العنوان التراث هو ذاكرة الأمة، ولا داعي «لمسخه» أو «سجنه» بحجة تقريبه للأطفال
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 60
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
المجتمع الثقافي
الشاعر الكبير الدكتور إبراهيم أبو الخشب لـ "المجتمع":
● لا بد من تحرير المقررات الدراسية من العبودية؛ وبرامج الأطفال لدينا تُعلَّم الأبناء السحر والشعوذة، والخرفات، والنظريات التربوية الساقطة وتدربهم على العري والاختلاط.
الشاعر الكبير الدكتور إبراهيم علي أبو الخشب أحد الأعمدة العريقة للأزهر الشريف.. رغم تجاوزه الحادية والتسعين عامًا "مواليد ١٩٠٥م" إلا أنه لا يزال يقدم الجديد للمكتبة الإسلامية خاصة في عالم الطفولة والأطفال.. قدم للمكتبة الأدبية العشرات من الدراسات المتخصصة حول فنون الأدب وعصوره وأصوله ونظرياته ثم عكف مؤخرًا على إخراج قصص الأنبياء شعرًا للأطفال. فقدم قصص آدم، وإبراهيم ونوح، وهود ويونس ويوسف ومحمد.. وهكذا ... وله أكثر من عشرة دواوين من رصين الشعر وأعذبه. ولأن شعره الخاص بعالم الطفولة يمثل إضافة هامة جدًّا لهذا العالم الرحب في ميدان التربية والتنشئة كان لنا معه هذا اللقاء..
● لماذا لم يقدم لنا .د. إبراهيم أبو الخشب أعماله الشعرية في ديوان كامل.. حيث يصعب جمعها من هنا وهناك؟
● لا أسأل أنا عن ذلك.. ولكن يُسأل الناشرون، أما أنا .. فإنني كثيرًا ما
أقول لنفسي:
غدًا أغدو إلى ربي *** بروح المولع الصب
أقول له هناك هل *** ستقبلني علي عيبي؟
وأنت الراحم الرحمن *** يا جاهي ويا حسبي
ويذكرني الذي خلفت *** من علمي ومن كـتبي ـ
ولم أمنن بهـا لكن *** مآثركن في ركبي
● ماذا يعني أدب الأطفال بالنسبة لكم؟
أدب الأطفال هو الأدب الموجه والموجه.. فأنا ضد من يسمون إبداعات الأطفال البدائية أدبًا إذ كيف نسمى مبادئ تعلم القراءة والكتابة والخيالات الساذجة جِدًّا .. والخرابيش الأولى للأولاد أدبًا .. هل يمكن أن نسمي التعثر الذي يتخبطون فيه مشيًّا سويًّا؟ هل يمكن أن نسمي تكسيرهم للأشياء والأدوات المنزلية دورًا اجتماعيًّا؟ بالقطع لا .. وهذا هو الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي أنه مولود في حماية من الرعاية والتوجيه والتربية والتأديب.. فأدب الأطفال هو الأدب الذي يبدعه الكبار الموهوبون للأطفال مراعيًا في ذاته وأهدافه المراحل العمرية المختلفة التي يوجه إليها ..
أيها الآباء في أطفالكم *** أمل ينمو على طول الزمن
اجعلوهم غاية ترجونها *** ليست الغاية من غير ثمن
رحم الله أبي أدبني *** ورعاني حينما كنت صغيرًا
ونهائي عن خلال السوء في *** كل شيء فتجنبت الحـقـيرا
- وأنتم من أهل اللغة العربية المتعمقين في أصولها وآدابها وتراثها.. كيف يمكن تقریب التراث للأطفال في زمن يعادي كلّما فيه التراث.
العداء للتراث ليس لأنه تراث.. ولكن لأنه ذاكرة الأمة.. ومرجع عنها .. ومستودع شرفها .. وهذا كله يحارب الآن.. ولكن لن يصح أبدًا إلا الصحيح مهما كانت حملات التضييع أو التمييع.. وعدو التراث إما جاهل أو خائن ولاشيء وراء ذلك..
