العنوان التدخين في العالم الثالث.. العالم الثالث: السوق الرئيسي للتدخين.. لماذا؟
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1985
مشاهدات 105
نشر في العدد 701
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 22-يناير-1985
- الشركات الغربية تحقق مكاسب خيالية من جراء بيع السجائر للعالم الثالث
- تدخين العالم الثالث تجارة الرقيق الجديدة
- الدول المتقدمة تقدم الأموال لزيادة زراعة التبغ
إنتاج التبغ
لقد ازداد إنتاج التبغ في العالم.. ويقدَّر عدد السجائر المنتجة سنويا بأربعة آلاف بليون سيجارة (1) أو ما يوازي سيجارتين لكل شخص في العالم يوميًا (2) ويبلغ ثمنها مائة بليون دولارٍ أمريكي سنويًا (3)..
ويسيطر على الإنتاج العالمي للسجائر ست شركات عالمية مع بعض الشركات التي تملكها أو تتحكم فيها الدولة مثل "اليابان" و"الاتحاد السوفيتي" و"الصين الشعبية" (4).. ورغم أنَّ الدول النامية تنتج ٦٣٪ من جملة الإنتاج العالمي (5) للتبغ إلا أنَّ الشركات الاحتكارية الست العظمى تتحكم في هذا الإنتاج بقدرتها على شرائه وصناعته وتسويقه.. بينما لا تملك الدول المنتجة من العالم الثالث أي تأثير يُذكر على إنتاجها من التبغ (6) وتملك الشركات الكبرى وسائلها التي لا تحد في التحكم في إنتاج التبغ في العالم الثالث بواسطة نفوذها على الحكومات وبمجموعة من الشركات التي يساهم فيها بنسبة بسيطة بعض من لهم النفوذ في أقطار العالم الثالث..
ويكفي أن نذكر أنَّ شركةٍ واحدةٍ هي "فيليب موريس" تنتج وتبيع أكثر من ١٧٥ نوعٍ من السجائر في ١٦٠ دولةٍ وتتحكم في ٢٥ شركةٍ مصنعةٍ للسجائر ومجموعة من الشركات المتخصصة بتسويقها.. وقد نمت هذه الشركات نموًا هائلًا في السنوات الأخيرة في العالم الثالث (7) وللأسف تقوم حكومات الدول الغربية الكبرى بتشجيع هذه الشركات الاحتكارية والتي نجحت في تحقيق مكاسب خيالية من جراء بيع السجائر للعالم الثالث، وقد قامت "الملكة إليزابيث الثانية" ملكة المملكة المتحدة بإعطاء جائزة التصدير الأولى لشركات التبغ مما حدا بمجلة اللانست LANCET الطبية المحترمة، أن تكتب مقالًا في عددها الصادر ٧ يناير ١٩٨٤ بعنوان «تدخين العالم الثالث تجارة الرقيق الجديدة».
واعتبرت المجلة قيام الملكة بتقليد شركات التدخين «شركة روثمان بالذات» (8) وسام التصدير عام ۱۹۸۳ كارثة أخلاقية حيث تقوم ملكة بريطانيا بتشجيع شركات التبغ على تسميم العالم الثالث ونشر الموت فيه.. وهو يشبه حرب الأفيون التي شنتها "بريطانيا العظمى" على "الصين" في عهد "الملكة فيكتوريا".. والتي اضطرت "الصين" بعد هزيمتها إلى السماح لبريطانيا بنشر الأفيون والاتجار فيه في "الصين"، وقد استمرت حرب الأفيون من عام ۱۸۳۹ إلى عام ١٩٤٢.. ولقد وقف "جلادستون" في مجلس العموم البريطاني في عشية الحرب قائلًا: أنا لا أعرف أية حرب أكثر ظلمًا من أصول هذه الحرب.. ولا أكثر قابلية لرمي بلدنا بالخزي والعار (9).
وكان "جلادستون" هو الوحيد الذي وقف ضد هذه الحرب المخزية بينما كان مجلس العموم ومجلس اللوردات يصوِّتون بالإجماع بالموافقة على هذه الحرب من أجل تسميم الشعب الصيني بالأفيون.. وقامت بريطانيا بالتحالف مع "فرنسا" لحرب "الصين" مرة أخرى من أجل نشر الأفيون في جميع الأراضي الصينية بعد أن حدَّدته المعاهدة السابقة ببعض الموانئ فقط ودامت هذه الحرب من عام ١٩٥٦ حتى عام ١٨٦٠ وانتهت بإحراق قصر إمبراطور "الصين" و"معاهدة تنيسين" المهينة "للصين" (١٠).
وفي "مصر" كان "لبريطانيا" دور فعَّال في نشر الحشيش والأفيون وعندما حاولت الحكومات المصرية في عهد الانتداب إقامة حرس للحدود جعلت "بريطانيا" قائد هذا الحرس أحد جنودها وكان ذلك القائد يسمح دومًا بتهريب الحشيش والأفيون إلى "مصر".
وقامت "بريطانيا" بنشر زرع الأفيون والحشيش في "الهند" وما يُعرف اليوم "بباكستان" وفي "فلسطين" أيام الانتداب البريطاني، كما قامت "فرنسا" بنشر زراعة الحشيش في "سوريا ولبنان" ودول "المغرب العربي"..
وليس مستغربًا إذن أنَّ تشجع ملكة بريطانيا الحاليَّة شركات السجائر البريطانية على التصدير سمومها للعالم الثالث إذ إنَّ هذه الشركات حققت مبيعات بآلاف الملايين من الجنيهات وبلغ صافي الربح لعام ١٩٨٢ م ٧٤٣ مليون جنيه إسترليني (١١).
و يقول تقرير الكلية الملكية للأطباء الصحة أو التدخين لعام ۱۹۸۳ (۱۳): إنَّ الولايات المتحدة أدخلت التبغ في برنامجها المسمَّى «الطعام من أجل السلام» وبموجبه قامت بتكثيف مبيعاتها من التبغ والسجائر إلى العالم الثالث».
وهكذا حتى عندما تقدِّم "الولايات المتحدة" ما يسمَّى ببرنامج الغذاء من أجل السلام تهتم أولًا بنشر سموم التدخين في العالم الثالث كما تهتم بتسويق منتجاتها من القمح وغيره من الأطعمة.
وقطعًا ليس الغرض إنسانيًا حتى عندما توزع "الولايات المتحدة" القمح على دول العالم الثالث وإنما الغرض سياسي وتجاري.. وتضمن فيه "الولايات المتحدة" مزيدًا من السيطرة على مقدرَّات العالم الثالث.
وتملك الشركة الأمريكية البريطانية .co British Averican Tobacco أكثر من ۱۱۹ مصنعًا لصناعة السجائر في ٥٢ دولةً.. ويكفي أن تعلم أنها تحتكر ۸۱ بالمائة من أسواق "البرازيل" و ۳۹۸ من أسواق "إندونيسيا" في مجال التبغ (١٣).
وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «FAO» إن التبغ يزرع حاليًا في ١٢٠ قطرًا.. وأهم الدول المنتجة للتبغ هي: "الاتحاد السوفيتي، الصين الولايات المتحدة الأمريكية، الهند، البرازيل، اليونان، تركيا، اليابان، بلغاريا، كندا، كوريا الجنوبية وزيمبابوي".
والجدول التالي يوضح إنتاج ١٩٧٦م:
"الصين" 1,000,000 طن
"الولايات المتحدة الأمريكية" 96,000 طن
"الهند" ۰۰۰ ر ۳۷۰ طن
"الاتحاد السوفيتي" ۰۰۰ ر ۳۱۸ طن
"تركيا" ٠٠٠ ر ۳۰۰ طن
"البرازيل" 253,000طن
"بلغاريا" ١٦٥,٠٠٠٠ طن
"اليابان" ١٦٥,٠٠٠ طن
"اليونان" ۱۲۷,۰۰۰ طن
"إيطاليا" 100،000 طن
"بولندا" ۰۰۰۰, ۱۰۰ طن
وفي الشرق الأوسط زاد إنتاج السجائر محليًا كما زادت الكمية المستوردَة من السجائر، وقد تضاعف إنتاج السجائر محليًا أربع مرات في الفترة ما بين عام ١٩٥٠ وعام ۱۹۷۰ ولا تزال الزيادة مستمرة.. وتقدَّر الكمية المستهلكة من السجائر سنويًا في "الشرق الأوسط" بما يقدَّر بـ ٨٠ بليون سيجارة وهذا يعني استهلاك ٦٠٠ سيجارة لكل شخص فوق سن الخامسة عشرة (١٤).
وفي "المملكة العربية السعودية" كانت كمية التبغ المستوردَة عام ۱۹۷۲ «وهي أول إحصائية تذكرها الغرفة التجارية» ٤,٥٧٥٠٠٠٠ كيلوجرام.. وفي عام ۱۹۸۱ بلغت هذه الكمية المستوردَة من التبغ ٧٢٢,٥٠٠ / ٣٦ كيلوجراما (١5) أي أنها تضاعفت تسع مرات تقريبًا في أقل من عشر سنوات.. وهي زيادة رهيبة ومرعبة لا مثيل لها في العالم.. وقد بلغ الثمن الرسمي لهذه الكمية قرابة ألف مليون ريـال.. أي بواقع ٤٥ كيلوجرامات من التبغ لكل فرد من السكان في العالم.
وفي عام ١٩٧٦ احتلَّت "سوريا" المرتبة الخامسة في قائمة الدول النامية من حيث استهلاك التبغ للفرد (١٦)
"كوبا" ٢,٤ كيلوجراما من التبغ للفرد
"الأرجنتين" ٢,٣٤ كيلوجراما من التبغ للفرد
"روديسيا" ۱۹ ,۲ كيلوجراما من التبغ للفرد
"بورما" ۱۱ ,۲ كيلوجراما من التبغ للفرد
"سوريا" ٢٠١ كيلوجراما من التبغ للفرد
ويحتل التبغ المرتبة السابعة في العالم من حيث الأراضي المزروعة ويأتي القمح والأرز والذرة والصويا والقطن والقهوة.
وهناك قرابة مائة بلد نامٍ تزرع التبغ.. وتقوم الشركات الكبرى العالمية لصناعة التبغ ثلاث منها في "المملكة المتحدة" وثلاث في "الولايات المتحدة" وواحدة في "فرنسا" بالسيطرة على إنتاج دول العالم الثالث سيطرة تامَّة بواسطة مجموعة كبيرة من الشركات التابعة لها.
وللأسف فإنَّ بعض البلاد النامية تعتمد على التبغ كمصدر للعملة الصعبة.. وفي "زيمبابوي" يُعتبر التبغ المصدر الرئيسي للعملات الصعبة.. كما أنَّ زراعة التبغ وصناعته هناك تحتل قائمة الصدارة في عدد العمال والمزارعين الذين يعملون في هذه المهنة، وبما أن زراعة التبغ سهلة نسبيًا وبما أنَّ محصوله وثمنه جيد نسبيًا فإنَّ زراعته تعتبر بالنسبة للكثير من البلاد النامية مصدر رزق المجموعة من العمال والرأسماليين وتقرر منظمة فاو التابعة "للأمم المتحدة" أنَّ التبغ يشكل عائدًا اقتصاديًا سريعًا (١٧)..
وبما أنَّ استبدال التبغ بمحصولاتٍ أخرى مثل الفواكه أو الحبوب يستغرق وقتًا وجهدًا ومالًا فإنَّ كثيرًا من دول العالم الثالث لا تحاول جادَّة في تغيير منهجها في زراعة التبغ، ولذا فإن على المنظمات الدولية والدول المتقدمة أن تقدم المساعدات السخيَّة في هذا المضمار.
وللأسف كما تقول "اللانست" (۱۸) فإن الدول المتقدمة تقدِّم الأموال لزيادة زراعة التبغ الذي تسيطر عليه شركاتها وقد قدَّمت بريطانيا ٣,٥ مليون جنيه إسترليني لأربع دول من "الكومنولث" لزيادة مزروعاتها من التبغ وتحسين نوعيته، وذلك فيما بين عام ١٩٧٤ وعام ۱۹۷۹، وعلى العكس من ذلك كان موقف "النرويج والسويد" إيجابيًا حيث قامت هاتان الدولتان بمساعدة المنظمات الدولية مثل "الفاو" و"منظمة الصحة العالمية" في برامجها الرامية إلى مكافحة التدخين في العالم الثالث.
يُتْبَعُ في العدد القادم
(۱) و (2) مجلة الأمة عدد ربيع الأول ١٤٠٤ مقال التدخين والصحة د. "نبيل صبحي"
(3) مجلة "lenge الطبية" مجلد 6 رقم (۳ (۱۹۷۸)
(4) كتاب الصحة أو التدخين للكلية الملكية للأطباء "بالمملكة المتحدة" عام ١٩٨٣ صفحة ٩٧
(٥) مجلة "ميديسن دايجست" عدد أکتوبر ۱۹۸۳
(6) كتاب الصحة أو التدخين
(۷) المصدر السابق
(۸) من المعروف أن هذه الشركة يهودية وأن كثيرًا من أرباحها قد ذهبت لإسرائيل وتشجيع الهجرة إليها.
(9) المسكرات بين الشرائع السماوية والقوانين الجنائية تألیف "إسماعيل الخطيب".
(۱۰) دائرة المعارف البريطانية ميكروبين ٧
(۱۱) مجلة "اللانست Y LANCET" يناير ۱۹۸۱ مجلد ۲۳/۱ (۱۲) صفحة ٩٧ Bealth or Smoking
(۱۳) تقرير الكلية "الملكية للأطباء" لعام ١٩٨٣ «الصحة أو التدخين».
(١٤) رسالة د. "عبد الحسين طابا" المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية نقلًا عن مجلة الأمة ربيع الأول ١٤٠٤
(۱٥) إحصائيات الغرفة التجارية "بالمملكة العربية السعودية".
(١٦) مجلة "الصحة العالمية" عدد فبراير / مارس ۱۹۸۰ صفحة ١١.
(۱۷) كتاب الصحة أو التدخين إصدار الكلية الملكية للأطباء صفحة ١٦ - ٩٧
(۱۸) مجلة "اللانست" ٧ يناير ١٩٨٤ مجلد ١ رقم ٨٣٦٧ ص ٢٣ وكتاب الصحة أو التدخين للكلية الملكية للأطباء ص ۹۷
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل