخار
والمجد الدائم.
ونحن كذلك لا نحارب القومية ولا
نعاديها ولا نخاصمها بمعنى أن تطمح كل أمة في الأرض إلى استقلالها وحريتها، ونيل
أعلى مراتب المجد ودرجات الكمال في حياتها، فإنه من حق كل أمة أن تقوم بحفظ شؤونها
ولا تدبر جميع أعمالها وأمورها إلا بنفسها، ولا يحق بوجه من الوجوه أن تحكمها أمة
أخرى أو تسيطر عليها أو على مواردها وخيراتها، أو تسلط عليها بأي نوع من أنواع
التحكم أو التسلط.
لا نحارب القومية التي تعتز
بالإسلام وتجعله نظام حياتها ومصدر عزها وطريق سعادتها.
إننا نحارب القومية المجردة التي
يتخذها بعض القوميين عقيدة يستبدلونها بعقيدة الإسلام ويستبدلون الذي هو أدنى
بالذي هو خير.
نحارب القومية التي يتخذها بعض
الناس فكرة سياسية، أو مذهبًا مستقلاً، أو نظامًا اجتماعيًّا لحياة تلك الأمة التي
ينتمي إليها أولئك القوميون؛ فليست حقيقة هذه القومية بهذا المعنى إلا أن تعبد تلك
الأمة نفسها وأغراضها ومصالحها الذاتية، وتعمى بعدها عن كل مصلحة لغيرها ولا يهمها
في حين من أحيانها إلا مصالحها القومية، وتكون هي إلهها، أو بمثابة إلهها، تعكف
لعبادته، وتعمل استجابة لندائه بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة(12).
وربما ظن بعض العرب أن هذا الكلام
في هذه المقالة تدفع له محركات شعوبية، وذلك أشد الجهل، ففوق أن كاتب هذه الأسطر
عربي، فإن أمة الإسلام الذي نتبعه وندعو إليه جعلوا الشعوبية -أي كراهية العرب
وتفضيل الشعوب الأخرى عليهم- بدعة غليظة منكرة يسقط صاحبها إلى أقل درجات ضعف ويترك
ويهجر وإن كان عالمًا، ولكننا ندعو إلى الإسلام الرحب، وفي الإسلام نشر وحفظ للغة
العرب تعجز عنه القومية العربية، وليس أثمن عند العرب من لغتهم. وقد طبع مجمع
التعريب في المغرب التابع لجامعة الدول العربية عشرات البحوث لكبار العلماء
المعاصرين أثبتوا فيها علاقة الازدهار المتبادلة بين الإسلام واللغة العربية.
إن الجهل الحاضر من نتاج القومية
العربية المجردة متحلل متهتك لا يعرف من لغته إلا القليل، بينما تجدها حين أصحاب
الدعوة الإسلامية من الفروض، ومن تربيتنا للداعية المسلم أن نربيه على الامتياز عن
بقية المسلمين وخرق أعراف القرون المتأخرة بتعلم العربية إن كان غير عربي، وقد كان
«المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر؛ ولغة أهلهما رومية. وأرض العراق
وخراسان؛ ولغة أهلهما فارسية. وأهل المغرب؛ ولغة أهلها بربرية: عودوا أهل هذه
البلاد: العربية؛ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار، مسلمهم وكافرهم. وهكذا كانت
خراسان قديمًا. ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى
غلبت عليهم؛ وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم. ولا ريب أن هذا مكروه.
وإنما الطريق الحسن: اعتياد
الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، فيظهر شعار الإسلام
وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف؛
بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى؛ فإنه يصعب عليه.
واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في
العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة
من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
وأيضًا: فإن نفس اللغة العربية من
الدين؛ ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة
العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ثم منها ما هو واجب على الأعيان،
ومنها: ما هو واجب على الكفاية.
وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي
شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا
القرآن، فإنه عربي.
وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه
أنه قال: تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم.
وهذا الذي أمر به عمر رضي الله
عنه من فقه العربية وفقه الشريعة؛ يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال
وأفعال؛ ففقه العربية: هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة: هو الطريق إلى فقه
أعماله»(13).
«فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر
استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم
الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها. فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصًا
وعيبًا»(14).
«وما زال السلف يكرهون تغيير
شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو: «التكلم بغير العربية» إلا لحاجة، كما نص على
ذلك مالك والشافعي وأحمد. بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه.
مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير
الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام، فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي، وبعث به نبيه
العربي، وجعل الأمة العربية خير الأمم، فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام»(15).
ولا تستغرب جملة «وجعل الأمة
العربية خير الأمم» وتحسبها من تأثيرات اتجاه قومي، وإنما تعني أن العرب قد أعزهم
الله تعالى بالإسلام جميعًا، فدخلوا في خطابه تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110) ثم أخذوا السبق في الخيرية وصاروا أمة تؤم
الأمم وتقودها وتربيها وتحررها من أسر طواغيتها، وللسابق المربي فضل وميزة، وأما
أفراد العرب أو أفراد الأعاجم فإنما يتمايزون بالتقوى والصلاح فحسب.
وسأل عمر رضي الله عنه الناس على
المنبر عن معنى التخوف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾
(النحل: 47)، فأجابه رجل هذلي بأن التخوف في لغتهم: التنقص، وأنشده شاهدًا عليه،
فقال عمر: «أيها الناس: تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم»(16).
وبهذه النظرة الإسلامية لمكانة
اللغة العربية تدرك مقدار الازدهار الذي ينتظر العربية حين يتولى دعاة الإسلام أمر
الأمة، وتدرك أن تضييع العربية الذي امتاز به الحكم القومي ليس له من علاج إلا
علاج يقدمه دعاة الإسلام.
وعلى الحركة الإسلامية الحاضرة أن
تجعل من أهم واجباتها التربوية واجب التربية على معنى الأخوة الإسلامية، ونبذ
الشعور القومي الضيق، ولا يصلح أن يكون ضمن القاعدة الصلبة من بقيت فيه بقية باقية
من المشاعر القومية.
الهوامش:
(1) صحيح مسلم 2/ 64
(2) شطر من ديوان (حنين إلى
الفجر) لمحمود آل جعفر / 132
(3) ديوان الأسرار والرموز / 128
(4)، (5) الظلال 9/ 136
(6) ديوان الأسرار والرموز / 88
(7) الظلال 13/ 181
(8) ديوان الأسرار والرموز / 102،
105
(9) الظلال 12/ 85
(10) يا حسرة على البحث العلمي في
الكويت، فقد ملكت وقرأت هذا الكتاب من قبل، واستُعير مني ولم يرجع قبل استلالي
لهذه الشهادة، وفتشت عن الكتاب في جميع المكتبات العامة في الكويت فلم أجده، بل لا
يوجد في مكتبة كلية العلوم السياسية مع أنه من اختصاصها، ومع أنه نشر قبل عشر
سنوات فقط.
(11) الأسرار والرموز / 147
(12) المخططات الاستعمارية للصواف
- 65
(13) اقتضاء الصراط المستقيم
مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية - 206
(14)، (15) مجموع فتاوى ابن تيمية
جـ 32 / 252، 255
(16) الموافقات للشاطبي 1/ 24