وفي هذه الأيام تقوم بعض الدور الحكومية المصرية بتجارب ممسوخة وهايفة لنشر بعض كتب التراث بصورة متميزة جِدًّا لتوجه علماني خائن.. وهي تجارِب فاشلة فاشلة.. لأنها تمامًا كمن يأتي برجل في الثمانين من عمره ثم يلبسه بدلة طفل ويحاول أن يقنعك أن هذا طفل .. هؤلاء متاجرون يستفيدون من موجة عابرة... وهي الآن تلم أذيالها إلى حيث ألقت!! أما تقريب التراث فهو إعادة تمثله من جديد بنفس الروح وبنفس المعايير أما عملية "سخط" التراث لنقول: إنا قد قدمناه من جديد.. فهي عمليات تشويه متعمد كمن يلقي على وجه جميل ماء النار بحجة تنظيفه من الغبار... وأمامنا تجارِب ناجحة جدًّا لتقديم التراث للأطفال من جديد كأعمال عبد السلام العشري، ومحمد سعيد العريان وكامل الكيلاني، وعبد التواب يُوسُف وغيرهم، وبفضل الله لي بعض التجارِب الشعرية في هذا المجال.. فقد قدمت قصص الأنبياء في صورة حكايات شعرية .. فقدمت الأعمال الشعرية
آدم، وإبراهيم ونوح، ومريم.. وهكذا فمن قصة نوح مثلًا:
لم يك نوح يملك الأسطولا *** أو فاق في الحرب القرون الأولي
لكنه يملك قولًا قاطعًا *** ومنطقًا من البيان رائعا
والحق سيف لم يكن في حده *** إلا قضاء الله في حدوده
قالوا له يا نوح قد مللنا *** هذا الجدال بعدما كللنا
فأت لنا بذلك العذاب *** إنا نراه غــاية الكذاب
وقال نوح خففوا المقالا *** فلست آتي بينكم ضـلالا
وفي غد سيطلع النهار *** وفي الصباح يظهر العوار
وتمضى قصة إبراهيم طويلة .. في فصول روائية.. إلى أن يأتي ختامها ...
وهكذا مر بنا المقال *** أحسن ما يحكى وما يقال
من رجل قد جعل الجهادا *** دينا ولم يزهد له الجلادا
ورحمة الله عليه كلما *** صلى عليه مسلم وسلما
● البعض يقع في كتاباته للأطفال أسيرًا لنظريات التنشئة وعلوم النفس الأجنبية.. وعلى منهاجها ينشئ أدبه وفكره. ما رأيكم؟
● هذا كلام طيب.. فهناك أدباء مسحورون بالنظريات الأجنبية.. ومن أسف أن معظم هذه النظريات مغلوطة وشائهة.. خاصة ما وضعه اليهود منها .. والتربية في الإسلام تختلف عن هذا كله، إنها إن جاز التعبير.. هي الوصاية الراشدة على الأبناء.. وكل ما جاء به علماء التنشئة للأطفال شرقًا وغربًا من أمثال «ثرونديك» أو «بستالوزي» أو «بافلوف» أو «فرويل، أو غيرهم.. والله إن شطرًا من آية أو حديث ليعلو على ذلك كله .. ولكن أكثر الناس لا يفقهون.
● يجرنا هذا إلى ضرورة إيجاد نظريات إسلامية للتنشئة .. وإيجاد بدائل إسلامية لعلوم النفس والاجتماع خاصة ما يتعلق منها بالأطفال.
● نعم هذه صيحة قد أطلقها الخبراء والمربون المسلمون من نصف قرن تقريبا .. وخرجت بعض الجهود لعثمان نجاتي، وكامل كيلاني، ومحمد عطية الأبراشي، ولكن هذا لا يكفي أبدًا.. بل لا بد من تحرير المقررات الدراسية من هذه العبودية لهذه النظريات الساقطة.. وأنا أعجب.. كيف يتم حتى الآن تدریس نظريات الحادية بمدارسنا حول النشوء والارتقاء والتحليل النفسي على أسس جنسية وإسقاطات شوهاء وعلوم المجتمع على أساس نظرات دوركايم اليهودي الساقط وعلوم الاقتصاد على أساس نظریات «مارکس» المعقد المريض.. ويحضرني الآن قول الكاتب الشهير ليونارد ودلف في كتابه بعد الطوفان... يقول: «إذا كانت النكبات السابقة في التاريخ والتي سببها انهيار المدنيات، إما طبيعية أو اقتصادية.. فإنه مما لا جدال فيه أن نكبة العالم الآن خاصة في الدول المتحاربة .. إنما هي نكبة سيكولوجية وهذه دعوة لكل صاحب فكر وغيرة ورؤية وأهلية أن يتخير لنفسه واجبًا عمليًّا بدلًا من كثرة الثرثرة.
● في ظل الإلكترونيات وحضارة الصوت والصورة كيف يمكن التحفظ على الطفل.. خاصة.. وكيف يمكننا حمايته من هذا الإبهار المدمر؟
● نعم هذا إبهار مدمر.. وأنا أحب أن أسميه اللوثة الإعلامية المعاصرة.. وليس غريبًا أن اليهود الذين أفسدوا صناعة الإعلام ووظفوها لخدمة أغراضهم الدنيئة الخبيثة من صِحافة وسينما وتلفاز.. ليس بغريب عليهم أن يفسدوا على الأغرار والجهلاء هذه الصناعة من داخلها .. بالانحراف بأهدافها، وتسميم رسالتها خاصة فيمَا يتعلق بعالم التنشئة والتربية.. عالم الطفولة.. والمشاهد والمتابع لبرامج الأطفال يرى هذا التهويد المتعمد...
فبرامج الأطفال لدينا في مصر مثلًا.. لا تخرج عن ثلاثة محاور.. تعليم الأطفال السحر والشعوذة وتربيتهم على الخرافات والأساطير.. وتدريبهم على العري والاختلاط لذلك فإن حماية الطفل وتحصينه تبدأ أولًا بالمنزل ثم بالمسجد والأسرة المسلمة اليوم عليها أن تحاول بصبر وجلد من أجل استبقاء نفسها ورسالتها .. وأن تحتمي بكل القلاع والحصون لتفويت هذه الحرب القذرة التي يشنها أعداء الإسلام على الأسرة المسلمة زوجًا وأما وذرية، كما يجب على الأسرة التنبه إلى كل جديد في عالم الإعلام الإسلامي من وسائل حديثة.. وعليها توفيرها للطفل وتحبيبه فيها، وقديما قالوا: «الولد سر أبيه».
قصة قصيرة:
عريضة الدعوى:
نزل درج السلم مسرعًا، لم يلق تحية الصباح كعادته على جاره فهو شارد الذهن مشغول الخاطر.
وقف على ناصية الشارع وصوت أنفاسه كصوت أغصان أشجار في ليلة لم تسكن فيها الرياح استقل أول سيارة أجرة وقفت له محكمة الحروف قالها للسائق ولم ينبس بغيرها، استلقى في المرتبة الخلفية.. وأخذ يفكر في هذا الموعد، وبدأ يحلم كما يحلم الأطفال حينما يبنون بيوتا وقصورًا ومدنًا من رمل الشاطئ، ثم يأتي الموج في مده ويلتهمها دون رحمة ويضيع معه حلم طفولي جميل.. المحكمة.. قالها السائق دفع له المبلغ ولم ينتظر الباقي، رفع رأسه إلى أعلى وقرأ .. محكمة الحروف.. كتبت على لوحة مهترئة وصدئة قد تآكلت أطرافها.
دخل إلى قاعة المحكمة، وكان أول الحاضرين، جلس على الأريكة الخشبية العتيقة منتظرًا، وجال بناظريه في قاعة المحكمة مستعرضًا فيها قرونًا مضت حينما كان يعيش عنفوان الشباب والكرامة والعزة ولم يستطع أن يغالب دمعات انسابت من مقلتيه مسحها واستجمع قواه، فالكل قد حضر والعدد اكتمل.
دخل القاضي بلحيته البيضاء، وشعر حاجبيه الكثيف الأبيض المتهدل على عينيه .. نادى القاضي واستفتح الجلسة وأذن له أن يبدأ. وقف منتصب القامة، نافخًا صدره رافعًا رأسه للأعلى كصفر يكاد أن ينقض على فريسته سيدي القاضي حرف الضاد»، أنا حرف السين» أناشد عد التكم بالنظر في قضيتي، فهي قضية حياة أو موت، إنني ومنذ عدة عقود يمارس تجاهي أشكالًا وألوانًا من الإبادة حتى أصبحت مهددًا بالانقراض.. سنحرر .. سنرد.. سنحارب.. سنرميهم في البحر
س.. وس.. وسوف....
سنسترد. كلمات وشعارات رددت بالمذياع والصحافة وعلى منابر ومنصات العسكر من المحيط إلى الخليج. وكانت الحقيقة المفجعة.. سلام واستسلام سلام واستسلام سلام واستسلام، ولم أر إلا اضطهادًا لحرف السين مرة أخرى. إنني يا سيدي أناشدكم باسترداد كرامتي التي انتهكت وما زالت فأنا أحس بالاختناق وأشعر بحاجتي إلى قرار قوي وشجاع يكون كالهواء النقي أستعيد معه حيويتي ونشاطي وماضي التليد..
انتهى حرف السين من طرح قضيته. اجتمع القاضي وأعوانه، وساد القاعة صمت رهيب حتى لا تكاد تسمع همسًا.
. محكمة... قالها بصوت جَهْوَري.. اشرأبت الأعناق تنظر للمنصة وبدأ القاضي بتلاوة البيان: إننا واستشعارًا منا بجسامة الأمر وخطورة وضع صاحبنا وأخينا حرف السين» فإن المحكمة لتشجب وتدين هذه الحرب، وإننا نتعهد أمامكم بأننا سننظر .. وسندرس.. وسنقرر.. وس... عندها خرج حرف السين» من القاعة ولم ينتظر إكمال البيان خرج هذه المرة من الباب الخلفي للمحكمة مرددًا لم يعد في العمر بقية.
فهد بن عبد الله الشهري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل